اتسعت ابتسامة حسام، واشتبكت نظراته بنظراتها وهو يقول بنبرة تملأها الفرحة والارتياح:
— "افتكرتيني أهو! هههههه."
ردت عاليا، محاولةً الحفاظ على هدوئها رغم النبضات المتسارعة في صدرها:
— "أكيد في ناس بيفضلوا في الذاكرة ومستحيل يتنسوا.. بس الملامح بتتغير، أنت عارف بقى.. يعني في وقت كبير عدا، دا حتى أنا كمان..."
قاطعها حسام بنظرة إعجاب دافئة صريحة، لم يستطع إخفاءها:
— "لسه زي ما أنتِ.. زي القمر."
شعرت عاليا بدمائها تتدفق إلى وجنتيها، فتنحنحت بارتباك شديد حاولت تداركه وهي تبعد عينيها عنه:
— "احم.. احم.. مت.. متشكرة، دا من ذوقك."
هنا، تدخلت مي بذكائها المعهود لتنقذ الموقف وتكسر حدة الخجل الذي خيّم على المكان، فقالت بابتسامة حنونة:
— "طيب تعالوا نقعد، واحكيلنا عملتِ إيه وكنتِ فين كل الفترة دي؟"
تحركت عاليا معهما وهي تجيب:
— "ماشي.. بس بجد أنا فرحت أوي إنك حققتِ حلمك يا مي. بالمناسبة، أنا عاوزة ألبس فستان من تصميمك، الخطوبة الأسبوع الجاي!"
تسمّرت قدم الحساب، وانقبض قلبه فجأة، وحلّ الخوف والحزن محل الفرحة في عينيه وهو يسأل بنبرة متهدجة:
— "خطوبة مين؟!"
نظرت إليه عاليا، وافترت شفتاها عن ابتسامة باهتة، وقالت بنبرة يسكنها ألم دفين:
— "أختي.."
تنفس حسام الصعداء، وعادت الفرحة تشرق في ملامحه من جديد وكأنه عاد إلى الحياة، فقال بحماس:
— "ألف مبرووووك بقى!"
صفقت مي بيديها بخفة قائلة:
— "يلا.. احكيلنا بقيت قصتك."
تنهدت عاليا، وجلست مسترخية وهي تعود بذاكرتها إلى الوراء:
— "ماشي.. بعد ما خلصت الإعدادي وبابا مات، عمي كان عايش في أمريكا، جه وأخدنا نعيش هناك معاه. وأنا كملت تعليمي هناك ودرست إدارة أعمال علشان أقدر أمسك الشغل بتاع بابا بعدين. وأختي كمان درست، وحازم ابن عمي.. ولما حازم خلص هو وليلي، لأنهم أكبر مني طبعاً، نزلوا مصر وعمي وطنط مراته وافتتحوا شركة مقاولات هنا وبيزنس كبير."
صمتت برهة ثم تابعت وعيناها تلمعان بذكريات الغربة:
— "أنا كنت لسه بدرس، وماما فضلت معايا هناك. اتخرجت من الجامعة بتقدير ممتاز، وعملت دبلومة وماجستير، ولسه نازلة مصر من حوالي 6 شهور بس. حاولت أشتغل هنا، بس حازم مكانش بيوافق، وحصلت حاجات كتير خلتني في عالم تاني.. بس عارفين؟ رغم كل السنين دي مقدرتش أعمل أصحاب تانيين، أصحاب بجد.. كانوا كلهم مجرد زمايل دراسة مش أكتر، ودورت عليكم كتير بس للأسف معرفتش أوصل لحد.. لحد ما شفت الرسالة بتاعتك يا مي."
