LOGINبينما كانت الطائرة تنساب بهدوء مفرط بين ممرات الغيوم البيضاء،
تراجع صوت المحركات في أذني ليتحول إلى طنين رتيب يساعد على الاستغراق والنوم. التفتُّ نحو مريم بطرف عيني، فرأيت رأسها يميل ببطء نحو مسند المقعد، وكأن ثقل السنين وصدمة اللقاء المفاجئ قد أرهقا جفنيها. تحركت رموشها الطويلة ببطء لمرات متتالية قبل أن تستسلم تماماً، وتغلق عينيها السوداوين اللتين طالما أربكتا تفاصيلي طوال الرحلة. تنهدتْ تنهيدة خافتة وادعة، وارتخت يدها المستندة على حقيبتها اليدوية، لتعلن استسلامها لنوم عميق وهادئ وسط السماء. في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن توتر الطائرة بأكمله قد زال. تنفستُ الصعداء، وأخرجتُ من حقيبتي الجلدية الصغيرة كراسة الرسم ذات الغلاف الورقي المقوى، وقلم الرصاص الذي لا يفارقني. كان الصمت المحيط بنا في هذه الزاوية المعزولة هو المناخ المثالي الذي أحتاجه لأستعيد ذاتي كفنان، ولأترجم هذا الفيضان من المشاعر الذي عجزتُ عن نطقه طوال الدقائق الماضية بسبب الخجل والارتباك. تطلعتُ إلى وجهها المسترخي بالكامل؛ كانت تفاصيلها تحت الإضاءة الخافتة للطائرة تبدو كمنحوتة كلاسيكية نادرة. بدأتُ أخط بالقلم برفق شديد على الورقة البيضاء، خشية أن يصدر صوتاً يوقظها من غفوتها. ركزتُ في البناية على تفاصيل شعرها الأسود الطويل، الذي انسدل بتموجات ناعمة على جانب وجهها وعلى كتفها؛ كنتُ أرسم الخصلات المتمردة بدقة، متذكراً كيف كانت الرياح السكندرية تعبث به زمان. ثم انتقلتُ إلى خط جبهتها المستدير الصغير، ونزولاً إلى حاجبيها اللذين يحفظ عقلي رسمتهما بدقة، وصولاً إلى شفتيها المطبوقتين بهدوء، واللتين كانتا تحملان مسحة من الوقار والنضج الذي غير ملامح الطفولة القديمة. كنتُ أرسم وعقلي يسجل كل خط، كل ظل، وكل تفصيلة صغيرة نبتت على وجهها خلال خمسة عشر عاماً من الغياب. حين انتهيتُ من اللوحة، شعرتُ برغبة جارفة في مقارنة الحاضر بالماضي، وكأنني أحاول لمس المسافة الزمنية التي قطعتها أرواحنا. قلبتُ الصفحة، ونظرتُ إلى الورقة البيضاء المقابلة، وبدأتُ أرسم مريم الأخرى.. مريم ذات الخمسة عشر عاماً، بناءً على ما تختزنه ذاكرتي الوفية. رسمتُ مريولها المدرسي الكحلي الواسع على كتفيها، وشعرها المربوط بربطة مطاطية بيضاء بسيطة، ووجهها المستدير الخالي من الهموم والمليء بالبراءة الطفولية. كان دمج الصورتين متقابلتين في دفتر واحد يمنحني شعوراً غريباً بالامتنان والذهول؛ فالدنيا التي شتتتنا في بقاع الأرض، وصنعت مني فناناً مغترباً ومنها طبيبة وقورة، عادت لتجمعني بذات الشخصية التي حددت مسار قلبي منذ البداية. كنتُ أشعر برغبة جارفة في أن يطول وقت هذه الرحلة، وفي أن أعرف عنها كل شيء؛ كيف تقضي يومها، ما الذي يضحكها الآن، وبماذا تفكر عندما تنظر إلى البحر في جليم. وبينما كان قلمي يتحرك فوق تفاصيل مريم