Masukلم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.
كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح. نبضة. ثم أخرى. ثم ثالثة. سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها. رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها. عثمان. سمية. الدكتور منير. ثلاثة أشخاص اعتادت أن تراهم واثقين من أنفسهم، مسيطرين على كل شيء، يتحدثون وكأن العالم كله مجرد لعبة بين أيديهم. لكن الآن... كان هناك شيء مختلف. شيء لم تره من قبل. الخوف. الخوف الحقيقي. ليس خوفًا من الفشل. ولا من العقاب. ولا حتى من الموت. بل خوفًا من شخص واحد. شخص لم يصل بعد. شخص كان مجرد اقترابه كافيًا لشلّ حركتهم جميعًا. ثم جاء الصوت. صوت خطوات هادئة في الممر. خطوة... ثم أخرى... ثم ثالثة... كانت الخطوات بطيئة بصورة غير طبيعية. وكأن صاحبها لا يشعر بأي حاجة للاستعجال. وكأنه يعرف أن الجميع بانتظاره. ومع كل خطوة كان التوتر يزداد داخل الغرفة. حتى إن ليال شعرت بأن معدتها انقبضت. توقفت الخطوات أخيرًا أمام الباب. ساد الصمت من جديد. لثانية واحدة فقط. ثم انفتح الباب ببطء شديد. صرير خافت اخترق السكون. ودخل الرجل. كان طويل القامة. يرتدي معطفًا أسود أنيقًا بدا وكأنه صُنع خصيصًا له. شعره الداكن بدأ يغزوه الشيب عند الجانبين، لكن ذلك لم يضف إليه ضعفًا أو تقدمًا في العمر. بل زاده هيبة. كانت ملامحه هادئة بشكل مقلق. هادئة أكثر مما ينبغي. كأن الغضب لم يعد شيئًا يحتاج إلى إظهاره. وكأن السلطة أصبحت جزءًا من شخصيته. لم يرفع صوته. لم يعبس. لم يفعل شيئًا على الإطلاق. ومع ذلك شعرت ليال بأن الغرفة بأكملها تغيرت لحظة دخوله. خفض عثمان رأسه فورًا. أما سمية فتراجعت خطوة إلى الخلف دون أن تشعر. في حين بدا الدكتور منير شاحبًا إلى درجة أثارت الدهشة. كأنه رأى شبحًا خرج من الماضي. رفع الرجل نظره. واستقرت عيناه على ليال. ظل يحدق بها. ثانية. ثانيتين. ثلاثًا. دون أن ينطق بكلمة. شعرت ليال بعدم الارتياح. كان ينظر إليها بطريقة غريبة. ليس كغريب يراها للمرة الأولى. بل كإنسان يبحث عن شيء فقده منذ زمن طويل. ثم قال أخيرًا: "إذن... هذه هي ليال." ارتجفت أطراف أصابعها. كيف يعرف اسمها؟ ومن يكون أصلًا؟ ولماذا يشعر الجميع بالرعب منه؟ تقدم ببطء داخل الغرفة. ثم التفت نحو عثمان. "خمسة عشر عامًا." قالها بنبرة هادئة جعلتها أكثر رعبًا. "خمسة عشر عامًا من العمل... والموارد... والتجارب." حبس عثمان أنفاسه. أما الرجل فأكمل: "وخسرتم كل شيء في أسبوع واحد." ازدرد عثمان ريقه. وقال بصوت منخفض: "سيدي... نحن..." لكن الرجل رفع يده قليلًا. إشارة بسيطة للغاية. ومع ذلك صمت عثمان فورًا. كأنه لم يجرؤ حتى على إكمال الجملة. تحولت نظرات الرجل نحو الدكتور منير. "وأنت." شعر منير بالتوتر فورًا. ظهر العرق على جبينه. وقال بصعوبة: "سيدي... أنا..." قاطعه الرجل: "كان من المفترض أن تبقى العينتان تحت المراقبة الكاملة." لم يجد منير أي رد. وأدركت ليال أن الرجل لا يحتاج إلى الصراخ. كان الجميع يخشونه بما يكفي. ثم اقترب منها. خطوة واحدة. ثم أخرى. حتى أصبح على بعد متر واحد فقط. شعرت برغبة في التراجع. لكنها رفضت. لن تمنحه هذه المتعة. رفع نظره إليها. وقال: "أين الملفات؟" ترددت. ثم أجابت: "لا أعرف." ظل يحدق بها. طويلًا. كأنه يزن كلماتها. ويبحث داخل عينيها عن الحقيقة. ثم قالت فجأة: "مالك..." ارتفع حاجباه قليلًا. "مالك؟" اتسعت عيناها. "أنت تعرفه؟" ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. ابتسامة لم تحمل أي دفء. بل زادت ملامحه غموضًا. "أعرف عنه أكثر مما تعرفين." شعرت ليال بالانقباض. "إذن لماذا أنقذنا؟" أجاب الرجل فورًا: "لم ينقذكما." تجمدت. وأضاف: "كان يحاول بيعكما." سقطت الكلمات عليها كالصاعقة. رفض عقلها تصديقها. مالك الذي خاطر بحياته؟ مالك الذي أنقذها وياسين؟ هل كان يكذب طوال الوقت؟ لكن الرجل لم يبدُ كمن يختلق قصة. بل كمن يقول حقيقة لا تهمه مشاعر الآخرين. ثم اقترب أكثر وقال: "أخبريني يا ليال... ماذا تعرفين عن مشروع فينيكس؟" أجابت بعد تردد: "أنه مشروع للتجارب." هز رأسه ببطء. "هذا ما أخبروك به." ثم نظر إلى الجميع. وتحولت ملامحه إلى شيء أكثر جدية. "لكن الحقيقة مختلفة." ساد الصمت. وقال: "مشروع فينيكس أقدم من المنظمة نفسها." تجمد الجميع. حتى عثمان بدا مصدومًا. أما سمية فخفضت رأسها أكثر. وكأنها كانت تعرف هذا السر منذ سنوات. تابع الرجل: "بدأ المشروع قبل عقود طويلة." "انتقل بين حكومات ومنظمات وأشخاص لا تعرفون أسماءهم." "أموال هائلة أُنفقت." "مدن كاملة بُنيت وأُغلقت." "وأشخاص اختفوا دون أثر." شعرت ليال بالدوار. كلما حصلت على إجابة ظهرت عشرات الأسئلة الجديدة. من هي؟ من هو ياسين حقًا؟ لماذا يطاردهم الجميع؟ ولماذا يبدو أن حياتهما كلها كانت كذبة؟ ثم أخرج الرجل ظرفًا قديمًا من جيب معطفه. كان أصفر اللون ومتآكل الحواف. وكأنه احتُفظ به لسنوات طويلة. وضعه أمامها. وقال: "انظري." مدت يدها ببطء. كانت أصابعها ترتجف. فتحت الظرف. وأخرجت صورة قديمة. في البداية لم تفهم ما تراه. لكنها سرعان ما تجمدت. كان هناك طفلان صغيران. أحدهما هي. تأكدت من ذلك فورًا. أما الآخر فكان طفلًا لم تتعرف عليه. لكن شيئًا فيه بدا مألوفًا بشكل غريب. شعرت بقلبها ينبض بعنف. ثم انتبهت إلى المرأة الواقفة خلفهما. كانت شابة. جميلة. تبتسم لهما بحنان. وعندما دققت النظر أكثر... شعرت بأن أنفاسها توقفت. ملامح المرأة تشبهها. بشكل مرعب. كأنها تنظر إلى نسخة أكبر سنًا من نفسها. رفعت الصورة ببطء. وقالت بصوت مرتجف: "من هذه؟" نظر إليها الرجل طويلًا. ثم قال: "هذه والدتك." تجمد الزمن. شعرت ليال وكأن الأرض اختفت تحت قدميها. "مستحيل..." همست. كانت سمية أخبرتها أن والديها ماتا. أن الماضي انتهى. أن لا أحد بقي لها. لكن الصورة كانت حقيقية. وحقيقية أكثر من كل الأكاذيب التي سمعتها طوال حياتها. رفعت عينيها نحوه. والدموع بدأت تتجمع دون أن تشعر. "لقد أخبروني أنها ماتت." ساد الصمت. ثم قال الرجل: "لقد كذبوا عليك." شعرت بأن قلبها توقف. أما هو فأكمل بصوت هادئ: "والدتك..." توقف للحظة. كأنه يمنحها وقتًا لتستوعب ما سيقوله. ثم أكمل: "ما زالت على قيد الحياة." انزلقت الصورة من بين أصابعها. وسقطت على الأرض. اتسعت عيناها إلى أقصى حد. ولم تستطع النطق بكلمة واحدة. أما بقية الغرفة... فغرقت في صمت ثقيل. صمت كان يحمل معه بداية حقيقة أخطر بكثير من كل ما عرفته ليال حتى الآن.في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب
كان الليل قد تمدد فوق الطريق الترابي كستارٍ أسود ثقيل، يبتلع ما تبقى من ضوء خلفهما.كل خطوة كانت تصدر صوتًا خافتًا على الأرض المبتلة، وكأن الطبيعة نفسها تحاول ألا تُحدث ضجيجًا.كانت ليال تسير خلف الرجل، لكنها لم تكن تسير معه حقًا.كانت تراقبه.كل حركة.كل التفاتة.كل صمت.لم يكن الخوف وحده ما يملأ صدرها… بل ذلك الإحساس المزعج بأنها لا تعرف من يقف أمامها.منذ لحظة خروجهما من المنشأة، لم يسألها سؤالًا واحدًا عن حالها.لم يطلب شكرًا.لم يظهر عليه ارتباك.وكأن كل شيء محسوب مسبقًا.توقفت فجأة."قف."توقف الرجل فورًا.لم يلتفت بسرعة، بل ببطء محسوب، وكأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية.رفعت ليال المسدس.يدها ترتجف قليلًا، لكنها ثابتة بما يكفي لتوجهه نحو صدره."من أنت؟"الصمت سقط بينهما لثوانٍ طويلة.لم يبدُ عليه أي انزعاج.لا خوف.لا صدمة.فقط نظرة هادئة بشكل يثير القلق."قلت من أنت؟"اشتدت قبضتها على السلاح."لا تجعلني أكرر السؤال."تنهد بهدوء.ثم قال بصوت منخفض:"ضعي السلاح يا ليال.""لن يفيدك الآن."اتسعت عيناها."كيف تعرف اسمي؟"لم يجب مباشرة.بل نظر إليها نظرة طويلة، كأنه يحاول أن يخ
فتحت ليال عينيها ببطء.لم يكن الضوء عادياً… كان أبيض حادًا يضرب جفنيها كإبر صغيرة، يجعل الرؤية مشوشة ومؤلمة في الوقت نفسه.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها لم يستجب فورًا، كأنها لا تملك السيطرة عليه بالكامل.شيء بارد كان يغرس في ذراعها.التفتت بصعوبة.محاليل شفافة تتدفق داخل عروقها عبر أنبوب طبي دقيق.تجمدت أنفاسها.هذه المحاليل…ليست غريبة عليها.هذه نفس التقنية… نفس الأسلوب… نفس المادة التي كانت تُستخدم مع ياسين.ارتجف صوتها وهي تهمس:"لا…"حاولت أن تسحب ذراعها بعنف، لكن الألم اخترقها، وجعلها تتراجع.كان المكان غرفة عمليات معقمة، جدرانها بيضاء باردة، وأجهزة مراقبة تصدر طنينًا منتظمًا يشبه عدّاد الوقت.كأن كل شيء هنا محسوب بدقة… حتى أنفاسها.فُتح الباب فجأة.دخل رجل يرتدي معطفًا طبيًا.وجهه هادئ أكثر من اللازم، وهذا ما أخافها.اقترب منها دون استعجال."لا تتحركي… ما يتم حقنك به سيعيد استقرارك فقط."ارتفعت عينا ليال بغضب."ابتعد عني!"حاولت أن تدفعه، لكن جسدها كان أضعف من أن يستجيب.مدّ يده بحقنة شفافة، وبدأ يملؤها بسائل داكن اللون."أرجوكِ… لن يؤلمك شيء."لكن نبرة صوته كانت تكذب كل كلمة.وفي
ساد الصمت داخل القاعة بعد كلمات الأم الأخيرة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا، كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدر ليال ويمنع عنها الهواء.كانت واقفة في مكانها، تحدق في المرأة التي أمامها، وكأنها تراها لأول مرة في حياتها.لم تعد ترى “أمها”.بل ترى غريبة تمامًا.شخصًا صنع من الألم مشروعًا، ومن الخوف هدفًا، ومن البشر أرقامًا.ارتجفت شفتاها."أطفال… لا يحتاجهم أحد؟"تكرر الكلمات ببطء، وكأن عقلها يرفض تصديقها.لكن الأم لم تنظر إليها.كانت واقفة عند النافذة، تتأمل البحر وكأنه أكثر أمانًا من عيني ابنتها.اشتعل صوت ليال فجأة:"هل تسمعين نفسك؟"تقدمت خطوة."تسمين البشر… أدوات؟"