ثم التفتت إليهما بفضول طفولي طمس حزنها مؤقتاً:
— "ها.. وأنتوا احكولي يلا؟"
لكن حسام كان قد شرد في تفصيلٍ معين، وانعقد حاجباه بانتباه وريبة بعدما شده كلامها عن ابن عمها، فسألها بفضول واهتمام:
— "وحازم مكانش بيوافق تشتغلي ليه؟ وهو ماله بيكي أصلاً؟"
ساد صمت قصير، وهبطت غمامة من الحزن على وجه عاليا، ثم ضحكت ضحكة مكسورة خالية من المرح وقالت:
— "كنا يعتبر مخطوبين.. وهنتجوز بعد شهرين.. هههههه."
اتسعت عينا مي بصدمة وقاطعتها:
— "كنا؟!"
تابعت عاليا ببرود مصطنع تحاول به حماية قلبها الجريح:
— "نسيت أقولكم إن ليلي أختي خطوبتها الأسبوع الجاي على حازم.. هههههه."
تبادل حسام ومي نظرات ذهول عارمة، وخرجا بصوت واحد:
— "إيه؟!!!!!"
انفجرت عاليا في ضحك عصبي متواصل، والدموع تكاد تفر من عينيها:
— "ههههههههه.. عاوزاكي تتوصي بالفستان أوي يا مي، دا أنا أخت العروسة!"
في تلك اللحظة، اختلطت المشاعر في صدر حسام، ولم يعد يعلم أيفرح لأنها أصبحت حرة، أم يحزن على الكسر الذي يعتصر قلبها، ولكنه قال بحيرة:
— "أنا مش فاهم حاجة! إزاي كنتوا بتحضروا لجوازكم، وخطوبته على أختك الأسبوع الجاي؟!"
رفعت عاليا يدها وتمسكت بطرف إصبعها لتمسح دمعة هاربة خانتها وسقطت على وجنتها، ثم قالت محاولةً تغيير الأجواء:
— "بقولكم إيه.. أنا مش ناقصة نكد وزعل، احكولي أنتوا عملتوا إيه في حياتكم؟"
أدركت مي رغبتها في الهروب من الألم، فابتسمت قائلة:
— "عندك حق.. بصي يا ستي، أنا درست تصميم الأزياء زي ما كنت بحلم طول عمري، واشتغلت من وأنا لسه في الجامعة لحد ما قدرت أفتح الأتيليه دا من سنة، وبدأت أتعرف شوية في السوق.. دعواتك بقى."
صقفت عاليا بحرارة وفرحة حقيقية لصديقتها:
— "ألف مبروك عليكي، أنتِ تستاهلي كل خير.. طيب ومفيش حاجة تانية؟" وغمزت لها بخفة.
ضحكت مي بخجل:
— "ههههههه لا مفيش، مفكرتش بصراحة، كنت مركزة على الشغل بس.. بس ممكن أبدأ أفكر بقى هههههه."
التفتت عاليا إلى الجانب الآخر وسألت:
— "وأنت يا حسام؟"
رد حسام بنبرة فخر مازحة:
— "أنا بقى يا ستي بقيت مهندس.. هههههه متسألنيش إزاي، أنا نفسي مش عارف!"
بادلتها عاليا الضحك قائلة:
— "إزاي بقى؟ أنت كنت شاطر طول عمرك، يعني حاجة متوقعة.. طيب، واتجوزت ولا لسه؟"
أجابها حسام بسرعة وعيناه مثبتتان عليها:
— "لسه."
وهنا غمزت مي لعاليا وقالت بخبث محبب:
— "والله ليه معجبات كتير، بس نقول إيه بقى.. القلب وما يريد! هههههه."
التفت إليها حسام وضربها بخفة على كتفها متظاهراً بالغيظ:
— "يا شيخة بقى! عاوزاها البت دي ولا أرميها من الشباك؟"
ضحكت عاليا من قلبهما وقالت:
— "هههههههه لا خليها، هي هتسكت.. بنت عيب متضايقيش عمو! بس إيه حكاية القلب وما يريد بقى؟"
ملأ التوتر ملامح حسام، واحتلت الحمرة وجهه وهو يتلعثم:
— "هههههههه دي.. دي بتهزر، سيبك منها."
