Masukسقطت الصورة من بين أصابع ليال.
لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض. ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد. كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه. ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها. وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت. وجه والدتها. بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة. اختفت الأصوات من حولها. اختفى صوت أجهزة المراقبة. واختفى حتى صوت أنفاسها. شعرت وكأن العالم كله انكمش حتى أصبح مجرد تلك الصورة. "هذا مستحيل..." خرج صوتها هامسًا مرتجفًا بالكاد يُسمع. لكن الرجل سمعه. نظر إليها بهدوء غريب. وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة. ثم قال: "لقد أخبروك أنها ماتت." ابتلعت ليال ريقها بصعوبة. "نعم." "لقد كذبوا عليك." ارتجف جسدها كله. كانت الكلمات بسيطة. قصيرة. لكن وقعها كان أشبه بانفجار هائل داخل عقلها. كذبة واحدة. كذبة استمرت سنوات. سنوات كاملة بنت خلالها حياتها على حقيقة لم تكن موجودة أصلًا. التفتت ببطء نحو سمية. كانت المرأة تقف في زاوية الغرفة. عيناها مثبتتان على الأرض. ويداها متشابكتان بقوة. كأنها تحاول التمسك بشيء يمنعها من الانهيار. "هل كنتِ تعرفين؟" لم ترفع سمية رأسها. لم تنكر. ولم تؤكد. لكن صمتها كان كافيًا. التفتت ليال نحو عثمان. الرجل الذي لطالما بدا قويًا. مسيطرًا. لا يهتز. لا يخاف. لكنه الآن كان يتجنب النظر إليها. لأول مرة. ولأول مرة فقط أدركت ليال أن الصمت أحيانًا أكثر قسوة من الاعتراف. شعرت بشيء ينكسر داخلها. شيء ظل صامدًا طوال السنوات الماضية. تقدمت خطوة للأمام. ثم أخرى. حتى أصبحت أمام الرجل مباشرة. "أين هي؟" لم يجب أحد. ارتفع صوتها قليلًا. "أين أمي؟" لا شيء. مجرد صمت ثقيل. شعرت بالغضب يتصاعد داخلها. سنوات من الأسئلة. سنوات من الانتظار. سنوات من الحزن. والآن يقفون أمامها وكأنهم لا يملكون إجابة. "أين هي؟!" صرخت هذه المرة. فاهتز الصمت داخل الغرفة. وترددت كلماتها بين الجدران. ظل الجميع ساكنين. ثم قال الرجل أخيرًا: "ما زالت حية." شعرت ليال بأن الهواء اختفى من رئتيها. حية. الكلمة وحدها كانت كافية لتقلب عالمها رأسًا على عقب. "إذا كانت حية..." توقفت للحظة. شعرت بأن الدموع تحرق عينيها. "فلماذا لم تأتِ إلي؟" لم يجب. "لماذا تركتني؟" ظل صامتًا. "هل كانت تعلم ما يحدث لي؟" ارتفع صوتها أكثر. "هل كانت تعلم ما فعلوه بياسين؟" خرجت الكلمات دفعة واحدة. مختلطة بالغضب والألم والخذلان. لكن الرجل لم يتحرك. لم يغضب. لم يحاول الدفاع. ظل ينظر إليها فقط. ثم قال بهدوء: "أمك لم تتركك " تجمدت ليال. شعرت بأن قلبها توقف عن النبض للحظة. "ماذا تعني؟" أخذ الرجل نفسًا عميقًا. ثم قال: "هناك أشياء حدثت بعد ولادتك ." قطبت حاجبيها. "أي أشياء؟" "أشياء غيرت كل شيء." ساد الصمت مجددًا. ثم أكمل: "في الأيام الأولى للمشروع... كان الجميع يؤمن بأنه سيغير العالم." "مشروع فينيكس." هز رأسه ببطء. "نعم." كانت ليال تستمع دون أن تقاطعه. بينما بدأت الأسئلة تتراكم داخل عقلها. قال الرجل: "في البداية لم يكن المشروع كما تعرفينه الآن." "ماذا كان إذًا؟" "بحثًا علميًا." "فقط؟" ابتسم بسخرية خفيفة. "لا يوجد شيء اسمه فقط في عالم العلم." اقترب من النافذة. ونظر إلى الظلام في الخارج. ثم تابع: "كانوا يريدون علاج الأمراض المستعصية." "وإطالة العمر." "وتطوير قدرات العقل البشري." "لكن الطموح يتحول أحيانًا إلى وحش." شعرت ليال بقشعريرة تسري في جسدها. "وماذا