登入لم تستطع ليال أن تصرخ.
في اللحظة التي أطبقت فيها اليد على فمها، شعرت أن قلبها توقف عن النبض. كانت يدًا قوية... لكنها لم تكن مرتجفة، ولم تكن تضغط بعنف. كانت ثابتة، وكأن صاحبها اعتاد أن يسيطر على المواقف دون أن يترك أثرًا. انعكس ضوء خافت عبر شقوق الخزانة، فرأت ظله فقط. ثم جاءها صوت منخفض، بالكاد يُسمع. "لا تتحركي..." توقفت عن المقاومة. "...إن أردتِ أن يبقى حيًا." اتسعت عيناها. هل يقصد ياسين؟ أم يقصدها هي؟ في الخارج... صدر صوت احتكاك معدني، ثم انفتح باب الغرفة ببطء شديد. دخل أول رجل. ثم الثاني. ثم الثالث. لم يتبادلوا كلمة واحدة. كانوا يتحركون بانضباط مرعب، كأنهم آلة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أجساد. توقف أحدهم أمام السرير. نظر إلى الملاءة الفارغة. قال بصوت بارد: "اختفى." أجابه الآخر وهو يرفع جهازًا صغيرًا يشبه الماسح الضوئي. "لا..." مرر الجهاز فوق الأرض. فوق الجدران. فوق السرير. ثم توقفت الشاشة عند نقطة مضيئة. ابتسم ابتسامة قصيرة. "ما زال داخل الغرفة." شعرت ليال بأن الدم تجمد في عروقها. أغمضت عينيها. ليس الآن... أرجوك... ليس الآن... اقتربت الخطوات. خطوة... ثم أخرى... ثم ثالثة. كل ثانية كانت تبدو أطول من عمر كامل. وصل أحد الرجال إلى الخزانة. مد يده نحو المقبض. وفي اللحظة التي لامست أصابعه المعدن... رن جهاز الاتصال في أذنه. ضغط عليه بسرعة. "تحدث." ساد صمت قصير. ثم تغيرت ملامحه. "هل أنت متأكد؟" استمع لثوانٍ أخرى. ثم قال: "نفذوا الخطة البديلة." نظر إلى الرجلين الآخرين. "انسحاب." قطب أحدهما حاجبيه. "لكن الهدف هنا." أجابه بحدة: "الأوامر تغيرت." غادر الثلاثة الغرفة كما دخلوها... بهدوء. ثم... عاد الصمت. لم تتحرك ليال. مرت عشر ثوانٍ. ثم عشر أخرى. كانت تسمع دقات قلبها فقط. وفجأة... ابتعدت اليد عن فمها. التفتت بسرعة خاطفة، وسحبت المسدس من خصرها، ووجهته مباشرة نحو رأس الرجل. كان يقف على بعد خطوة واحدة. لم يتحرك. لم يرفع سلاحًا. بل رفع كفيه ببطء. "أخيرًا..." قالها بنبرة هادئة. "...ظننت أنك ستطلقين النار قبل أن تنظري." ظلت أصبعها على الزناد. "من أنت؟" ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "سؤال منطقي." لم تجب. كانت تنتظر. تنهد، ثم أزاح القبعة السوداء عن رأسه. ظهر وجهه أخيرًا. في منتصف الثلاثينيات. لحية خفيفة. عينان رماديتان تحملان إرهاق سنوات طويلة. وعلى الجانب الأيسر من رقبته... ندبة قديمة تمتد حتى أسفل ياقة معطفه. قال بهدوء: "اسمي سليم." لم يخفض عينيه عنها. "وأنتِ ليال." اشتدت قبضتها على المسدس. "كيف تعرف اسمي؟" ضحك ضحكة قصيرة، خالية من السخرية. "أصبح هذا السؤال يتكرر كثيرًا." "أجب." نظر إليها طويلًا. ثم قال: "لأنني كنت أعرف والدك." ساد الصمت. شعرت أن الكلمات فقدت معناها. "لا..." همست بها دون وعي. "كلكم تقولون الشيء نفسه." "آدم قال ذلك." "وأنت الآن." "من التالي؟" لم يغضب. بل أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه الداخلي. ظنت لأول وهلة أنه سلاح. فرفعت المسدس أكثر. لكنه وضعه ببطء على الأرض. كان مفتاحًا معدنيًا قديمًا. يتدلى منه شعار غريب محفور داخل دائرة. حدقت فيه. ثم شعرت بأنفاسها تتقطع. لقد رأت هذا الشعار من قبل. في دفتر والدها. في الصفحة الأخيرة. الصفحة التي كانت ممزقة من المنتصف. رفع سليم نظره إليها. "أدركتِ الآن؟" لم تستطع الرد. أكمل بصوت أكثر جدية: "هناك أشياء لم يخبرك بها آدم." "وهناك أشياء لم يكن والدك يريدك أن تعرفيها... إلا إذا وصلتِ إلى باريس." ارتبكت. "ماذا تقصد؟" اقترب خطوة. فتراجعت هي فورًا. توقف مكانه. "جئت لأنقذك." قالتها بحدة: "الجميع يقول ذلك." خفض رأسه للحظة. ثم همس: "لكن ليس الجميع يخاطر بحياته من أجلك." في تلك اللحظة... صدر أنين ضعيف من داخل الخزانة. ياسين. فتح عينيه بصعوبة. كان يتنفس بسرعة، وجسده يرتجف بعنف. اقتربت ليال منه فورًا. "ياسين..." وضع يده على رأسه. "أشعر..." توقف. "...