نظرت إليه عاليا بنظرة ذات معنى وغمزت له:
— "ماشي يا بشمهندس.. طيب يلا خدي المقاسات وفرجيني على المكان، عاوزه الفستان يجهز بسرعة، عاوزه حاجة مميزة جداً."
قامت مي وهي تجهز أدواتها:
— "حاضر.. بس أنا مش فهماكي يا عاليا، أنتِ إزاي هتقدري تحضري اليوم دا؟"
سقط السؤال على قلب عاليا كالحجر، فشردت قليلاً، وعادت بها الذاكرة إلى الوراء.. إلى ذلك اليوم الذي جمعها بحازم..
كانت تمسك بمجلة أزياء، وتقول بنبرة رجاء دافئة:
— "حازم، شوف إيه رأيك في الفستان دا؟ اعمل زيه للخطوبة، عاوزه أكون مميزة في اليوم دا."
رد حازم بنبرة جامدة وجافة وهو بالكاد ينظر إليها:
— "أنتِ فعلاً مميزة يا عاليا، علشان كده اخترتك."
سألته بلهفة العاشق الذي يبحث عن أمان:
— "بجد يا حازم؟ أنت بتحبني وشايفني مميزة؟"
زفر حازم بضيق ونفاد صبر:
— "يووه يا عاليا! كل شوية تسأليني نفس السؤال؟ أمال هتجوزك ليه يعني؟!"
انكمشت عاليا على نفسها وقالت بصوت منكسر:
— "من غير عصبية يا حازم.. نفسي مرة متعصبش عليا وأحس بحبك دا.. أنت ليه دايماً عصبي معايا أنا بالذات، مع إنك بتعامل الكل عادي؟"
أجابها ببرود أشد وهو يلتفت عنها:
— "علشان أنتِ لازم تفهميني."
نزلت دمعة صامتة من عينيها وهي تقول:
— "أنا فاهماك.. بس يا ترى أنت فاهمني؟ ساعات بحس إنك مش طايقني، وإني مش مهمة عندك، ومش من ضمن قائمة أولوياتك.. أنا فين في حياتك يا حازم؟"
رد باستهزاء ونفاد صبر وهو يغادر الغرفة:
— "نفس الكلام.. أنتِ مش بتزهقي أبداً!"
قطعت يد حسام الملوحة أمام وجهها شريط ذكرياتها الأليم، وهو يناديها بقلق:
— "عاليا.. عاليا! هييييه.. أنتِ رُحتي فين؟"
هزت رأسها لتطرد طيف حازم من مخيلتها، وظهرت معالم الضيق والارتشاف على وجهها:
— "سوري يا جماعة.. بس سرحت شوية. يلا يا مي علشان اتأخرت وعاوزه أمشي."
تبادلوا أرقام الهواتف بسرعة، واتفقوا على لقاء قريب، ثم غادرت عاليا المكان وهي تجر خطى ثقيلة، تاركةً خلفها علامات استفهام كثيرة.
التفتت مي إلى حسام وسألته بنبرة حائرة:
— "إيه؟ مالك ساكت ليه من ساعة ما عاليا مشيت؟"
أجاب حسام وهو ينظر إلى الباب الذي خرجت منه، وعيناه ممتلئتان بنظرة حماية دافئة:
— "مش عارف.. بس هي صعبانة عليا أوي، اتحطت في موقف صعب، يكسر أي حد."
تنهدت مي بحزن:
— "ربنا معاها.. ليلي دي عمري ما ارتحت لها أبداً.. "
تحرك حسام نحو الباب قائلاً بنبرة مشتتة:
— "يلا.. أنا ماشي."
— "طيب استنى هقولك..."
قاطعها حسام وهو يفتح الباب: "بعدين يا مي.. سلام."
