تسجيل الدخولالتمعت عينا عاليا بالشوق: "ماشي.. ماما وحشتني أوي، وليلي وكلهم وحشوني خالص." حسام بتنهيدة حارة: "ومين سمعك! إحنا هنا داخلين على سنة أهو، مكنتش اتخيل أبداً إني أقدر أفضل كل ده بعيد عنهم.. اللِّي مصبرني كان الفيديو كول." عاليا بأمل: "هانت.. كلها شهر ونشوفهم ونشبع منهم." نظر لها حسام بلؤم محب ومقرب: "ياااارب.. قرب البعيد بقى، وقرب القريب برضه!" اتسعت ابتسامتها الخجولة، وتهربت من نظراته لتتحصن داخل غرفتها، بينما يتابعها هو بنظرات ممتنة لرجوعها. أصبح حسام رجلاً آخر؛ بات يدللها دلالاً كبيراً، يسبقها إلى أعمال المنزل، ويساعدها في كل صغيرة وكبيرة، ويحاول إرضاءها بأي شكل كان، ولا يترك فرصة تمر دون أن يتقرب من قلبها ومسامحتها. عندما كان يصيبها التعب، كان يسهر بجانبها طوال الليل يمسد رأسها بيده ويمسح جبينها، ويتابع معها مواعيد الطبيب بدقة شديدة. لا تزال عاليا تتذكر أول مرة شاهدا فيها الجنين سوياً عبر شاشة "السونار"، ورأت الفرحة الطاغية والدموع تترقرق في عينيه.. ها هي الآن قد بدأت شهرها الخامس، وبدأت تشعر بحركة الجنين الخفيفة في أحشائها كرفرفة الفراشات. كل يوم يأتي حسام بلهفة، يضع ك
كان حسام يستمع إليها وهو في حالة ذهول تام، عقله لا يستوعب حجم التضحية والألم اللذين عاشتهما بمفردها.. بدأ يرجع بذاكرته إلى الخلف، يتذكر كل ليلة رآها فيها تبكي، كل لحظة كانت تخفي فيها وجهها عنه، والأشياء الكثيرة الغامضة التي كانت تخفيها.. تساءل في حرقة: كيف لم يلفت انتباهي كل هذا؟ كيف كانت تعاني وتتألم وتواجه الموت والمرض بمفردها دون أن تشعرني بأي شيء؟! كيف لم أنتبه؟! كيف كنت أعمى ومهملاً إلى هذا الحد وخنتها في النهاية؟! كيف؟!! استمرت عاليا بالحديث وصوتها يزداد شرخاً: "لما شفتك يومها مع البنت دي في المكتب.. أنت دَبحتني بسكينتك الباردة يا حسام.. فكرت مع نفسي كتير في أيام غيابي، وسألت روحي: هل أنت كنت تستاهل كل اللِّي عملته دا من الأول؟ هل كنت تستاهل إني أستحمل الوجع والخوف من المرض علشانك؟!" مسحت دمعة هاربة سقطت على وجنتها وتابعت: "بعد الحادثة.. رغم كل اللِّي شفته منك، زعلت عليك لما عرفت إنك تعبت.. لقيت نفسي لسه بحبك، وقولت لنفسي إنك كنت تستاهل أضحي علشانك.. بس قلبي مجروح، جرحه غاير أوي.. لما اكتشفت الحمل فرحت وزعلت في نفس الوقت، وبرضه خفت أفرح وأعشم نفسي والبيبي ينزل ويسيبني.."