حدث؟" استدار نحوها. وقال: "بدأ المشروع يتغير." "كيف؟" "أشخاص جدد دخلوا إليه." "أصحاب نفوذ." "أصحاب أموال." "وأصحاب أحلام أخطر بكثير." ساد الصمت. ثم أضاف: "حينها بدأت أمك تدرك أنهم لم يعودوا يسيرون في الطريق نفسه." شعرت ليال بأن قلبها يخفق بعنف. "كانت تعارضهم؟" "أكثر من أي شخص آخر." ارتفع رأس عثمان فجأة. لكن الرجل تجاهله وأكمل حديثه. "في البداية حاولت إيقافهم." "ثم حاولت كشفهم." "ثم حاولت الهرب." تجمدت ليال. "هربت؟" هز رأسه. "اختفت." "من المشروع." "ومن ملفاتهم." "ومن حياتهم." شعرت سمية بالتوتر فجأة. أما الدكتور منير فبدا شاحبًا أكثر من أي وقت مضى. قالت ليال: "لكن لماذا لم تبحث عنا؟" أجاب الرجل بصوت منخفض: "ربما فعلت." "ربما حاولت عشرات المرات." "لكن بعض الناس يملكون السلطة " سادت الغرفة حالة من الصمت الثقيل. ثم أخرج الرجل ظرفًا آخر من داخل معطفه. كان أقدم من الأول. أكثر اهتراءً. وكأن الزمن مر فوقه مئات المرات. وضعه فوق الطاولة. ثم فتحه بحذر. وأخرج صورة ثانية. تناولتها ليال بيد مرتجفة. هذه المرة كانت الصورة أوضح. مختبر ضخم. أجهزة معقدة. شاشات. أنابيب زجاجية. وعلماء يقفون في الخلفية. وفي المنتصف... كانت المرأة نفسها. والدتها. لكنها لم تكن تبدو خائفة. ولا مكسورة. بل كانت تقف بثقة. كأنها صاحبة المكان. شعرت ليال بغصة مؤلمة. ثم وقع نظرها على بطاقة التعريف المعلقة على صدرها. وهناك رأت الشعار. الشعار نفسه الذي رأته عشرات المرات على ملفات مشروع فينيكس السرية. رفعت رأسها ببطء. "كانت تعمل معهم." قالتها كحقيقة لا تحتاج إلى تفسير. لكن الرجل أجاب: "نعم." شعرت بشيء ينهار داخلها. كل الصورة التي رسمتها في ذهنها عن والدتها بدأت تتشقق. "إذن كانت جزءًا منهم." خرجت الكلمات مريرة. "كانت واحدة منهم." ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة. ثم قال: "لا." تجمدت ليال. "ماذا تقصد؟" اقترب منها خطوة. ثم قال بصوت منخفض: "لم تكن جزءًا من المشروع." توقفت أنفاسها. "بل كانت إحدى مؤسسيه." ساد الصمت. صمت ثقيل لدرجة أن ليال سمعت نبضات قلبها بوضوح. شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها. والدتها؟ إحدى مؤسسي مشروع فينيكس؟ المشروع الذي دمّر حياة الآلاف؟ المشروع الذي غيّر حياتها هي شخصيًا؟ المشروع الذي تسبب في مأساة ياسين؟ سقطت الصورة من يدها مرة أخرى. هذه المرة لم تحاول التقاطها. "لا..." همست. "هذا غير ممكن." لكن أحدًا لم يعترض. لم يقل أحد إنها مخطئة. سمية ظلت صامتة. عثمان ظل صامتًا. والدكتور منير خفض رأسه أكثر. وكأن الجميع يعرفون الحقيقة منذ زمن بعيد. أما هي وحدها فكانت تعيش داخل الكذبة. رفعت رأسها ببطء. كانت عشرات الأسئلة تحاصرها. من تكون والدتها حقًا؟ هل كانت بطلة؟ أم مجرمة؟ هل صنعت المشروع؟ أم حاولت تدميره؟ وأين اختفت؟ ولماذا أخفوا كل هذا عنها؟ تنفست بصعوبة. ثم قالت بصوت حازم رغم ارتجافه: "أريد الحقيقة كاملة." نظر الرجل إليها طويلًا. وكأنه يقيم مدى استعدادها لسماعها. ثم اتجه نحو الطاولة. وأخرج ملفًا سميكًا أسود اللون. كان قديمًا. ومغطى بطبقة رقيقة من الغبار. وُضع أمامها ببطء شديد. كأن وزنه لا يُقاس بالأوراق التي بداخله. بل بالأسرار التي يحملها. ثبتت ليال نظرها على الغلاف. ثم شعرت بقلبها يتوقف. اسم واحد. فقط اسم واحد. اسم والدتها. ارتجفت أصابعها. ورفعت عينيها نحو الرجل. "ما هذا؟" أجاب بهدوء: "بداية الحقيقة." مدت يدها نحو الملف. لكن قبل أن تلمسه بلحظة... قال الرجل: "واعلمي جيدًا يا ليال..." توقفت يدها في الهواء. وانخفض صوته حتى كاد يصبح همسًا. "بعد فتح هذا الملف..." شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها. ثم أكمل: "لن تعودي الشخص نفسه الذي كنتِ عليه." ساد الصمت. وبقيت عيناها معلقتين بالملف الأسود. بينما كانت العاصفة الحقيقية تبدأ داخلها. وفي مكان ما خارج تلك الغرفة... بعيدًا عن الجميع... كان شخص مجهول يراقب شاشة مضيئة. وحين ظهر اسم ليال على الشاشة... ابتسم ببطء. ثم قال: "لقد وصلت أخيرًا." وأغلق الجهاز. لتبدأ عاصفة جديدة لم تكن ليال تتخيل أنها قادمة.كانت صفارات الإنذار تمزق أرجاء المنشأة كصرخات متواصلة لا تنتهي.الأضواء الحمراء تومض فوق الرؤوس بجنون، فتصبغ الجدران والممرات بلون الدم. في الخارج كانت أصوات الأقدام تتعالى من كل اتجاه، وأجهزة الاتصال تصرخ بالأوامر المتلاحقة، بينما كان الحراس يركضون عبر الممرات كخلية نحل أصابها الذعر.أما ليال فكانت واقفة وسط الغرفة كأن كل تلك الفوضى لا تعنيها.كانت عيناها معلقتين بالملف الأسود المفتوح أمامها.وبالصورة القديمة التي ما زالت تقبض عليها بين أصابعها.صورة المرأة التي قيل لها إنها والدتها.شعرت بأنفاسها تتسارع.سنوات طويلة قضتها وهي تتساءل عن وجه أمها.هل تشبهها؟هل كانت تتذكرها؟هل كانت ما تزال حية في مكان ما؟والآن...بعد كل تلك السنوات...أصبحت الحقيقة على بعد خطوات قليلة فقط.رفعت رأسها نحو الرجل الغامض.كان يقف أمام شاشات المراقبة يراقب المشهد بصمت.انعكست الأضواء الحمراء على وجهه فبدت ملامحه أكثر قسوة من المعتاد.قالت بصوت مرتجف:"أريد أن أراها."لم يجب.ظلت عيناه مثبتتين على إحدى الشاشات.اقتربت منه خطوة أخرى."أريد أن أقابل أمي."عندها فقط التفت إليها.نظر إليها لثوانٍ طويلة.ثم قا
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا صراخ الجنود في الخارج.ولا أصوات الأجهزة الطبية التي تحيط بياسين.كل شيء اختفى.بقيت عيناها معلقتين بالصورة القديمة.المرأة الواقفة في المنتصف.الطفلان.والطفل الثالث.ذلك الطفل الذي لم تعرفه قط.شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.كل شيء آمنت به طوال حياتها بدأ يتفتت أمامها كزجاج هش.من تكون؟ومن كانت تلك المرأة؟ولماذا أخفى الجميع الحقيقة عنها؟كم كذبة عاشت بداخلها دون أن تدري؟رفعت الصورة ببطء أكبر، وكأنها تخشى أن تختفي إذا رمشت بعينيها.كانت تحدق في ملامح المرأة.تحاول أن تجد شيئًا يشبهها.شكل العينين.طريقة الوقوف.الابتسامة.أي شيء.لكن كلما نظرت أكثر، زاد ارتباكها.شعرت بأن رأسها يثقل.وأن الأفكار تتصارع داخلها بعنف.ثم رفعت عينيها نحو الرجل الغامض.كان يقف في مكانه بهدوء غريب.كأنه
بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كلها وهي تؤمن بها.أما الآن...فكل شيء بدأ يتصدع.ارتجفت أصابعها وهي تمد يدها نحو الملف.كانت تشعر بخوف لم تستطع تفسيره.الخوف من الحقيقة أحيانًا يكون أقسى من الخوف من الكذب.وضعت يدها فوق الغلاف.كان باردًا بشكل غريب.وكأن السنوات التي أمضاها مخفيًا تركت داخله برودة خاصة به.ثم فتحته ببطء شديد.أصدرت المفصلة المعدنية صوتًا خافتًا وسط الصمت المطبق الذي خيم على الغرفة.بدا الصوت صغيرًا جدًا.ومع ذلك شعر الجميع به.شعرت ليال وكأن ذلك الصوت كان إعلانًا رسميًا عن بداية شيء لن تستطيع التراجع عنه أبدًا.انحنت فوق الصفحات.وتسارعت أنفاسها دون أن تشعر.ثم وقعت عيناها على أول صورة.صورة قديمة.باهتة قليلًا بفعل الزمن.لكن تفاصيلها كانت واضحة بما يكفي.امرأة شابة تبتسم للكاميرا.ابتسامة هادئة.واثقة.وك
