LOGINفي جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.
الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي. كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها. وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة. كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء. دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق. قال أحدهما بصوت منخفض: "الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية." رفعت الأم رأسها بسرعة. "افعلوا شيئًا." "أي شيء." تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر: "يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه." "ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت." تجمدت ملامحها. "يعني ماذا؟" أجاب الطبيب: "يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا." ساد الصمت. ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد: "افعلوه." "لا يهم… فقط اجعلوه يبقى." تراجع الطبيب خطوة. "هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم." ارتفع صوتها فجأة: "قلت افعلوه!" في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة. فتح عينيه ببطء. "أمي…" اقتربت منه فورًا. "أنا هنا… لا تتكلم." ابتسم ابتسامة ضعيفة. "تعبت…" تجمد صوتها في حلقها. "لا تقل ذلك… سنجد حلًا." هز رأسه ببطء. "لا يوجد حل." ثم قال بصوت متقطع: "أنا أحبك…" ارتجفت يدها. "لا… لا تقول وداعًا." لكن أنفاسه بدأت تتباطأ شيئًا فشيئًا. "أريد أن أرتاح…" ساد الصمت. حتى توقف كل شيء. صفير طويل خرج من الأجهزة. النهاية. "لا…" همست الأم. "افتح عينيك!" لكن لم يجبها أحد. سقط الصمت كحجر ثقيل على الغرفة. في اليوم نفسه… لم تعد الأم كما كانت. كان وجهها هادئًا بشكل مخيف. هادئًا لا يشبه الحزن، بل شيئًا أشد قسوة. وقفت أمام طاولة اجتماعات داخل مقر المنظمة، حيث اجتمع بعض الرجال. قال أحدهم: "تم تحديد موقع ليال." رفع آخر ملفًا صغيرًا: "وُضع جهاز تتبع داخل العينات الخاصة بياسين قبل نقله." ساد الصمت لحظة. ثم قال آخر: "يمكننا القبض عليهم بسهولة." لكن الأم رفعت يدها ببطء. "لا." التفت الجميع إليها. "لا أريد القبض عليهم بسهولة." تقدم أحدهم: "ماذا تقصدين؟" نظرت إليهم بعينين خاليتين من أي رحمة. "أريدهم أحياء." "لكن محطمين." ثم أضافت: "كما كان هو تمامًا." ساد التوتر القاعة. "أريدهم أن يشعروا بكل ما شعرت به." "أريد ليال أن ترى النهاية قبل أن تعيشها." ثم همست: "هذا ليس انتقامًا…" "هذه عدالة بطيئة." في باريس… لم تكن ليال تعلم أن الخطر أصبح أقرب مما تتخيل. كانت الغرفة الصغيرة هادئة. ياسين نائم بصعوبة، وأنفاسه متقطعة لكنها مستقرة نسبيًا. جلست ليال بجانبه، تحاول أن تمنح نفسها لحظة هدوء واحدة منذ زمن طويل. لكن الصمت لم يكن مطمئنًا. كان خانقًا. وفجأة… سمعت صوتًا خافتًا في الخارج. خطوات. بطيئة. متقاربة. توقفت ليال فورًا. أصغت جيدًا. لم يكن صوت شخص واحد. بل أكثر من خطوة. حراس. اقترب الصوت ببطء شديد، كأنه يتعمد ألا يُسمع، ومع ذلك كان واضحًا بما يكفي ليزرع الرعب في صدرها. اتسعت عيناها. نظرت إلى ياسين بسرعة، ثم هزّته بخفة. "ياسين… استيقظ." لكن حالته لم تساعدها. في لحظة قرار سريع، حملته بصعوبة رغم ضعفه، واتجهت إلى زاوية الغرفة حيث خزانة صغيرة. دفعت الباب وأدخلته، ثم دخلت خلفه وأغلقت الباب بهدوء شديد. كانت أنفاسها تتسارع، لكنها حاولت