LOGINبقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.
لم يكن مجرد ملف. كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار. استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها. منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون. تعرف من كانت والدتها. وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كلها وهي تؤمن بها. أما الآن... فكل شيء بدأ يتصدع. ارتجفت أصابعها وهي تمد يدها نحو الملف. كانت تشعر بخوف لم تستطع تفسيره. الخوف من الحقيقة أحيانًا يكون أقسى من الخوف من الكذب. وضعت يدها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غريب. وكأن السنوات التي أمضاها مخفيًا تركت داخله برودة خاصة به. ثم فتحته ببطء شديد. أصدرت المفصلة المعدنية صوتًا خافتًا وسط الصمت المطبق الذي خيم على الغرفة. بدا الصوت صغيرًا جدًا. ومع ذلك شعر الجميع به. شعرت ليال وكأن ذلك الصوت كان إعلانًا رسميًا عن بداية شيء لن تستطيع التراجع عنه أبدًا. انحنت فوق الصفحات. وتسارعت أنفاسها دون أن تشعر. ثم وقعت عيناها على أول صورة. صورة قديمة. باهتة قليلًا بفعل الزمن. لكن تفاصيلها كانت واضحة بما يكفي. امرأة شابة تبتسم للكاميرا. ابتسامة هادئة. واثقة. وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون. شعر أسود طويل ينسدل على كتفيها. وعينان واسعتان تحملان مزيجًا غريبًا من الحنان والذكاء. تجمدت ليال. شعرت وكأن العالم اختفى للحظة. لم تعد تسمع صوت تنفس الحاضرين. ولا صوت الأجهزة المحيطة. ولا حتى دقات قلبها. كانت تنظر إلى وجه تعرفه. وتجهله في الوقت نفسه. كانت ترى نفسها تقريبًا. أو ربما النسخة التي يمكن أن تصبحها بعد سنوات. نفس شكل العينين. نفس انحناءة الشفتين. حتى النظرة كانت مألوفة بصورة مؤلمة. هبط بصرها إلى أسفل الصورة. وقرأت الكلمات المكتوبة هناك. الدكتورة ليان عادل رئيسة قسم الأبحاث الجينية – مشروع فينيكس شعرت بأن أنفاسها تتسارع. مرة. ثم مرتين. ثم بشكل خارج عن سيطرتها. قرأت الاسم مرة أخرى. ثم أعادت قراءته للمرة الثالثة. كأن عقلها يرفض تصديق ما تراه. وكأن جزءًا منها ما زال ينتظر أن تتغير الحروف فجأة. أن يكون الاسم لشخص آخر. لكن الاسم بقي كما هو. همست بصوت مرتجف بالكاد خرج من بين شفتيها: "أمي..." كان الهمس ضعيفًا جدًا. ومع ذلك بدا وكأنه ملأ الغرفة كلها. لم يجبها أحد. لكنها شعرت بعيون الجميع تراقبها. شعرت بأنهم يعرفون أشياء كثيرة. أشياء حُرمت هي من معرفتها طوال حياتها. ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم قلبت الصفحة التالية. ظهرت عشرات التقارير العلمية. أرقام. معادلات. رسوم بيانية معقدة. ملاحظات مكتوبة بخط اليد. بعضها بخط سريع مرتبك. وبعضها بدا وكأنه كُتب في لحظات من التوتر الشديد. وفي أعلى الصفحة ظهر عنوان واضح: المرحلة الأولى – مشروع فينيكس بدأت تقرأ بسرعة. كل سطر كانت تقرؤه كان يهدم جزءًا من الصورة التي عاشت بها سنوات طويلة. كانت تظن أن المشروع يهدف لعلاج الأمراض النادرة. هكذا قيل لها. وهكذا صدقت. لكن الأوراق كانت تقول شيئًا مختلفًا تمامًا. شيئًا أكبر بكثير. وأخطر بكثير. ثم توقفت عيناها فجأة. كانت هناك جملة مكتوبة بخط عريض. كأن كاتبها أراد أن يضمن ألا يتجاهلها أحد. «الهدف النهائي للمشروع لا يتمثل في العلاج.» شعرت بقشعريرة باردة تسري على طول عمودها الفقري. وأحست بأن الغرفة أصبحت أبرد فجأة. أعادت قراءة الجملة. ثم مرة أخرى. وكأنها تأمل أن تتغير الكلمات. لكنها بقيت كما هي. رفعت رأسها ببطء نحو الرجل الغامض. كانت تبحث في وجهه عن إجابة. عن أي شيء. وقالت: "إذا لم يكن العلاج..." لكن الكلمات ماتت قبل أن تكملها. لأنه لم يجب. بقي واقفًا بصمته المزعج. فعادت إلى القراءة. وقلبت الصفحة التالية. وهنا جاءت الصدمة الأكبر. في أعلى الصفحة ظهر عنوان أحمر كبير: العينتان A و B شعرت بأن أنفاسها توقفت. كانت تعرف. قبل أن ترى. وقبل أن تقرأ. وقبل أن تنظر حتى. كان هناك شعور داخلي يخبرها بما ستجده. ومع ذلك لم يخفف ذلك من وقع الصدمة. وقعت عيناها على الصورتين. صورتها. وصورة ياسين. شعرت بالغثيان. لم تكن مجرد صور. بل ملفات كاملة. أسفل كل صورة عشرات الملاحظات. تحاليل. تقارير. تواريخ. مراقبة مستمرة. تقييمات نفسية. قياسات جسدية. سجلات مفصلة بشكل مرعب. حتى الأحداث الصغيرة في حياتهما كانت موجودة. أشياء لم يعرفها أحد سواهما. أشياء ظنت أنها خاصة. شعرت ببرودة تسري في أطرافها. وكأن شخصًا مجهولًا كان يقف خلفها طوال حياتها يراقب كل خطوة تخطوها. همست: "كانوا يراقبوننا طوال الوقت..." لم يكن ذلك مجرد شعور. بل حقيقة موثقة أمامها على الورق. أغلقت عينيها للحظة. وحاولت السيطرة على اضطرابها. ثم واصلت القراءة. في الصفحات التالية أصبحت التقارير أكثر غموضًا. بعض الأوراق ممزقة. وبعضها اختفت منه أجزاء كاملة. وكأن أحدًا ما مر من هنا قبلها. شخص يعرف بالضبط ما الذي يجب إخفاؤه. وما الذي يجب أن يبقى. ثم وصلت إلى صفحة مختلفة. كانت صفحة وحيدة. بسيطة بشكل غريب. وكأنها لا تنتمي إلى بقية الملف. وعليها سطر واحد فقط. سطر بدا وكأنه نجا من محاولة متعمدة لمحو الحقيقة. انحنت نحوه. وقرأته بصوت خافت: "لن يظهر المفتاح إلا بعد اكتمال المرحلة الأخيرة." ساد الصمت. الصمت نفسه بدا وكأنه يحمل معنى خفيًا. رفعت رأسها ببطء. وقالت: "المفتاح..." ثم أعادت النظر إلى السطر. "ما المقصود بالمفتاح؟" لم يجبها أحد. لكنها لاحظت شيئًا. التوتر. رأته في الوجوه. في النظرات. حتى الرجل الغامض بدا أقل هدوءًا من السابق. وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها تدرك أن كلمة "المفتاح" ليست مجرد مصطلح علمي. بل شيء يخشاه الجميع. واصلت تقليب الصفحات. صفحة. ثم أخرى. إلى أن وصلت إلى نهاية الملف. وهناك... وجدت صورة. صورة قديمة جدًا. باهتة بفعل الزمن. كأنها نجت بصعوبة من سنوات طويلة من الإخفاء. أمسكتها