كأن شيئًا يحترق داخلي." تبادلت ليال وسليم نظرة سريعة. تغير وجه سليم فجأة. اقترب من ياسين، ووضع أصابعه على عنقه لثوانٍ. ثم همس، وكأنه يحدث نفسه: "بدأت المرحلة الثانية..." نظرت إليه ليال بصدمة. "أي مرحلة؟" رفع رأسه ببطء. ولأول مرة... ظهر الخوف الحقيقي في عينيه. "لم يعد أمامنا وقت." "إذا لم نصل إليه قبل شروق الشمس..." ابتلع كلماته. ثم قال بصوت ثقيل: "...فلن يكون ياسين هو الشخص الذي تعرفانه بعد اليوم.لم تستطع ليال أن تصرخ.في اللحظة التي أطبقت فيها اليد على فمها، شعرت أن قلبها توقف عن النبض.كانت يدًا قوية... لكنها لم تكن مرتجفة، ولم تكن تضغط بعنف. كانت ثابتة، وكأن صاحبها اعتاد أن يسيطر على المواقف دون أن يترك أثرًا.انعكس ضوء خافت عبر شقوق الخزانة، فرأت ظله فقط.ثم جاءها صوت منخفض، بالكاد يُسمع."لا تتحركي..."توقفت عن المقاومة."...إن أردتِ أن يبقى حيًا."اتسعت عيناها.هل يقصد ياسين؟أم يقصدها هي؟في الخارج...صدر صوت احتكاك معدني، ثم انفتح باب الغرفة ببطء شديد.دخل أول رجل.ثم الثاني.ثم الثالث.لم يتبادلوا كلمة واحدة.كانوا يتحركون بانضباط مرعب، كأنهم آلة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أجساد.توقف أحدهم أمام السرير.نظر إلى الملاءة الفارغة.قال بصوت بارد:"اختفى."أجابه الآخر وهو يرفع جهازًا صغيرًا يشبه الماسح الضوئي."لا..."مرر الجهاز فوق الأرض.فوق الجدران.فوق السرير.ثم توقفت الشاشة عند نقطة مضيئة.ابتسم ابتسامة قصيرة."ما زال داخل الغرفة."شعرت ليال بأن الدم تجمد في عروقها.أغمضت عينيها.ليس الآن...أرجوك...ليس الآن...اقتربت الخطوات.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة.كل ثانية كانت ت
في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب
كان الليل قد تمدد فوق الطريق الترابي كستارٍ أسود ثقيل، يبتلع ما تبقى من ضوء خلفهما.كل خطوة كانت تصدر صوتًا خافتًا على الأرض المبتلة، وكأن الطبيعة نفسها تحاول ألا تُحدث ضجيجًا.كانت ليال تسير خلف الرجل، لكنها لم تكن تسير معه حقًا.كانت تراقبه.كل حركة.كل التفاتة.كل صمت.لم يكن الخوف وحده ما يملأ صدرها… بل ذلك الإحساس المزعج بأنها لا تعرف من يقف أمامها.منذ لحظة خروجهما من المنشأة، لم يسألها سؤالًا واحدًا عن حالها.لم يطلب شكرًا.لم يظهر عليه ارتباك.وكأن كل شيء محسوب مسبقًا.توقفت فجأة."قف."توقف الرجل فورًا.لم يلتفت بسرعة، بل ببطء محسوب، وكأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية.رفعت ليال المسدس.يدها ترتجف قليلًا، لكنها ثابتة بما يكفي لتوجهه نحو صدره."من أنت؟"الصمت سقط بينهما لثوانٍ طويلة.لم يبدُ عليه أي انزعاج.لا خوف.لا صدمة.فقط نظرة هادئة بشكل يثير القلق."قلت من أنت؟"اشتدت قبضتها على السلاح."لا تجعلني أكرر السؤال."تنهد بهدوء.ثم قال بصوت منخفض:"ضعي السلاح يا ليال.""لن يفيدك الآن."اتسعت عيناها."كيف تعرف اسمي؟"لم يجب مباشرة.بل نظر إليها نظرة طويلة، كأنه يحاول أن يخ