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حولها.اختفى صوت أجهزة المراقبة.واختفى حتى صوت أنفاسها.شعرت وكأن العالم كله انكمش حتى أصبح مجرد تلك الصورة."هذا مستحيل..."خرج صوتها هامسًا مرتجفًا بالكاد يُسمع.لكن الرجل سمعه.نظر إليها بهدوء غريب.وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة.ثم قال:"لقد أخبروك أنها ماتت."ابتلعت ليال ريقها بصعوبة."نعم.""لقد كذبوا عليك."ارتجف جسدها كله.كانت الكلمات بسيطة.قصيرة.لكن وقعها كان أشبه بانفجار هائل داخل عقلها.كذبة واحدة.كذبة استمرت سنوات.سنوات كاملة بنت خلالها حياتها على حقيقة لم تكن موجودة أصلًا.التفتت ببطء نحو سمية.كانت المرأة تقف في زاوية الغرفة.عيناها مثبتتان على الأرض.ويداها متشابكتان بقوة.كأنها تحاول التمسك بشيء يمنعها من الانهيار."هل كنتِ تعرفين؟"لم ترفع سمية رأسها.لم تنك
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.عثمان.سمية.الدكتور منير.ثلاثة أشخاص اعتادت أن تراهم واثقين من أنفسهم، مسيطرين على كل شيء، يتحدثون وكأن العالم كله مجرد لعبة بين أيديهم.لكن الآن...كان هناك شيء مختلف.شيء لم تره من قبل.الخوف.الخوف الحقيقي.ليس خوفًا من الفشل.ولا من العقاب.ولا حتى من الموت.بل خوفًا من شخص واحد.شخص لم يصل بعد.شخص كان مجرد اقترابه كافيًا لشلّ حركتهم جميعًا.ثم جاء الصوت.صوت خطوات هادئة في الممر.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة...كانت الخطوات بطيئة بصورة غير طبيعية.وكأن صاحبها لا يشعر بأي حاجة للاستعجال.وكأنه يعرف أن الجميع بانتظاره.ومع كل خطوة كان التوتر يزداد داخل الغرفة.حتى إن ليال شعرت بأن معدتها انقبضت.توقفت الخطوات أخيرًا أمام الباب.ساد الصمت من جديد.لثانية واحدة فقط.ثم انفتح الباب ببطء ش
كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إليه بالفعل. وفجأة وقعت عيناها على باب خشبي صغير خلف خزانة قديمة. تجمدت لثوانٍ. دفعت الخزانة بكل ما أوتيت من قوة، فانكشف الباب تدريجيًا. خلفه ظهر درج حجري يهبط إلى الأسفل. قبو. أسرعت تسند ياسين وتهبط به الدرجات، ثم أغلقت الباب فوقهما بحذر. غرق المكان في ظلام كثيف. جلست على الأرض الباردة تضم ياسين إلى صدرها، بينما كانت أصوات الاقتحام تعصف بالمنزل فوق رأسيهما. تحطم الباب الرئيسي. ثم انتشرت الأقدام في أرجاء البيت. «فتشوا كل شيء!» «لا تتركوا زاوية واحدة دون تفتيش!» حبست ليال أنفاسها. وشعرت بارتجاف جسد ياسين بين ذراعيها. همست قرب أذنه: «اهدأ... لن يجدونا.» لكنها لم تكن واثقة من كلماتها. مرت الدقائق ببطء قاتل. أصوات الأبواب تُفتح وتُغلق. الأثاث يُقلب. والرجال يفتشون كل شبر من الم
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت
أغلقت ليال باب المختبر خلفها بقوة حتى ارتجت مفاصله المعدنية، ثم استندت إليه لثوانٍ قصيرة تحاول التقاط أنفاسها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما امتزجت رائحة المواد الكيميائية العالقة بملابسها برائحة الدم التي لم تفارقها منذ ساعات.في يدها اليمنى كانت تقبض على حقيبة مشروع فينيكس كأنها كنز انتزعته من
انزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي. ارتجفت قدماي للحظة. الأرضية البيضاء اللامعة انعكس
توقفت أنفاسي تماماً خلف ذلك الباب، كأن الهواء نفسه تجمد داخل رئتي. الرواق الطويل بدا فجأة أكثر ضيقاً، وأكثر برودة، حتى الأضواء البيضاء المعلقة في السقف صارت ترتجف أمام عينيّ كأنها على وشك الانطفاء. كنت أضع يدي المرتعشة فوق فمي محاوِلة كتم أنفاسي، لكن تلك التنهيدة الصغيرة التي أفلتت مني دون إرادة كا