ببطء. وفي اللحظة الأولى شعرت بأن قلبها توقف. كانت والدتها تقف في منتصف الصورة. وبجوارها رجل لم تره من قبل. لكنها لم تهتم به. لأن شيئًا آخر خطف انتباهها فورًا. الأطفال الواقفون أمامهما. هي. وياسين. لكن... كان هناك طفل ثالث. تجمدت تمامًا. شعرت وكأن عقلها توقف عن العمل. اقتربت من الصورة. حدقت فيها مرة. ثم مرتين. ثم عشر مرات. لم تكن تتوهم. ولم يكن خداعًا بصريًا. كان هناك بالفعل طفل ثالث يقف بجوارهما. صبي في العمر نفسه تقريبًا. ملامحه غير واضحة بسبب قدم الصورة. لكن وجوده كان حقيقيًا. وحقيقيًا بشكل مرعب. شعرت ببرودة تتسلل إلى أعماقها. لأن السؤال الذي ظهر في ذهنها كان واضحًا: إذا كان هذا الطفل موجودًا... فلماذا لا تتذكره؟ رفعت الصورة أمام الجميع. وقالت بصوت مرتجف: "من هذا؟" ساد الصمت. صمت طويل وثقيل. الصمت الذي يسبق الكوارث. ثم التقت عيناها بالرجل الغامض. ولأول مرة منذ أن رأته... اختفى هدوء ملامحه. نظر إلى الصورة. ثم إليها. وقال بصوت منخفض: "هذا..." لكنه توقف. كأن الكلمات اختنقت داخله. ازدادت دقات قلب ليال. حتى شعرت بها تؤلم صدرها. وقالت مرة أخرى: "من هو؟" لكن قبل أن يجيب... دوى صوت إنذار حاد في أرجاء المنشأة. صوت مزق الصمت فجأة. وقف الجميع في لحظة واحدة. وتبدلت ملامح الرجل فورًا. اندفع أحد الحراس إلى الداخل وهو يلهث. وصاح: "سيدي... لقد اخترقوا النظام الأمني!" وخلال ثوانٍ تحولت الغرفة إلى فوضى من الأوامر والحركة والاستنفار. أما ليال... فلم تتحرك. ظلت ممسكة بالصورة بكلتا يديها. وعيناها معلقتان بذلك الطفل المجهول. كانت تشعر في أعماقها... أن الحقيقة التي تبحث عنها منذ البداية ليست والدتها. وليست مشروع فينيكس. وليست حتى المفتاح. بل ذلك الطفل. الطفل الذي ظهر في صورة واحدة فقط. ثم اختفى من التاريخ كله. وكان هناك إحساس مرعب يهمس داخلها... أن العثور عليه قد يغير كل شيء.لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بسليم، بينما كانت الكلمات الأخيرة تتردد داخل رأسها.الملف.إذن لم تكن المطاردة من أجلها.ولا من أجل ياسين.كان هناك شيء آخر.شيء أخفاه والدها منذ سنوات، وجعل المنظمة مستعدة لفعل أي شيء لاستعادته.ابتلعت ريقها بصعوبة.ثم قالت:"أين الملف؟"لم يجب سليم.اقتربت منه خطوة."أين أخفى أبي الملف؟"ظل صامتًا.اشتعل الغضب في عينيها."أنت تعرف."رفع سليم نظره إليها."أعرف جزءًا فقط.""وأي جزء؟""أعرف لماذا أخفاه.""إذن أخبرني."تنهد."لأنه لم يعد يثق بأحد."ضحكت ليال بمرارة."حتى بك."خفض سليم عينيه."خصوصًا بي."ساد الصمت.كانت الجملة أثقل مما توقعت.نظرت إلى المفتاح الموجود في يدها.ثم إلى الشاشة التي انطفأت بعد ظهور رسالة والدها."هذا المفتاح قادنا إلى هنا.""نعم.""إذن إلى أين يقود؟"نظر سليم إلى الخريطة.ثم قال:"إلى مكان لم يعد موجودًا على الخرائط."تجمدت ملامحها."ماذا يعني ذلك؟"أشار إلى النقطة التي ظهرت على الشاشة."هذا المكان كان تابعًا للمشروع منذ أكثر من عشرين عامًا.""مختبر؟"هز رأسه."لا."توقف لحظة."كان منزلًا."شعرت ليال بالاستغراب."منزل؟""كان