اقتربت خطوة وصوتها يحمل عتاباً ودلالاً مستفزاً: "ليش هيك يا حسام؟ آخر مرة لما كنا بالمكتب فكرتك صرت تبادلني نفس الشيء وتتقبلني.. ليش تغيرت فجأة فترة وهيك قسيت؟ ومنو هادي البنت يالي إجت فجأة وبدلت حالك وشقلبت كيانك هيك؟" ضرب حسام بكفه على المكتب وصاح بصرامة هزت أركان الغرفة: "البشمهندس حسام بالنسبة ليكي! لزمي حدودك وأنتِ بتتكلمي معايا! والبنت اللِّي مش عاجباكي دي تبقى مراتي.. ستك وست كل الستات! أنا عمري ما بادلتك أي حاجة، ودايماً كنت بصدك وأقفل في وشك كل باب، وأفهمك إنك متلزمنيش، وقرار نقلك دا أصلاً اتأخر أوي وكان المفروض يحصل من زمان!" بدت الخيبة على وجهها، لكنها تابعت ببرود ممتزج بالتحدي: "ما كنت بعرف إنها مرتك.. لكن ليش ما بنصير رفقا؟ شو المانع نكون أصدقاء بالعمل؟" رد حسام بنفاد صبر وقرف شديد: "مش عاوز رفقا ولا عاوز زمالة ولا عاوز زفت! ابعدي عني بقى وسيبيني في حالي، اتفضلي بره!" مطت شفتيها ببرود مستفز وقالت: "أوكي.. فيكي تدخلي الحين." عقد حسام حاجبيه بحيرة واستغراب، ونظر إلى الباب قائلاً: "مش فاهم قصدك إيه؟ مين اللِّي تدخل؟" وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ببطء، لتظهر من خ
رامي: "وعرفتي منين إنها مراحتش شقتها؟ روحتي هناك؟" ليلى بحسرة: "ياريت كنت أقدر.. بعت سارة ومنة ومحدش من الجيران شافها، وخبطوا على الباب محدش فتح." رامي محاولاً طمأنتها: "ما يمكن نزلت في أوتيل تريح أعصابها، سواء هنا أو في دبي." ليلى: "حسام سأل في الأوتيلات هناك وملقاش حاجة." مسح رامي على رأسها وقال بجدية: "خلاص، أنا هشوفلك إذا كانت رجعت مصر ولا لأ، وإن شاء الله خير." تطلعت إليه ليلى برجاء: "ياريت يا رامي.. يارب توصل لحاجة." رامي: "إن شاء الله خير، اهدي بس." رن هاتف حسام، وكانت المتصلة "مي" صديقتهما المشتركة.. مي بعتاب مازح: "أنا كويسة الحمد لله.. أنت أخبارك إيه؟ وعاليا؟ كدا يا أندال نسيتوني!" حسام بنبرة خافتة ومجهدة: "معلش يا مي.. حقك عليا بس أنتِ عارفة اللِّي حصل." مي بضحكة: "بهزر يا حسام مالك أخدت الموضوع قفش كدا ليه؟.. بقيت تعرف تتحرك عادي؟ وإيدك أخبارها إيه؟" حسام: "الحمد لله بقيت كويس." مي: "والصداع لسه برضه؟" أغمض حسام عينيه بألم واعتصار وهو يتذكر الحادث وما بعده: "عاليا صممت أعمل أشعة والحمد لله سليمة.. خف كتير على الدواء الأخير والدكتور قال هيخف مع الو
اتسعت عينا حسام وقال بلهفة: "طيب ممكن تقولي إيه اللِّي حصل؟" وفي تلك الأثناء بمصر، كان رامز يجلس مع منة وعلامات الارتياح تبدو عليه: "أظن حسام بقى كويس دلوقتي والحمد لله فك الجبيرة، وممكن بقى نعمل الفرح.. إيه رأيك؟" منة بابتسامة: "أه الحمد لله بقى كويس، خلاص أنا هفاتحه في الموضوع أول ما نكلمه." رامز: "ماشي يا حبيبتي.. كفاية كدا تأجيل بقى." منة: "يا رامز ما هو إحنا كنا خلاص اتفقنا، بس حادثة حسام دي هي اللِّي لغبطت كل حاجة.. هنعمل إيه بس؟" رامز بمحبة: "يلا معلش، كل تأخيرة وفيها خيرة." قطعت خلوتهما سارة وهي تدخل بخطوات سريعة وملامح قلقة: "معلش قاطعت عليكم القعدة الرومانسية دي، بس أنا عاوزة منة دلوقتي حالاُ!" منة باستغراب: "في إيه يا سارة؟" سارة: "تعالي معايا بس ثواني.. عن إذنك يا رامز." خرجت منة معها إلى الشرفة وقالت بقلق: "في إيه بقى؟ قلقتيني!" سارة بصوت منخفض: "ليلى كلمتني وعاوزانا نروح شقة أخوكي حسام دلوقتي، بس من غير ما حد يعرف خالص." منة بدهشة: "ونروح ليه؟" سارة بصراحة: "بصراحه كدا.. أخوكي وعاليا متخانقين وهي مختفية بقالها أيام، وهو شاكك إنها ممكن تكون رجعت
نظرت "عاليا" إلى "أحمد" بعينين يملؤهما الانكسار وقالت بصوت مخنوق: "عاليا.. أنا استجدعتك الصبح، عرفت من لهجتك إنك مصري، وإنك وقفت تدافع عن واحدة متعرفهاش وسط الغربة دي." أحمد باهتمام صادق: "طيب ممكن أعرف مالك؟ الصبح مكنتيش بالحالة دي.. فيه حاجة حصلت؟" عاليا بضياع: "متعرفش هنا أوتيلات قريبة؟ عاوزه أوتيل أنزل فيه كام يوم لحد ما أشوف هعمل إيه." كانت عاليا تنظر لهاتفها كل بضع دقائق، تعيد تحديث الشاشة وتتأمل الإشعارات، لكن الهاتف ظل صامتاً. لاحظ "أحمد" توترها الملحوظ، فقال: "أنا شايف في إيدك دبلة جواز.. هو أنتِ كنتِ قاعدة فين قبل كدا؟ على فكرة، ممكن تردي على اللي بيتصل عادي، متقلقيش." عاليا بارتباك شديد: "ثواني.." ردت على الهاتف بيد ترتجف: "ألو؟ أنت مين؟ حسام فين؟ حسام.. حسام، حصله إيه؟! العنوان لو سمحت!" أحمد بقلق: "مالك؟ في إيه؟" عاليا بانهيار يمزج بين البكاء والقلق والإعياء الشديد: "حسام.. حسام عمل حادثة! أنا عاوزه أروح المستشفى." أحمد وهو يحاول الحفاظ على هدوئه: "طيب إيه العنوان؟ ومين حسام دا؟" عاليا بتلقائية ولهفة، وكأن سنوات الخذلان تلاشت في لحظة خوف: "جوزي!" أملت
لاحظت الأم نظراتها وسألتها: "بتدوري على حاجة؟" — "في ضيوف مستنياهم يا ماما.. أهو جم! عن إذنك اروح أستقبلهم." تحركت عاليا بسرعة نحو الباب واستقبلتهما بابتسامة عريضة: "أهلاً أهلاً.. اتأخرتوا ليه؟ أنا قلت مش جايين! هو دا اللي خلصت بدري؟" قال حسام مدافعاً عن نفسه وهو يعدل ياقة بدلته السوداء الأني
دخلت عاليا المنزل والبهجة تملأ كيانها، وغادر حسام وهو يشعر بأنه يملك العالم. أما ذلك الشخص الآخر، فقد كان يكاد يحترق من الغضب.. لكن من يبالي به؟صعدت عاليا إلى غرفتها، غسلت وجهها وأدت صلواتها بقلب خفيف، ثم استلقت على فراشها لتستسلم لسبات عميق مريح لم تذقه منذ أشهر.في الصباح التالي، بدأت خيوط الشمس
التفتت إليه عاليا وخطت خطوة للأمام قائلة بجمود مصطنع: — "أنا خلصت.. يلا نمشي." نظر إليها حسام بتمعن، باحثاً في ملامحها عن سبب هذا التحول المفاجئ، وسألها بهدوء: — "كله تمام؟ مامتك كويسة؟" — "آه، كويسة الحمد لله." خطا خطوة نحوها ومال برأسه قليلاً: "طيب مالك؟ شكلك زعلتِ فجأة!" حاولت الهروب بعيني
اتسعت ابتسامة حسام، واشتبكت نظراته بنظراتها وهو يقول بنبرة تملأها الفرحة والارتياح:— "افتكرتيني أهو! هههههه."ردت عاليا، محاولةً الحفاظ على هدوئها رغم النبضات المتسارعة في صدرها:— "أكيد في ناس بيفضلوا في الذاكرة ومستحيل يتنسوا.. بس الملامح بتتغير، أنت عارف بقى.. يعني في وقت كبير عدا، دا حتى أنا ك