عادت عاليا إلى منزلها، جسدها في السيارة وعقلها هائم في ملكوت آخر. دخلت من الباب بخطوات تائهة شارده، ولم تنتبه لشخص يتحرك أمامها، فكادت تصطدم به بقوة. رفعت رأسها لتجده حازم.
نظرت إليه ببرود وقالت باقتضاب:
— "سوري.. مأخدتش بالي."
عقد حازم حاجبيه، ونظر إلى ساعته بلهجة آمرة جافة:
— "اتأخرتِ كده ليه؟"
توقفت عاليا، وشعرت بقوة غريبة تولد داخلها لأول مرة، فنظرت في عينيه مباشرة وقالت بتحدٍ:
— "وأنت مالك؟ اتأخر براحتي!"
اتسعت عينا حازم بدهشة عارمة من طريقتها الجديدة التي لم يعهدها منها:
— "أنتِ.. أنتِ اتكلمي كويس معايا!"
لوحت بيدها باستهانة وقالت ببرود قاتل:
— "أتكلم زي ما أنا عاوزه، وأنت ملكش دعوة بيا.. كلامك وأوامرك دي تمشي على ليلي.. مش أنا! عن إذنك."
تركتْه واقفاً في مكانه يستشيط غضباً، والشرر يتطاير من عينيه، غير مصدق أن هذه هي عاليا المطيعة التي كانت تستمع لكلامه وترضخ لأوامره دون أن ترد له كلمة. كيف تجرأت على هذا؟!
في هذه الأثناء، كانت ليلي تراقب الموقف من بعيد بعينين ضيقتين، تحاول التقاط الكلمات لتعرف ماذا كان يدور بينهما. وبمجرد أن صعدت عاليا، دلفت ليلي إلى غرفتها وسألتها بفضول خبيث:
— "كنتي فين يا عاليا؟"
— "كنت بره."
— "أيوة فين يعني؟"
— "بشوف أصحابي."
مطّت ليلي شفتيها بسخرية: "أصحابك مين؟ هو أنتِ ليكي أصحاب أصلاً؟"
التفتت إليها عاليا ببرود: "آه ليا."
— "مين دول؟ ما أعرفهمش يعني!"
— "عادي، مش لازم تعرفيهم.. خلصتِ تحقيق؟ يلا بقى عاوزه أنام."
خطت ليلي خطوة للأمام ومنعتها من الحركة: "استني هنا.. حازم كان بيقولك إيه تحت؟"
ابتسمت عاليا ابتسامة مستفزة وقالت وهي تدفعها برفق خارج الغرفة: "روحي اسأليه.. سلام."
في صباح اليوم التالي، انطلقت نغمات هاتف عاليا ملحة، فمدت يدها بتكاسل وضغطت زر الرد وعيناها مغمضتان دون أن تقرأ اسم المتصل.
وقالت بصوت نائم ومبحوح:
— "ألو.. مين؟"
ثم تنبهت قليلاً عندما سمعت صوته: "آه.. حسام! أزيك؟"
جاءها صوته حيوياً يبعث على النشاط:
— "صباح الخير.. أنتِ لسه نايمة؟!"
تغطت باللحاف أكثر وقالت بصوت ناعس رقيق:
— "صباح النور.. أيوة لسه، نمت متأخر."
ضحك حسام عبر الهاتف:
— "طيب يلا اصحي كده وافطري وصحصحي."
— "ليه؟"
— "اصحي بس كده.. هنروح مشوار سوا."
اعتدلت عاليا في فراشها بعدما سمعت ضوضاء في خلفية المكالمة:
— "مشوار إيه دا؟ وإيه الصوت دا.. أنت فين؟"
رد حسام بنبرة متهكمة مازحة:
— "أنا في الشغل يا عاليا هانم، وحضرتك نايمة متدفية! ينفع كده؟"
ضحكت عاليا من قلبها:
— "هههههههه لا مينفعش."
— "طيب يلا.. هخلص وأكلمك، باي."
بعد ساعتين، رن الهاتف مجدداً، ففتحت الخط ليأتيها صوته فوراً:
— "ألو.. أوعي تكوني لسه نايمة؟"
ضحكت وهي تجيبه: "لا صحيت خلاص هههههه، أنت حقود أوي!"
— "أوي أوي.. طيب مشوار إيه دا بقى؟"
ساد صمت قصير قبل أن يقول حسام بنبرة دافئة:
— "أنتِ بقى لك مدة كبيرة بره مصر.. تعالي أفرجك على مصر، ممكن؟"
شعرت براحة تغمرها فقالت: "ماشي.. مي جاية معانا؟"
رد حسام بتذمر فكاهي: "ما مي مرمية هنا في البلد معايا على طول، هتيجي ليه؟ ههههه."
انفجرت عاليا ضاحكة: "هههههههه ماشي."
بعد ساعة، كانت عاليا تقف عند باب المنزل، فاستوقفتها والدتها:
— "ماما.. أنا خارجة."
التفتت الأم إليها بقلق حنون: "رايحة فين يا بنتي؟"
— "ناس صحابي من زمان يا ماما واتقابلنا، وهخرج معاهم."
ابتسمت الأم واطمأن قلبها: "ماشي يا حبيبتي بس متتأخريش، وابقي كلميني كل شوية."
— "حاضر يا ست الكل."
طبعت عاليا قبلة حنونة على وجنة أمها، وخرجت والبهجة تملأ كيانها.
في أحد الكافيهات الهادئة، أقبلت عاليا عليه، وكانت تبدو كالأميرات؛ ترتدي فستاناً أسود طويلاً ورقيقاً مزيناً بورود صغيرة، تاركة شعرها ينسدل بحرية على كتفيها، ووجهها تزيّنه ابتسامة مشرقة خطفت أنفاس حسام.
وقفت أمامه وقالت برقة:
— "هاي.. معلش اتأخرت عليك."
تأملها حسام بنظرات مبهورة، وعيناه لا تكاد ترمش، ثم قال بنبرة غارقة في الإعجاب وهو يغمز لها:
— "لا أبداً متأخرتيش خالص.. حقك تتأخري بصراحة، بس هستناكي عادي."
حاولت عاليا إخفاء خجلها الشديد وتلعثمها:
— "احم.. امم.. سوري والله بس الطريق كان زحمة."
تطلع إلى فستانها وقال بصدق: "على فكرة.. الدريس حلو أوي عليكي."
احمرت وجنتاها، وأرجعت خصلة متمردة من شعرها وراء أذنها بخجل:
— "احم.. احم.. ميرسي، دا من ذوقك بس."
أعجبه خجلها الشديد وتورد وجهها الذي زادها جمالاً، فداعبها قائلاً:
— "هههههه أنتِ بتتكسفي ولا إيه؟"
ضحكت بخفة وهي تداري وجهها: "آه بتكسف عادي يعني هههههه."
قرر حسام تغيير الموضوع ليرفع عنها الحرج:
— "طيب، أنتِ سيبي نفسك ليا خالص وأنا هفسحك فسحة حلوة، تمام؟"
ردت بحماس طفولي: "طيب ماشي.. يلا بينا!"
— "طيب ناكل الأول؟"
— "ناكل بعدين، أنا مش جعانة.. أنت جعان؟"
— "لا..خالص.. خلاص يا عاليا، يلا بينا."
أخذها حسام في جولة ساحرة إلى شارع المعز. كانت عاليا تتأمل كل شيء من حولها بانبهار شديد؛ البيوت التاريخية العريقة، الطراز الإسلامي المهيب، الأرضيات المبلطة القديمة.. كل شيء هناك كان ينبض بسحر الماضي وجلاله. وحتى الحَمام الذي كان يحلق فوق رؤوسهم في أسراب منسجمة، كان يسحر العين ويخطف القلوب.
قالت عاليا بمرح وفرحة طفولية تملأ عينيها:
— "المكان هنا حلو أوي! أول مرة آجي هنا، أو يمكن جيت وأنا صغيرة بس مش فاكرة.. بس بجد حلو أوي ويوم جميل، والصور اللي أخدناها تحفة.. مش هنسى اليوم دا أبداً، ميرسي يا حسام."
أمسك حسام بطنه متظاهراً بالألم والجوع:
— "كويس إنه عجبك.. بس أنا جعان جداً! إيه، مجوعتيش؟"
اتسعت عيناها وقالت بلهفة: "أنا واقعة من الجوع! يلا ناكل.. بقولك إيه، أنا عاوزه فول وطعمية."
انفجر حسام بالضحك:
— "فول وطعمية؟! دا أقصى طموحك؟ فقرية صحيح! دا أنا كنت عامل حسابي إنك هتغرميني مبلغ محترم هههههه."
لوت شفتيها بدلال: "هو الفول شوية؟ مكانش بيبقى موجود وأنا مسافرة.. وبعدين كفاية الفسحة دي، غرمتك فيها وقتك ههههه."
نظر إليها بعمق، وخرجت كلماته دافئة وصادقة من أعماق قلبه:
— "خالص.. ولا غرامة ولا حاجة، أنتِ بس تأمري.. طب ليكي عليا كل يوم أفسحك في مكان شكل لحد ما تزهقي مني."
ردت بنبرة هادئة: "أنت اللي هتزهق.. أنا صعب حد يستحملني."
ثبّت عيناه في عينيها والتمعت فيهما نظرة حب صريحة:
— "مش هزهق منك أبداً.. ولو فضلت طول العمر."
ضحكت عاليا بارتباك من نظراته الحنونة التي اخترقت حصونها:
— "ههههههه هو ميرسي وكل حاجة.. بس أنا فعلاً هزهقك."
تابع بنبرة عاشقة هامسة: "ملكيش دعوة.. زهقيني وأنا راضي."
شعرت عاليا بنبضات قلبها تقرع كالطبول، فتهربت من نظراته قائلة بتوتر:
— "أنا.. أنا هكلم ماما علشان متقلقش، نسيتها خالص."
تحركت عاليا مبتعدة بضع خطوات لتهاتف والدتها، بينما ظلت نظرات حسام معلقة بطيفها وهي تتحدث. وفجأة، أصدر هاتفه رنيناً قاطع تأمله.
ضغط زر الرد وقال ضاحكاً:
— "أيوة يا قردة."
جاءه صوت شقيقته "منة" محتجة بدعابة مألوفة: "قردة برضه يا حوس؟ مااااشي."
— "هههههه وأحلى قردة كمان.. ها عاوزه إيه؟ معايا ناس."
قالت منة بجدية: "متتأخرش النهارده، ياسمين جاية علشان عيد ميلاد ماما، وقلت أفكرك علشان متنساش."
رد حسام بابتساعة دافئة: "وأنا أقدر أنسى برضه عيد ميلاد حبيبتي؟ مش هتأخر حاضر."
تابعت منة بطمع مازح: "وجيبلي أنا كمان هدية ههههه."
— "حاضر.. بس أما أجيلك، قفا عمولة."
ضحكت شقيقته: "بحبك يا غلس."
— "وأنا كمان بحبك يا قردة.. يلا باي."
أغلق حسام الهاتف والتفت، ليفاجأ بعاليا واقفة خلفه تماماً. كانت ملامحها قد تغيرت، وانمحت ابتسامتها ليحل محلها ضيق مبهم لم تفهم سببه. شعرت بنغزة غريبة في قلبها عندما سمعته يقول لتلك الفتاة بنبرة دافئة "بحبك" و"عيد ميلاد حبيبتي".. تمنت لو تسأله من تكون، ولكنها كبحت نفسها فوراً وهي تفكر: "لحظة.. هذا ليس من شأني أصلاً!"
نظرت إليه ببرود مصطنع وقالت باقتضاب:
— "أنا خلصت.. يلا نمشي."