ظلت ليال واقفة أمام النافذة، لا تتحرك.كانت البطاقة السوداء لا تزال بين أصابعها.شعرت بحافتها الحادة تضغط على جلد يدها، لكنها لم تنتبه إلى ذلك.كل ما استطاعت رؤيته كان السطر الأبيض المكتوب عليها:"إذا أردتِ معرفة من قتل والدك حقًا... فلا تثقي بآدم."قرأته مرة.ثم مرة أخرى.وكأنها تنتظر أن تتغير الكلمات.لكنها بقيت كما هي.نظرت إلى سليم.كان واقفًا في منتصف الغرفة، صامتًا، يراقبها دون أن يحاول الاقتراب.قالت:"أنت تعرف شيئًا."لم يجب."أليس كذلك؟"رفع عينيه إليها."نعم."كانت إجابته هادئة إلى درجة أثارت غضبها.اقتربت منه."إذن أخبرني."ظل صامتًا."من قتل والدي؟"خفض سليم عينيه إلى البطاقة."ليس الأمر بهذه البساطة."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي فرح."كل شيء عندكم ليس بهذه البساطة."ثم رفعت البطاقة أمام وجهه."منذ أن بدأت هذه الكارثة، وأنا أسمع الجملة نفسها.""لا تسألي الآن.""لا يمكنك معرفة الحقيقة.""الأمر أخطر مما تتخيلين.""تعبت من ذلك."خرجت الجملة من فمها بصوت منخفض.لكنها كانت أثقل من أي صرخة."تعبت من أن أكون آخر شخص يعرف الحقيقة عن حياتي."صمت سليم.تابعت:"كل شخص يظهر
لم يكن الانفجار هو أكثر ما أرعب ليال.بل تلك الخطوات.كانت بطيئة... ثابتة... واثقة.لا تشبه خطوات رجل يطارد فريسة، بل خطوات شخص يعلم أن الفريسة لن تجد مخرجًا مهما ركضت.ارتجف الضوء المعلق في سقف الغرفة، وانطفأ لثانية، ثم عاد يومض بصورة متقطعة، ناشرًا ظلالًا طويلة على الجدران المتشققة.أدار سليم رأسه نحو الباب.لمعت عيناه للحظة، وكأنهما تحسبان كل احتمال.ثم أغلق الجدار السري بسرعة، وأشار إلى ليال أن تبقى مكانها.همس بصوت خافت:"لا تتكلمي... مهما سمعتِ."نظرت إليه باستغراب."لكن—"رفع إصبعه أمام شفتيه."ثقي بي... هذه المرة فقط."لم تكن تريد أن تثق به.لكنها لم تجد خيارًا آخر.انحنت بجوار ياسين، وأسندت رأسه إلى كتفها.كان جسده يزداد سخونة، وأنفاسه غير منتظمة، وكأن معركة خفية تدور داخله.فتحت حقيبة الإسعافات التي وجدتها في الغرفة، وأخرجت قطعة قماش مبللة وضعتها على جبينه.فتح عينيه بصعوبة.كانت عيناه حمراوين، لكنهما كانتا تدوران في الغرفة وكأنه لا يتعرف إلى المكان.همس بصوت متعب:"ليال..."ابتسمت رغم خوفها."أنا هنا."نظر إليها طويلًا.ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها."لا تدعيهم... ي
لم يعرف أحدٌ كيف مرّت الدقائق التالية.ظل الصمت يخيّم على الغرفة الصغيرة، حتى بدا وكأنه كائن حي يراقبهم من زواياها الضيقة. لم يكن هناك سوى صوت أنفاس ياسين المتقطعة، وقطرات المطر التي بدأت ترتطم بزجاج النافذة في إيقاع بطيء، كأن السماء نفسها تشاركهم ذلك الثقل الذي استقر فوق المكان.كانت ليال لا تزال ممسكة بمسدسها.ذراعها تؤلمها من شدة التوتر، لكنها لم تخفض السلاح.