الصغيرة، انفتح في عقلي باب لذكرى قاسية، طالما حاولتُ طمرها تحت لوحاتي المعروضة في نيويورك. تذكرتُ ذلك اليوم الخريفي الكئيب، قبل خمسة عشر عاماً، حين وقفتُ معها عند ناصية شارعنا القديم لأبلغها بقرار رحيلنا المفاجئ إلى أمريكا. أتذكر جيداً كيف تجمدت ملامحها وهي تستمع إلى الكلمات تخرج من فمي متعثرة بالخوف والعجز. كانت تمسك بحقيبتها المدرسية بقوة، وعيناها الواسعتان تتسعان بذهول طفلي لم يستوعب بعد معنى الفراق. سألتني يومها بصوت مرتعش يقطعه البكاء المخنوق بالعامية: — "يعني إيه مسافر يا أحمد؟ يعني مش هشوفك الصبح تاني؟ ومش هنمشي سوا للمدرسة؟" شعرتُ وقتها بغصة حارقة في حلقي، وحاولتُ بشتى الطرق أن أتماسك أمامها، فامتدت يدي المرتجفة لتمسك بطرف حقيبتها المدرسية محاولاً طمأنتها وتبرير هذا الوداع الإجباري، فقلت لها بصوت مخنوق بالعامية: — "يا مريم والله غصب عني، ده قرار بابا عشان الشغل هناك.. بس اسمعيني، السفر مش معناه إننا مش هنشوف بعض تاني. أنا هكلمك دايماً، أول ما نوصل هبعتلك جوابات، وهتصل بيكي من هناك كل أسبوع.. التلفونات والرسائل مش هتخلينا نحس بالبعد خالص، هفضل معاكي دايماً ومش هنسى الشارع ولا هنسى شباكك." لكن كلماتي وتبريراتي لم تكن كافية لترميم قلبها الصغير الصدوم. انهمرت دموعها الحارة بغزارة أشد، وهزت رأسها برفض طفولي وعناد يمتزج بالكسرة، وقالت والنحيب يغلب نبرة صوتها: — "كلام إيه ده يا أحمد؟ أمريكا دي بعيدة أوي.. بلاد تانية وبحر كبير بينا. الجوابات بتاخد شهور، والتلفونات الارضي مش هتخلينا نشوف بعض .. أنت ماشي وسايبني لوحدي هنا، ورايح مكان بعيد مش هعرف أوصلك فيه." أكثر ما يحرق قلبي حتى الآن، هو تذكر دموعها الحارة التي انفجرت فجأة وهبطت على وجنتيها الصغيرتين، دموعٌ غسلت كل عنادها الطفولي وجعلتها تبدو ضئيلة وهشة أمام جدار بيتنا الملاصق. كانت تبكي بصمت بعد أن خانتها الكلمات، والدموع تسقط على ياقة مريولها المدرسي، بينما أنا كنتُ عاجزاً حتى عن مد يدي لمسحها، خوفاً من أن أنهار تماماً أمامها وأرفض السفر مع عائلتي. اضطررتُ للمشي وتركها واقفة تبكي عند تلك الناصية، وكان ذلك المشهد، وتلك الدموع تحديداً، هي الشرارة الأولى التي صنعت مني فناناً؛ فكل لوحة حزينة رسمتُها في الغربة، كانت محاولة يائسة مني لإعادة رسم تلك الدموع وتطهير نفسي من ذنب الرحيل الذي فُرض عليّ في سن لم أكن أعرف فيه كيف اقول "لا " رفعتُ القلم عن الورقة ببطء، وشعرتُ بغصة حنين حارقة تملأ حلقي. نظرتُ إلى اللوحتين المتقابلتين؛ مريم الطبيبة المستغرقة في النوم بجواري، ومريم الطفلة الباكية في ذاكرتي، وأدركتُ أن السنين مهما طالت، والمدن مهما تغيرت، يبقى هناك ربط سري لا تفسره القوانين يجمع بين قلبي وقلبها. أغلقتُ الكراسة بهدوء شديد، ودسستُها في حقيبتي، ثم التفتُّ بكامل جسدي نحوها، مكتفياً بمراقبة أنفاسها