كتمها. اقتربت من ثقب صغير في الباب، تنظر منه إلى الخارج. الخطوات أصبحت أقرب. ثم توقفت أمام الغرفة. صمت. لم يعد هناك صوت. فجأة… ارتفع ظل أمام الباب. تجمد الدم في عروقها. اقتربت أكثر من الثقب. لكن قبل أن ترى شيئًا بوضوح… شعرت بيدٍ قوية تُطبق على فمها من الخلف. كُتمت أنفاسها في لحظة. اتسعت عيناها في رعب شديد. حاولت المقاومة، لكن اليد كانت أقوى… ثابتة… تعرف كيف تُسكتها دون صوت. لم ترَ وجهه بعد… لكنها أدركت الحقيقة الوحيدة المؤكدة: أنهم لم يكونوا يبحثون عن ياسين فقط… بل كانوا يعرفون مكانها منذ البداية.في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب
كان الليل قد تمدد فوق الطريق الترابي كستارٍ أسود ثقيل، يبتلع ما تبقى من ضوء خلفهما.كل خطوة كانت تصدر صوتًا خافتًا على الأرض المبتلة، وكأن الطبيعة نفسها تحاول ألا تُحدث ضجيجًا.كانت ليال تسير خلف الرجل، لكنها لم تكن تسير معه حقًا.كانت تراقبه.كل حركة.كل التفاتة.كل صمت.لم يكن الخوف وحده ما يملأ صدرها… بل ذلك الإحساس المزعج بأنها لا تعرف من يقف أمامها.منذ لحظة خروجهما من المنشأة، لم يسألها سؤالًا واحدًا عن حالها.لم يطلب شكرًا.لم يظهر عليه ارتباك.وكأن كل شيء محسوب مسبقًا.توقفت فجأة."قف."توقف الرجل فورًا.لم يلتفت بسرعة، بل ببطء محسوب، وكأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية.رفعت ليال المسدس.يدها ترتجف قليلًا، لكنها ثابتة بما يكفي لتوجهه نحو صدره."من أنت؟"الصمت سقط بينهما لثوانٍ طويلة.لم يبدُ عليه أي انزعاج.لا خوف.لا صدمة.فقط نظرة هادئة بشكل يثير القلق."قلت من أنت؟"اشتدت قبضتها على السلاح."لا تجعلني أكرر السؤال."تنهد بهدوء.ثم قال بصوت منخفض:"ضعي السلاح يا ليال.""لن يفيدك الآن."اتسعت عيناها."كيف تعرف اسمي؟"لم يجب مباشرة.بل نظر إليها نظرة طويلة، كأنه يحاول أن يخ
فتحت ليال عينيها ببطء.لم يكن الضوء عادياً… كان أبيض حادًا يضرب جفنيها كإبر صغيرة، يجعل الرؤية مشوشة ومؤلمة في الوقت نفسه.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها لم يستجب فورًا، كأنها لا تملك السيطرة عليه بالكامل.شيء بارد كان يغرس في ذراعها.التفتت بصعوبة.محاليل شفافة تتدفق داخل عروقها عبر أنبوب طبي دقيق.تجمدت أنفاسها.هذه المحاليل…ليست غريبة عليها.هذه نفس التقنية… نفس الأسلوب… نفس المادة التي كانت تُستخدم مع ياسين.ارتجف صوتها وهي تهمس:"لا…"حاولت أن تسحب ذراعها بعنف، لكن الألم اخترقها، وجعلها تتراجع.كان المكان غرفة عمليات معقمة، جدرانها بيضاء باردة، وأجهزة مراقبة تصدر طنينًا منتظمًا يشبه عدّاد الوقت.كأن كل شيء هنا محسوب بدقة… حتى أنفاسها.فُتح الباب فجأة.دخل رجل يرتدي معطفًا طبيًا.وجهه هادئ أكثر من اللازم، وهذا ما أخافها.اقترب منها دون استعجال."لا تتحركي… ما يتم حقنك به سيعيد استقرارك فقط."ارتفعت عينا ليال بغضب."ابتعد عني!"حاولت أن تدفعه، لكن جسدها كان أضعف من أن يستجيب.مدّ يده بحقنة شفافة، وبدأ يملؤها بسائل داكن اللون."أرجوكِ… لن يؤلمك شيء."لكن نبرة صوته كانت تكذب كل كلمة.وفي