وقفت في مواجهة الرجل الغريب، بينما كانت كل خلية في جسدها تصرخ ألا تثق بأحد.منذ أيام فقط كانت تعيش حياة عادية، تذهب إلى جامعتها، تخطط لمستقبلها، وتحلم بالسفر إلى باريس لاستكمال دراستها.أما الآن...فها هي في باريس بالفعل.لكنها وصلت إليها مطاردة، تحمل سلاحًا، وتخشى كل وجه جديد يقابلها.راقبها سليم بصمت.لم يحاول الاقتراب.ولم يحاول حتى الدفاع عن نفسه.قال بهدوء:"لو أردتِ قتلك... لفعلت ذلك منذ أن دخلت هذه الغرفة."لم تجبه.بقيت عيناها مثبتتين عليه.ثم قالت بصوت منخفض، لكنه حاد:"هذه ليست إجابة."ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم تنهد."أعرف."أعاد يديه إلى جانبيه ببطء، ثم نظر إلى النافذة."الخوف يجعلك ترين الجميع أعداء."رفعت حاجبها."ل
لم تستطع ليال أن تصرخ.في اللحظة التي أطبقت فيها اليد على فمها، شعرت أن قلبها توقف عن النبض.كانت يدًا قوية... لكنها لم تكن مرتجفة، ولم تكن تضغط بعنف. كانت ثابتة، وكأن صاحبها اعتاد أن يسيطر على المواقف دون أن يترك أثرًا.انعكس ضوء خافت عبر شقوق الخزانة، فرأت ظله فقط.ثم جاءها صوت منخفض، بالكاد يُسمع."لا تتحركي..."توقفت عن المقاومة."...إن أردتِ أن يبقى حيًا."اتسعت عيناها.هل يقصد ياسين؟أم يقصدها هي؟في الخارج...صدر صوت احتكاك معدني، ثم انفتح باب الغرفة ببطء شديد.دخل أول رجل.ثم الثاني.ثم الثالث.لم يتبادلوا كلمة واحدة.كانوا يتحركون بانضباط مرعب، كأنهم آلة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أجساد.توقف أحدهم أمام السرير.نظر إلى الملاءة الفارغة.قال بصوت بارد:"اختفى."أجابه الآخر وهو يرفع جهازًا صغيرًا يشبه الماسح الضوئي."لا..."مرر الجهاز فوق الأرض.فوق الجدران.فوق السرير.ثم توقفت الشاشة عند نقطة مضيئة.ابتسم ابتسامة قصيرة."ما زال داخل الغرفة."شعرت ليال بأن الدم تجمد في عروقها.أغمضت عينيها.ليس الآن...أرجوك...ليس الآن...اقتربت الخطوات.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة.كل ثانية كانت ت
في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت
أغلقت ليال باب المختبر خلفها بقوة حتى ارتجت مفاصله المعدنية، ثم استندت إليه لثوانٍ قصيرة تحاول التقاط أنفاسها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما امتزجت رائحة المواد الكيميائية العالقة بملابسها برائحة الدم التي لم تفارقها منذ ساعات.في يدها اليمنى كانت تقبض على حقيبة مشروع فينيكس كأنها كنز انتزعته من
انزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي. ارتجفت قدماي للحظة. الأرضية البيضاء اللامعة انعكس
توقفت أنفاسي تماماً خلف ذلك الباب، كأن الهواء نفسه تجمد داخل رئتي. الرواق الطويل بدا فجأة أكثر ضيقاً، وأكثر برودة، حتى الأضواء البيضاء المعلقة في السقف صارت ترتجف أمام عينيّ كأنها على وشك الانطفاء. كنت أضع يدي المرتعشة فوق فمي محاوِلة كتم أنفاسي، لكن تلك التنهيدة الصغيرة التي أفلتت مني دون إرادة كا