المنتظمة، أغلقتُ عينيّ ببطء، مستنداً برأسي إلى الخلف، وعندما ساد الظلام خلف جفوني، صورة مريم بقيت ناصعة الثبات؛ مريم الطفلة الباكية عند ناصية الشارع، ومريم الهادئة الوديعة التي تنام الآن على بُعد سنتيمترات قليلة مني. بدأت الأسئلة تتزاحم في عقلي المتعب، وأخذتُ أتساءل بنبضات قلب قلقة: هل هذه المقابلة الصدفة في أعالي السماء، بين الغيوم، هي إشارة من القدر بأن هناك فرصة جديدة كُتبت لنا؟ فرصة لنعيد اكتشاف بعضنا البعض، ولأتعرف من جديد على مريم امرأة الواحد والثلاثين عاماً؛ الطبيبة الوقورة التي كبرت بعيداً عن عيني، والتي تحمل الآن أفكاراً وتجارب وشغفاً لا أعرف عنه شيئاً؟ شعرتُ بخوف دفين ينبثق من بين زوايا الحنين؛ خوفٌ من أن تكون هذه الرحلة مجرد التفاتة عابرة من الزمن، يمنحنا فيها لقاءً مؤقتاً يجدد الوجع، ثم يفرقنا القدر مرة أخرى بمجرد أن تلمس عجلات الطائرة أرض المطار. هل سأفقدها مجدداً في زحام الحياة وفي شوارع الإسكندرية الجديدة، أم أن الشباك القديم الذي أُغلق قبل خمسة عشر عاماً سيُفتح اليوم على أفق أوسع، لنكمل معاً ما بدأناه صغاراً؟ تنفستُ بعمق، وأنا أدعو في سري ألا يكون هذا اللقاء مجرد حلم عابر ينتهي مع أول نداء للهبوط. وان تكون هي أيضا تريد أن يتكرر اللقاء ويتسع الحديث وتمر الذكريات بينهم بشغف، وان يكون قلبها مازال ذات القلب الذي يتمسك به ويريدهتفرق الحشد ببطء شديد مع اقتراب الساعة من منتصف الليل، وبدأت أنوار القاعة الشاهقة تنطفئ واحداً تلو الآخر، لتخيم عتمة دافئة على اللوحات المعلقة. كنتُ أقف في زاوية المرسم الفسيح، أساعد العمال في جمع بعض الكتيبات الفنية، وجسدي ينوء تحت ثقل إرهاق نفسي وعاطفي لم أختبره منذ سنوات. ظننتُ أن الليلة انطوت، وأن مريم غادرت مع سليم إلى حياتها البعيدة، تاركة خلفها طيفها يحرس لوحتي المحورية.لكن، ومثلما تفعل الصدف السكندرية دائماً، التفتُّ نحو الباب الزجاجي الرئيسي للمعرض، فوجدتها واقفة هناك بمفردها. كان معطفها الصوفي الأسود مبللاً بقطرات المطر الخفيفة، ويداها مدسوستان في جيوبها، وعيناها السوداوان ترقبانني بثبات هادئ وخجول، خالٍ من زحام الناس ومن وجود سليم. تحركت خطاي نحوها تلقائياً، مدفوعة بذهول مباغت وأمل طفلي استيقظ في صدري فجأة. اقتربتُ منها، وتوقفتُ على مسافة تفصل بيننا احتراماً لوقارها، وسألتها بالعامية بصوت خافت يملؤه التردد:— "مريم؟ أنتي لسه هنا؟ أنا افتكرتك مشيتي من بدري مع.. مع سليم."أنزلت مريم رأسها قليلاً، وظهرت على وجهها ذات الابتسامة الخجولة المرتبكة التي حفظتها في الطائرة، ثم رفع