فتحت ليال عينيها ببطء.لم يكن الضوء عادياً… كان أبيض حادًا يضرب جفنيها كإبر صغيرة، يجعل الرؤية مشوشة ومؤلمة في الوقت نفسه.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها لم يستجب فورًا، كأنها لا تملك السيطرة عليه بالكامل.شيء بارد كان يغرس في ذراعها.التفتت بصعوبة.محاليل شفافة تتدفق داخل عروقها عبر أنبوب طبي دقيق.تجمدت أنفاسها.هذه المحاليل…ليست غريبة عليها.هذه نفس التقنية… نفس الأسلوب… نفس المادة التي كانت تُستخدم مع ياسين.ارتجف صوتها وهي تهمس:"لا…"حاولت أن تسحب ذراعها بعنف، لكن الألم اخترقها، وجعلها تتراجع.كان المكان غرفة عمليات معقمة، جدرانها بيضاء باردة، وأجهزة مراقبة تصدر طنينًا منتظمًا يشبه عدّاد الوقت.كأن كل شيء هنا محسوب بدقة… حتى أنفاسها.فُتح الباب فجأة.دخل رجل يرتدي معطفًا طبيًا.وجهه هادئ أكثر من اللازم، وهذا ما أخافها.اقترب منها دون استعجال."لا تتحركي… ما يتم حقنك به سيعيد استقرارك فقط."ارتفعت عينا ليال بغضب."ابتعد عني!"حاولت أن تدفعه، لكن جسدها كان أضعف من أن يستجيب.مدّ يده بحقنة شفافة، وبدأ يملؤها بسائل داكن اللون."أرجوكِ… لن يؤلمك شيء."لكن نبرة صوته كانت تكذب كل كلمة.وفي
ساد الصمت داخل القاعة بعد كلمات الأم الأخيرة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا، كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدر ليال ويمنع عنها الهواء.كانت واقفة في مكانها، تحدق في المرأة التي أمامها، وكأنها تراها لأول مرة في حياتها.لم تعد ترى “أمها”.بل ترى غريبة تمامًا.شخصًا صنع من الألم مشروعًا، ومن الخوف هدفًا، ومن البشر أرقامًا.ارتجفت شفتاها."أطفال… لا يحتاجهم أحد؟"تكرر الكلمات ببطء، وكأن عقلها يرفض تصديقها.لكن الأم لم تنظر إليها.كانت واقفة عند النافذة، تتأمل البحر وكأنه أكثر أمانًا من عيني ابنتها.اشتعل صوت ليال فجأة:"هل تسمعين نفسك؟"تقدمت خطوة."تسمين البشر… أدوات؟"رفعت الأم عينيها ببطء.ولأول مرة لم يكن في نظرتها دفء."كنتُ في مكان لا يسمح بالضعف."قالت بصوت منخفض."الوقت لم يكن في صالحي."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها كانت مكسورة."ولا في صالحهم أيضًا، أليس كذلك؟"ساد الصمت.ثم قالت الأم:"عندما رفض والدك المشروع… ظننت أنه لا يفهم.""كان يرى العالم بشكل مثالي أكثر مما يجب.""يرى أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها."توقفت لحظة.ثم أكملت:"أما أنا… فكنت أرى ابني يموت أمامي."ارتجفت نبرته
تجمدت ليال في مكانها.لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ولم تملك القوة للتراجع.كانت المرأة تقف أمام النافذة الزجاجية العملاقة، وظهرها إليها، بينما امتد البحر اللامتناهي خلفها حتى تلاشى عند الأفق. كانت الأمواج ترتطم بصخور الجزيرة في هدوء غريب، هدوء بدا مصطنعًا، كأن الطبيعة نفسها تخفي تحت سكونها عاصفة لم تبدأ بعد.لم تكن ليال ترى سوى ذلك الظهر.ظهر امرأة بحثت عنها طوال عمرها.امرأة رسمت ملامحها في خيالها آلاف المرات، حتى أصبحت تتساءل أحيانًا إن كانت تتذكرها حقًا، أم أنها كانت تحب صورةً اخترعها عقل طفلة لم تستوعب يومًا معنى الفقد.ازدادت ضربات قلبها حتى شعرت أنها تسمعها داخل أذنيها.ارتجفت شفتاها.خرج صوتها خافتًا، بالكاد سمعته هي نفسها."أمي... أهذه أنتِ؟"توقف الزمن.لم تجب المرأة.بقيت للحظات تنظر إلى البحر، ثم أخذت نفسًا عميقًا واستدارت ببطء شديد.التقت عيناهما.وفي اللحظة نفسها شعرت ليال وكأنها تنظر إلى انعكاسها بعد عشرين عامًا.العينان ذاتهما.اللون نفسه.طريقة رفع الحاجبين عند الدهشة.حتى النظرة التي تحمل مزيجًا من القوة والحزن كانت متطابقة بصورة مؤلمة.للمرة الأولى فهمت لم
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.
كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إلي
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت







