Mag-log inلم يكن الانفجار هو أكثر ما أرعب ليال.
بل تلك الخطوات. كانت بطيئة... ثابتة... واثقة. لا تشبه خطوات رجل يطارد فريسة، بل خطوات شخص يعلم أن الفريسة لن تجد مخرجًا مهما ركضت. ارتجف الضوء المعلق في سقف الغرفة، وانطفأ لثانية، ثم عاد يومض بصورة متقطعة، ناشرًا ظلالًا طويلة على الجدران المتشققة. أدار سليم رأسه نحو الباب. لمعت عيناه للحظة، وكأنهما تحسبان كل احتمال. ثم أغلق الجدار السري بسرعة، وأشار إلى ليال أن تبقى مكانها. همس بصوت خافت: "لا تتكلمي... مهما سمعتِ." نظرت إليه باستغراب. "لكن—" رفع إصبعه أمام شفتيه. "ثقي بي... هذه المرة فقط." لم تكن تريد أن تثق به. لكنها لم تجد خيارًا آخر. انحنت بجوار ياسين، وأسندت رأسه إلى كتفها. كان جسده يزداد سخونة، وأنفاسه غير منتظمة، وكأن معركة خفية تدور داخله. فتحت حقيبة الإسعافات التي وجدتها في الغرفة، وأخرجت قطعة قماش مبللة وضعتها على جبينه. فتح عينيه بصعوبة. كانت عيناه حمراوين، لكنهما كانتا تدوران في الغرفة وكأنه لا يتعرف إلى المكان. همس بصوت متعب: "ليال..." ابتسمت رغم خوفها. "أنا هنا." نظر إليها طويلًا. ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها. "لا تدعيهم... يأخذون أبي." توقفت. "ماذا؟" لكن ياسين كان قد أغلق عينيه من جديد. همست لنفسها: "هو يهذي..." إلا أن سليم، الذي كان يقف قرب الباب، استدار ببطء. كانت ملامحه قد تغيرت. سألته ليال: "ماذا قال؟" أجاب بعد صمت: "لا شيء." لكن نبرته قالت العكس. في الخارج... توقفت الخطوات أمام الباب مباشرة. ساد صمت ثقيل. ثم دق شخص الباب... ثلاث دقات هادئة. ليس بعنف. ولا بعجلة. نظر سليم إلى الباب دون أن يتحرك. ثم جاء صوت رجل من الخارج. صوت هادئ... عميق... يحمل ثقة غريبة. "أعرف أنك في الداخل يا سليم." تجمد سليم. أغمض عينيه للحظة. همست ليال: "من هذا؟" لم يجب. عاد الصوت مرة أخرى. "لن أكسر الباب." "لن أطلق النار." "كل ما أريده... أن نتحدث." ارتسمت على وجه سليم ابتسامة حزينة. وقال بصوت منخفض: "دائمًا يبدأ بالكلام..." ثم ينتهي كل شيء بالدم. أمسك الرجل الموجود خارج الغرفة بمقبض الباب. لكن الباب لم يُفتح. قال بهدوء: "ما زلت لا تثق بي." ابتسم سليم بسخرية. ورفع صوته لأول مرة. "وهل أعطيتني سببًا واحدًا لأفعل؟" ساد الصمت. ثم جاء الرد. "أنقذت حياتك." أجاب سليم بسرعة. "بل دمرت حياتي." شعرت ليال أن بين الرجلين تاريخًا طويلًا. تاريخًا مليئًا بالأسرار. قال الرجل من خلف الباب: "أعطني الفتاة." "وسأدعكما ترحلان." ضحكت ليال بمرارة. "يظن أننا سنصدقه؟" لكن سليم لم يضحك. بل قال وهو يثبت نظره على الباب: "لا تفتحي فمك." نظرت إليه باستغراب. "لماذا؟" همس: "لأنه لا يريدك." قطبت حاجبيها. "إذن من يريد؟" نظر إلى ياسين. وقال بصوت يكاد لا يُسمع: "هو." شعرت ليال بقشعريرة تسري في جسدها. "لماذا؟" وقبل أن يجيب... صدر صوت قوي. لكن ليس من الباب. بل من النافذة. تحطم الزجاج دفعة واحدة. وقفز رجلان إلى داخل الغرفة. رفع أحدهما سلاحه فورًا. بينما اندفع الآخر نحو ياسين. صرخت ليال، وأطلقت رصاصة. دوى صوتها في المكان. أصابت الرصاصة الحائط، لكنها أجبرت الرجل على التراجع. في اللحظة نفسها، سحب سليم مسدسه. أطلق رصاصتين متتاليتين. اختبأ الرجلان خلف الأثاث. تحولت الغرفة الصغيرة إلى ساحة قتال. تناثر الزجاج. وتطاير الخشب. وامتلأ الهواء برائحة البارود. لكن... لم يطلق الرجل الموجود خلف الباب رصاصة واحدة. بل قال بهدوء، كأنه يشاهد ما يحدث من بعيد: "أخبرتك يا سليم..." "أنت دائمًا تختار الطريق الأصعب." ثم... صدر صوت جهاز إلكتروني. توقفت إطلاقات النار فجأة. نظر أحد المهاجمين إلى ساعته، ثم صاح: "انسحاب!" خلال ثوانٍ معدودة، قفز الرجلان من النافذة واختفيا. ساد الصمت. لم يبقَ سوى صوت أنفاس الجميع. تقدمت ليال نحو النافذة بحذر. ألقت نظرة إلى الشارع. كان خاليًا. اختفى الجميع... حتى الرجل الذي كان يقف خلف الباب. لكن قبل أن تغلق النافذة... وقعت عيناها على شيء صغير فوق الأرض. بطاقة سوداء. انحنت والتقطتها. كان عليها شعار المنظمة... لكن أسفله جملة واحدة مكتوبة بحبر أبيض: "إذا أردتِ معرفة من قتل والدك حقًا... فلا تثقي بآدم." تجمدت ليال. رفعت رأسها ببطء. ثم نظرت إلى سليم. ولأول مرة... بدأ الشك يتسلل إلى قلبها من جديد.لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بسليم، بينما كانت الكلمات الأخيرة تتردد داخل رأسها.الملف.إذن لم تكن المطاردة من أجلها.ولا من أجل ياسين.كان هناك شيء آخر.شيء أخفاه والدها منذ سنوات، وجعل المنظمة مستعدة لفعل أي شيء لاستعادته.ابتلعت ريقها بصعوبة.ثم قالت:"أين الملف؟"لم يجب سليم.اقتربت منه خطوة."أين أخفى أبي الملف؟"ظل صامتًا.اشتعل الغضب في عينيها."أنت تعرف."رفع سليم نظره إليها."أعرف جزءًا فقط.""وأي جزء؟""أعرف لماذا أخفاه.""إذن أخبرني."تنهد."لأنه لم يعد يثق بأحد."ضحكت ليال بمرارة."حتى بك."خفض سليم عينيه."خصوصًا بي."ساد الصمت.كانت الجملة أثقل مما توقعت.نظرت إلى المفتاح الموجود في يدها.ثم إلى الشاشة التي انطفأت بعد ظهور رسالة والدها."هذا المفتاح قادنا إلى هنا.""نعم.""إذن إلى أين يقود؟"نظر سليم إلى الخريطة.ثم قال:"إلى مكان لم يعد موجودًا على الخرائط."تجمدت ملامحها."ماذا يعني ذلك؟"أشار إلى النقطة التي ظهرت على الشاشة."هذا المكان كان تابعًا للمشروع منذ أكثر من عشرين عامًا.""مختبر؟"هز رأسه."لا."توقف لحظة."كان منزلًا."شعرت ليال بالاستغراب."منزل؟""كان
ظلت ليال واقفة أمام النافذة، لا تتحرك.كانت البطاقة السوداء لا تزال بين أصابعها.شعرت بحافتها الحادة تضغط على جلد يدها، لكنها لم تنتبه إلى ذلك.كل ما استطاعت رؤيته كان السطر الأبيض المكتوب عليها:"إذا أردتِ معرفة من قتل والدك حقًا... فلا تثقي بآدم."قرأته مرة.ثم مرة أخرى.وكأنها تنتظر أن تتغير الكلمات.لكنها بقيت كما هي.نظرت إلى سليم.كان واقفًا في منتصف الغرفة، صامتًا، يراقبها دون أن يحاول الاقتراب.قالت:"أنت تعرف شيئًا."لم يجب."أليس كذلك؟"رفع عينيه إليها."نعم."كانت إجابته هادئة إلى درجة أثارت غضبها.اقتربت منه."إذن أخبرني."ظل صامتًا."من قتل والدي؟"خفض سليم عينيه إلى البطاقة."ليس الأمر بهذه البساطة."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي فرح."كل شيء عندكم ليس بهذه البساطة."ثم رفعت البطاقة أمام وجهه."منذ أن بدأت هذه الكارثة، وأنا أسمع الجملة نفسها.""لا تسألي الآن.""لا يمكنك معرفة الحقيقة.""الأمر أخطر مما تتخيلين.""تعبت من ذلك."خرجت الجملة من فمها بصوت منخفض.لكنها كانت أثقل من أي صرخة."تعبت من أن أكون آخر شخص يعرف الحقيقة عن حياتي."صمت سليم.تابعت:"كل شخص يظهر
لم يكن الانفجار هو أكثر ما أرعب ليال.بل تلك الخطوات.كانت بطيئة... ثابتة... واثقة.لا تشبه خطوات رجل يطارد فريسة، بل خطوات شخص يعلم أن الفريسة لن تجد مخرجًا مهما ركضت.ارتجف الضوء المعلق في سقف الغرفة، وانطفأ لثانية، ثم عاد يومض بصورة متقطعة، ناشرًا ظلالًا طويلة على الجدران المتشققة.أدار سليم رأسه نحو الباب.لمعت عيناه للحظة، وكأنهما تحسبان كل احتمال.ثم أغلق الجدار السري بسرعة، وأشار إلى ليال أن تبقى مكانها.همس بصوت خافت:"لا تتكلمي... مهما سمعتِ."نظرت إليه باستغراب."