مرت سنتان كاملتان كأنهما دهر سرمدي من الصمت المطبق، والانعزال الاختياري، والعمل المتواصل الذي لا يرحم. سنتان قضيتُهما متنقلاً بين مرسمي البارد في نيويورك وبين شوارع الإسكندرية التي لم تعد تشبه شوارع طفولتنا، ألتهم الألوان الزيتية بعينين مجهدتين وأفرغ على قماش اللوحات الأبيض كل ذلك المخزون الباقي في أعماق روحي من الحزن المصفى والكسرة المفاجئة. لم يكن ذلك الحساب الإلكتروني الشخصي الذي أخذتُه منها ب يد مرتعشة في ذلك الكافيه المظلم سوى نافذة زجاجية باردة ومغلقة، أطل منها على فترات متباعدة ولحظات يأس شديد لأرى حياتها المستقرة الجديدة وهي تمضي بسلام وأمان بعيداً عني؛ رأيتُ صور عيادتها البيطرية وهي تتسع وتزدهر، ورأيتُ لقطات خاطفة لنجاحاتها الهادئة في الندوات، ولم أجرؤ طوال هذين العامين على إرسال رسالة واحدة أو حتى الضغط على زر التفاعل. كنتُ أحترم بمرارة شديدة ذلك الجدار المنيع والشرعي الذي بنته الأيام والظروف بيننا، وأكتفي في خفائي بأن أكون مجرد طيف باهت من الماضي البعيد يراقب في صمت خجول ويدعو لها بالخيرحتى جاء ذلك المساء الشتوي البارد من عام 2026، حيث كان معرضي الخاص الأكبر والمنتظر يُ
بقيتُ في مكاني، متسمراً فوق ذلك المقعد الخشبي البارد، وعيناي معلقتان بالزجاج المغيم الذي تلاشت خلفه مريم منذ دقائق. كانت الطاولة أمامي تبدو كساحة معركة خاسرة؛ فنجان قهوتها الذي لم يبرد تماماً بعد والمقعد الشاغر الذي ما زال يحتفظ بشيء من أثرها، وكراسة رسمي الملقاة في زاوية الطاولة كجثة هامدة. مرارة الانكسار الحالي فتحت في عقلي مسام الذاكرة على مصراعيها، ولم أجد مفراً من هذا الألم سوى أن أهرب مجدداً إلى أزقة الماضي، إلى ذلك الزمن البعيد الذي كنتُ أملك فيه مريم بالكامل، وكان لي الحق في أن أحبها، وأن أحزن منها، وأن أغير عليها بغطرسة صبيانية لم أكن أدرك قيمتها الثمينة وقتهاانعقدت الغيوم في رأسي لتعيدني إلى الوراء خمسة عشر عاماً، تحديداً في شتاء سنتنا الأخيرة معاً في الإسكندرية. أتذكر ذلك الصباح الكانوني بوضوح شديد؛ كان الضباب يلف شوارع الحي، ونسمات الهواء الباردة تجبر الجميع على دثر أنفسهم بالمعاطف الصوفية الثقيلة. كنا نتمشى كعادتنا في ممرات المدرسة الثانوية المشتركة خلال فترة الاستراحة، وكانت مريم تسير بجانبي بمريولها الكحلي الواسع، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها بطريقة خطفت أنظار ال
كانت مريم تسترسل في حديثها العذب عن باريس، وعن قاعات الندوات والمحاضرات الدولية التي ألقت فيها كلماتها بثقة أذهلت الأطباء هناك. كنتُ غارقاً في تفاصيل ملامحها الناضجة، أستمع إلى نبرة صوتها التي أصبحت مزيجاً ساحراً من الوقار والرقة، وكان صدى أمواج البحر السكندري في الخارج يرتطم بالصخور بإيقاع منتظم ودافئ، يمتزج برائحة القهوة ونقر قطرات المطر الخفيفة التي بدأت تتساقط ببطء على زجاج الكافيه. في تلك اللحظات الثمينة، شعرتُ بارتياح عارم وعميق اجتاح كل زوايا روحي المغتربةوكأنني أستعيد حصتي المسروقة من الحياة والزمن. تمنيتُ في سري لو يتوقف بندول الساعة عند هذه الطاولة الخشبية الصغيرة، وألا تنتهي هذه الليلة أبداً، كأنني صبي صغير يحاول الاحتفاظ بأجمل أمنياته قبل أن يسرقها ضوء النهار العاقل.