رفعت الأم عينيها ببطء.ولأول مرة لم يكن في نظرتها دفء."كنتُ في مكان لا يسمح بالضعف."قالت بصوت منخفض."الوقت لم يكن في صالحي."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها كانت مكسورة."ولا في صالحهم أيضًا، أليس كذلك؟"ساد الصمت.ثم قالت الأم:"عندما رفض والدك المشروع… ظننت أنه لا يفهم.""كان يرى العالم بشكل مثالي أكثر مما يجب.""يرى أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها."توقفت لحظة.ثم أكملت:"أما أنا… فكنت أرى ابني يموت أمامي."ارتجفت نبرته
تجمدت ليال في مكانها.لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ولم تملك القوة للتراجع.كانت المرأة تقف أمام النافذة الزجاجية العملاقة، وظهرها إليها، بينما امتد البحر اللامتناهي خلفها حتى تلاشى عند الأفق. كانت الأمواج ترتطم بصخور الجزيرة في هدوء غريب، هدوء بدا مصطنعًا، كأن الطبيعة نفسها تخفي تحت سكونها عاصفة لم تبدأ بعد.لم تكن ليال ترى سوى ذلك الظهر.ظهر امرأة بحثت عنها طوال عمرها.امرأة رسمت ملامحها في خيالها آلاف المرات، حتى أصبحت تتساءل أحيانًا إن كانت تتذكرها حقًا، أم أنها كانت تحب صورةً اخترعها عقل طفلة لم تستوعب يومًا معنى الفقد.ازدادت ضربات قلبها حتى شعرت أنها تسمعها داخل أذنيها.ارتجفت شفتاها.خرج صوتها خافتًا، بالكاد سمعته هي نفسها."أمي... أهذه أنتِ؟"توقف الزمن.لم تجب المرأة.بقيت للحظات تنظر إلى البحر، ثم أخذت نفسًا عميقًا واستدارت ببطء شديد.التقت عيناهما.وفي اللحظة نفسها شعرت ليال وكأنها تنظر إلى انعكاسها بعد عشرين عامًا.العينان ذاتهما.اللون نفسه.طريقة رفع الحاجبين عند الدهشة.حتى النظرة التي تحمل مزيجًا من القوة والحزن كانت متطابقة بصورة مؤلمة.للمرة الأولى فهمت لم
شعرت ليال وكأنها تغوص في بحرٍ بلا نهاية.كانت الأصوات بعيدة ومشوشة، تتداخل مع الظلام الذي يحيط بها من كل جانب.ثم بدأ كل شيء يعود ببطء.صوت أمواج.صوت رياح خفيفة.ورائحة ملح البحر.فتحت عينيها بصعوبة.كان الضوء الساطع يتسلل عبر نافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض حتى السقف.رمشت عدة مرات محاولة استيعاب ما تراه.لم تكن داخل الطائرة.ولم تكن داخل غرفة المستشفى.بل داخل غرفة واسعة أشبه بجناح فاخر في فندق مطل على البحر.نهضت ببطء.فشعرت بألم خفيف في رأسها.وضعت يدها على عنقها.وتذكرت فجأة.الطائرة.الرجل الغامض.والظلام الذي ابتلعها.قفزت من السرير."ياسين!"لم يجبها أحد.بدأ قلبها يخفق بعنف.نظرت حولها بسرعة.الغرفة خالية.لا حراس.لا أقفال.لا كاميرات ظاهرة.وهذا ما أخافها أكثر.اقتربت من الباب بحذر.وضعت يدها على المقبض.ثم فتحته.انفتح بسهولة.تجمدت للحظة.ثم خرجت.كان الممر خارج الغرفة مختلفًا عن أي مكان رأته من قبل.جدران بيضاء ناصعة.أرضية زجاجية لامعة.وشاشات إلكترونية مثبتة على الجدران تعرض بيانات ورسومات معقدة.في نهاية الممر امتدت نوافذ ضخمة تكشف مشهدًا جعلها تتوقف.البحر.بحر أزرق
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص
بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كل
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو
كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إلي