لكن—"رفع إصبعه أمام شفتيه."ثقي بي... هذه المرة فقط."لم تكن تريد أن تثق به.لكنها لم تجد خيارًا آخر.انحنت بجوار ياسين، وأسندت رأسه إلى كتفها.كان جسده يزداد سخونة، وأنفاسه غير منتظمة، وكأن معركة خفية تدور داخله.فتحت حقيبة الإسعافات التي وجدتها في الغرفة، وأخرجت قطعة قماش مبللة وضعتها على جبينه.فتح عينيه بصعوبة.كانت عيناه حمراوين، لكنهما كانتا تدوران في الغرفة وكأنه لا يتعرف إلى المكان.همس بصوت متعب:"ليال..."ابتسمت رغم خوفها."أنا هنا."نظر إليها طويلًا.ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها."لا تدعيهم... ي
لم يعرف أحدٌ كيف مرّت الدقائق التالية.ظل الصمت يخيّم على الغرفة الصغيرة، حتى بدا وكأنه كائن حي يراقبهم من زواياها الضيقة. لم يكن هناك سوى صوت أنفاس ياسين المتقطعة، وقطرات المطر التي بدأت ترتطم بزجاج النافذة في إيقاع بطيء، كأن السماء نفسها تشاركهم ذلك الثقل الذي استقر فوق المكان.كانت ليال لا تزال ممسكة بمسدسها.ذراعها تؤلمها من شدة التوتر، لكنها لم تخفض السلاح.وقفت في مواجهة الرجل الغريب، بينما كانت كل خلية في جسدها تصرخ ألا تثق بأحد.منذ أيام فقط كانت تعيش حياة عادية، تذهب إلى جامعتها، تخطط لمستقبلها، وتحلم بالسفر إلى باريس لاستكمال دراستها.أما الآن...فها هي في باريس بالفعل.لكنها وصلت إليها مطاردة، تحمل سلاحًا، وتخشى كل وجه جديد يقابلها.راقبها سليم بصمت.لم يحاول الاقتراب.ولم يحاول حتى الدفاع عن نفسه.قال بهدوء:"لو أردتِ قتلك... لفعلت ذلك منذ أن دخلت هذه الغرفة."لم تجبه.بقيت عيناها مثبتتين عليه.ثم قالت بصوت منخفض، لكنه حاد:"هذه ليست إجابة."ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم تنهد."أعرف."أعاد يديه إلى جانبيه ببطء، ثم نظر إلى النافذة."الخوف يجعلك ترين الجميع أعداء."رفعت حاجبها."ل
لم تستطع ليال أن تصرخ.في اللحظة التي أطبقت فيها اليد على فمها، شعرت أن قلبها توقف عن النبض.كانت يدًا قوية... لكنها لم تكن مرتجفة، ولم تكن تضغط بعنف. كانت ثابتة، وكأن صاحبها اعتاد أن يسيطر على المواقف دون أن يترك أثرًا.انعكس ضوء خافت عبر شقوق الخزانة، فرأت ظله فقط.ثم جاءها صوت منخفض، بالكاد يُسمع."لا تتحركي..."توقفت عن المقاومة."...إن أردتِ أن يبقى حيًا."اتسعت عيناها.هل يقصد ياسين؟أم يقصدها هي؟في الخارج...صدر صوت احتكاك معدني، ثم انفتح باب الغرفة ببطء شديد.دخل أول رجل.ثم الثاني.ثم الثالث.لم يتبادلوا كلمة واحدة.كانوا يتحركون بانضباط مرعب، كأنهم آلة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أجساد.توقف أحدهم أمام السرير.نظر إلى الملاءة الفارغة.قال بصوت بارد:"اختفى."أجابه الآخر وهو يرفع جهازًا صغيرًا يشبه الماسح الضوئي."لا..."مرر الجهاز فوق الأرض.فوق الجدران.فوق السرير.ثم توقفت الشاشة عند نقطة مضيئة.ابتسم ابتسامة قصيرة."ما زال داخل الغرفة."شعرت ليال بأن الدم تجمد في عروقها.أغمضت عينيها.ليس الآن...أرجوك...ليس الآن...اقتربت الخطوات.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة.كل ثانية كانت ت
في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص
بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كل
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو
كانت الساعة المعلقة على حائط غرفتي الباردة تصدر دقاتٍ منتظمة ومستفزة، كأنها عد تنازلي لشيء مجهول ينتظرني خلف أبواب هذا المنزل الملعون. نظرتُ إلى بقع الرطوبة التي رسمت لوحاتٍ كئيبة على السقف، وشعرتُ ببرودة الغرفة تتسلل إلى عظامي رغم حرارة الصيف في الخارج. جلستُ على طرف سريري المتهالك، أصوات "السوست"