وفجأة، وبلا أي مقدمات، اهتز هاتفها المحمول الموضوع على الطاولة الخشبية بيننا. أضاءت الشاشة البيضاء في عتمة الركن المعزول معلنة عن اتصال لم أتبين اسمه في البداية، لكنني رأيتُ ملامح مريم تتغير في جزء من الثانية؛ تلاشت مسحة الشجن الدافئ والحديث المسترسل عن الماضي والطفولة، وحل محلها ارتباك سريع ومشوب بجدية طار
انقطع حبل أفكاري المضطربة عندما دوى صوت قائد الطائرة عبر مكبرات الصوت، يعلن باللغتين الفرنسية والعربية عن بدء الهبوط التدريجي نحو مطار برج العرب بالإسكندرية. بدأت الطائرة تميل بزاوية خفيفة، وتخترق طبقات السحب الكثيفة لتظهر من تحتنا أضواء المدينة الساحلية متلألئة في عتمة الليل، كحبات لؤلؤ منثورة على شاطئ مألوف. شعرتُ بقبضة في قلبي؛ الوقت يمر أسرع مما أتمنى، والدقائق التي تفصلنا عن الأرض تعني أن هذه الفقرة الزمنية المعزولة أوشكت على الانتهاء. التفتُّ نحو مريم، التي كانت تنظر عبر النافذة بمزيج من الاشتياق والترقب، وبدا الخجل بيننا قد تراجع قليلاً ليحل محله حزن الوداع الوشيك. ابتلعتُ ريقي، واستجمعتُ شجاعتي لأسألها عن تفاصيل رحلتها التي لم نجد متسعاً لها وسط فيضان الذكريات، فقلت لها بالعامية بصوت خافت وهادئ: — "صحيح يا مريم.. إحنا اتكلمنا كتير عن الماضي وعن عيادتك، بس أنا مالحقتش أسألك.. أنتي كنتِ في فرنسا بتعملي إيه؟ إيه اللي جابك باريس الصيف ده؟" التفتتْ إليّ، وارتسمت على وجهها ابتسامة رقيقة هادئة تحمل وقار مهنتها، وقالت بنبرة خجولة: — "أنا كنت هناك في مهمة عمل سريعة.. بقيت دايما
استيقظتُ فجأة على شهقة مكتومة انقبض لها صدري بقوة، وكأن الهواء قد سُحب دفعة واحدة من رئتي. كنتُ أتصبب عرقاً برغم برودة الطائرة، وقلبي يدق عنيفاً كمطر تشرين على زجاج قديم. الكابوس كان جاداً، يذكرني بكل ما هربت منه، ومرعباً لدرجة أنني شعرت بروح الصبي في داخلي تصرخ مستغيثة؛ رأيتُ نفسي في المطار، وسط زحام خانق، أجر حقائبي الكبيرة وأمشي مسرعاً ببرود نحو بوابة الصعود، وكأني اجري أو اهرب أو حتي اكرر ما حدث في الماضي بينما مريم كانت تقف خلف الحواجز الزجاجية، تضرب بيديها الرقيقتين على الزجاج وتنادي اسمي بصوت يخنقه البكاء. وكأنها ترجو أن تنتظر، أن أقف، أن اخذها معي، إلا اتركها وحيده رأيتها تنهار وتبكي بنفس الحرقة والكسرة التي تركتها عليها قديماً عند ناصية شارعنا الخريفي، تنظر إليّ بعينين عاتبتين تقولان: "لقد فعلتها ثانية يا أحمد.. تركتني مجدداً للضياع والوحدة، تركتني وحدي، والتفت ورحلت دون أن تلقي نظره ورائي " كنتُ في الحلم مسلوب الإرادة، كما كنت مسلوب الاراده قديما، ألتفت وأمشي ، أتركها وراء ظهري وأهجرها للمرة الثانية دون أن ترف لي جفن، دون أن يدق قلبي ب الم، ودون أن أضع في اعتبار