ساد الصمت داخل القاعة بعد كلمات الأم الأخيرة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا، كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدر ليال ويمنع عنها الهواء.كانت واقفة في مكانها، تحدق في المرأة التي أمامها، وكأنها تراها لأول مرة في حياتها.لم تعد ترى “أمها”.بل ترى غريبة تمامًا.شخصًا صنع من الألم مشروعًا، ومن الخوف هدفًا، ومن البشر أرقامًا.ارتجفت شفتاها."أطفال… لا يحتاجهم أحد؟"تكرر الكلمات ببطء، وكأن عقلها يرفض تصديقها.لكن الأم لم تنظر إليها.كانت واقفة عند النافذة، تتأمل البحر وكأنه أكثر أمانًا من عيني ابنتها.اشتعل صوت ليال فجأة:"هل تسمعين نفسك؟"تقدمت خطوة."تسمين البشر… أدوات؟"رفعت الأم عينيها ببطء.ولأول مرة لم يكن في نظرتها دفء."كنتُ في مكان لا يسمح بالضعف."قالت بصوت منخفض."الوقت لم يكن في صالحي."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها كانت مكسورة."ولا في صالحهم أيضًا، أليس كذلك؟"ساد الصمت.ثم قالت الأم:"عندما رفض والدك المشروع… ظننت أنه لا يفهم.""كان يرى العالم بشكل مثالي أكثر مما يجب.""يرى أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها."توقفت لحظة.ثم أكملت:"أما أنا… فكنت أرى ابني يموت أمامي."ارتجفت نبرته
تجمدت ليال في مكانها.لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ولم تملك القوة للتراجع.كانت المرأة تقف أمام النافذة الزجاجية العملاقة، وظهرها إليها، بينما امتد البحر اللامتناهي خلفها حتى تلاشى عند الأفق. كانت الأمواج ترتطم بصخور الجزيرة في هدوء غريب، هدوء بدا مصطنعًا، كأن الطبيعة نفسها تخفي تحت سكونها عاصفة لم تبدأ بعد.لم تكن ليال ترى سوى ذلك الظهر.ظهر امرأة بحثت عنها طوال عمرها.امرأة رسمت ملامحها في خيالها آلاف المرات، حتى أصبحت تتساءل أحيانًا إن كانت تتذكرها حقًا، أم أنها كانت تحب صورةً اخترعها عقل طفلة لم تستوعب يومًا معنى الفقد.ازدادت ضربات قلبها حتى شعرت أنها تسمعها داخل أذنيها.ارتجفت شفتاها.خرج صوتها خافتًا، بالكاد سمعته هي نفسها."أمي... أهذه أنتِ؟"توقف الزمن.لم تجب المرأة.بقيت للحظات تنظر إلى البحر، ثم أخذت نفسًا عميقًا واستدارت ببطء شديد.التقت عيناهما.وفي اللحظة نفسها شعرت ليال وكأنها تنظر إلى انعكاسها بعد عشرين عامًا.العينان ذاتهما.اللون نفسه.طريقة رفع الحاجبين عند الدهشة.حتى النظرة التي تحمل مزيجًا من القوة والحزن كانت متطابقة بصورة مؤلمة.للمرة الأولى فهمت لم
شعرت ليال وكأنها تغوص في بحرٍ بلا نهاية.كانت الأصوات بعيدة ومشوشة، تتداخل مع الظلام الذي يحيط بها من كل جانب.ثم بدأ كل شيء يعود ببطء.صوت أمواج.صوت رياح خفيفة.ورائحة ملح البحر.فتحت عينيها بصعوبة.كان الضوء الساطع يتسلل عبر نافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض حتى السقف.رمشت عدة مرات محاولة استيعاب ما تراه.لم تكن داخل الطائرة.ولم تكن داخل غرفة المستشفى.بل داخل غرفة واسعة أشبه بجناح فاخر في فندق مطل على البحر.نهضت ببطء.فشعرت بألم خفيف في رأسها.وضعت يدها على عنقها.وتذكرت فجأة.الطائرة.الرجل الغامض.والظلام الذي ابتلعها.قفزت من السرير."ياسين!"لم يجبها أحد.بدأ قلبها يخفق بعنف.نظرت حولها بسرعة.الغرفة خالية.لا حراس.لا أقفال.لا كاميرات ظاهرة.وهذا ما أخافها أكثر.اقتربت من الباب بحذر.وضعت يدها على المقبض.ثم فتحته.انفتح بسهولة.تجمدت للحظة.ثم خرجت.كان الممر خارج الغرفة مختلفًا عن أي مكان رأته من قبل.جدران بيضاء ناصعة.أرضية زجاجية لامعة.وشاشات إلكترونية مثبتة على الجدران تعرض بيانات ورسومات معقدة.في نهاية الممر امتدت نوافذ ضخمة تكشف مشهدًا جعلها تتوقف.البحر.بحر أزرق
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص
بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كل
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.