LOGINمرّ أسبوع كامل منذ تلك الليلة على السطح، أسبوع لم يكن سهلاً على سامر، لكنه لم يكن كسابقه أيضًا. استيقظ في صباح يوم الاثنين على صوت منبه هاتفه، وهو صوت لم يعتد سماعه منذ أشهر، لأنه ببساطة توقف عن ضبط أي مواعيد لنفسه.
جلس على حافة السرير، فرك عينيه، ونظر حوله في الغرفة التي كانت تحمل آثار فوضى طويلة: ملابس متناثرة، علب فارغة، وستائر مغلقة تمنع الضوء من الدخول منذ وقت طويل. تذكر كلمات ليان: "ابدأ من نقطة واحدة." فقرر أن تكون نقطته الأولى هي هذه الغرفة بالذات. قضى ساعتين في تنظيف المكان، لم يكن الأمر سهلاً نفسيًا، فكل قطعة كان يرفعها تحمل ذكرى: زجاجة فارغة تذكّره بليلة سيئة، ورقة حساب مصرفي عليها تنبيه بالتأخر عن السداد، وصورة قديمة له مع أصدقاء لم يعودوا يتصلون به. لكنه استمر، قطعة بعد قطعة، حتى بدأت الغرفة تشبه مكانًا يمكن لإنسان أن يتنفس فيه من جديد. في المساء، اتصل بليان كما وعدها. "فعلتها،" قال بفخر خجول، "حجزت موعدًا مع طبيب نفسي. الأسبوع القادم." سمع ابتسامتها في صوتها قبل أن ترد: "هذه بداية حقيقية يا سامر. أنا فخورة بك." كانت هذه الكلمات البسيطة كافية لتمنحه دفعة لم يشعر بها منذ زمن. لكنه كان يعرف أن الطريق أمامه طويل، وأن هناك أشخاصًا وأمورًا من ماضيه لن تسمح له بالمضي قدمًا بسهولة، أبرزهم "خالد"، صديقه القديم الذي كان شريكه في أغلب ليالي المقامرة، والذي كان قد بدأ يرسل له رسائل متكررة يسأل فيها عن دين قديم لم يُسدد بعد. نظر سامر إلى الرسالة الأخيرة على شاشة هاتفه، شعر بقلبه يتسارع قليلاً، لكنه هذه المرة لم يهرب من الشاشة كالمعتاد، بل بدأ يفكر بجدية في كيفية مواجهة هذا الجزء من ماضيه الذي كان يعرف أنه سيعود، عاجلاً أم آجلاً، ليطرق بابه. وضع الهاتف جانبًا، وقرر ألا يرد على خالد في تلك اللحظة، ليس هروبًا هذه المرة، بل لأنه أراد أن يفكر بوضوح قبل أن يتخذ أي خطوة. جلس على كرسي المكتب في غرفته المرتبة حديثًا، وأخرج دفترًا صغيرًا كان قد اشتراه في طريق عودته من عند ليان، وكتب في أعلى الصفحة الأولى: "الأشياء التي عليّ مواجهتها." كتب اسم خالد أولاً، ثم توقف قليلاً وأضاف تحته: "الدَّين، الضغط، التهديدات المحتملة." شعر بثقل وهو يكتب هذه الكلمات، لكنه أدرك أن كتابتها على الورق جعلتها أقل رعبًا مما كانت عليه وهي حبيسة رأسه فقط. في اليوم التالي، ذهب إلى عمله القديم، ليس ليطلب وظيفته السابقة التي خسرها، بل ليتحدث مع "أبو ياسر"، مدير المحل الذي كان يعمل فيه، والذي كان دائمًا يعامله كأب أكثر منه كرئيس في العمل. جلس أمامه بخجل واضح، وقال: "أعرف أنني تركت العمل في وضع سيئ، وأعرف أنني أخطأت كثيرًا بحقك وبحق الفريق. لم آتِ لأطلب شيئًا، أتيت فقط لأعتذر، ولأسألك إن كان هناك أي عمل بسيط يمكنني القيام به، حتى لو كان مؤقتًا." نظر إليه أبو ياسر بصمت لبضع ثوانٍ، ثم قال بصوت هادئ: "أنت أول شخص يعود ليعتذر بدلاً من أن يبرر. هذا يعني شيئًا." فكّر قليلاً، ثم أضاف: "لدينا عمل في المستودع، ليس مثيرًا، لكنه شريف. إذا كنت جادًا، تعال غدًا صباحًا." خرج سامر من المحل وهو يشعر بخليط غريب من الامتنان والخجل، لكنه كان يعرف أن هذه هي بالضبط الخطوات الصغيرة التي تحدثت عنها ليان: لا معجزات، فقط قرارات صغيرة متتالية تبني شيئًا أكبر مع الوقت. مساءً، عاد إلى هاتفه، وفتح رسالة خالد أخيرًا. كتب بحذر: "أعرف أنني مدين لك، ولن أهرب من ذلك. لكنني أمر بمرحلة أحاول فيها أن أرتب حياتي من جديد. أحتاج وقتًا، وأعدك أنني لن أختفي كما فعلت من قبل." انتظر الرد بقلق، متوقعًا ردًا غاضبًا أو تهديدًا كالمعتاد، لكن الرسالة التي وصلته كانت مختلفة عما توقع: "لم أكن أتوقع منك ردًا كهذا. معظم الناس يختفون فقط. خذ وقتك، لكن لا تختفِ مرة أخرى." شعر سامر بارتياح غريب، وكأن جزءًا من الخوف الذي كان يطارده بدأ يتراجع خطوة إلى الوراء. لم تُحل المشكلة، الدَّين ما زال قائمًا، والطريق أمامه ما زال طويلاً ومليئًا بالتحديات، لكنه بدأ يشعر لأول مرة أن هذه المشاكل لم تعد أكبر منه، بل أصبحت أشياء يمكن مواجهتها، واحدة تلو الأخرى، بدلاً من أن تبقى كتلة ضخمة تخنقه من كل جانب. في الأيام التالية، بدأ سامر يذهب إلى المستودع كل صباح، يرتدي ملابس عمل بسيطة، ويقوم بمهام لم يكن يتخيل يومًا أنه سيقوم بها: ترتيب الصناديق، تسجيل المخزون، وحمل بضائع ثقيلة تحت أشعة الشمس. لم يكن العمل يشبه في شيء الوظيفة المكتبية التي فقدها، لكنه لاحظ أمرًا غريبًا: التعب الجسدي في نهاية اليوم كان يمنحه نومًا أعمق مما عرفه منذ سنوات، نومًا لا تتخلله كوابيس الديون والفشل. في أحد الأيام، وأثناء استراحة الغداء، جلس بجانب زميل جديد في العمل اسمه "فراس"، شاب في منتصف الثلاثينيات، هادئ الطباع، لاحظ سامر أنه دائمًا يحمل معه كتابًا صغيرًا يقرأ فيه خلال الاستراحات. سأله سامر بفضول: "ماذا تقرأ؟" رفع فراس الكتاب ليريه الغلاف، وقال: "كتاب عن التعافي من الإدمان. مررت بتجربة صعبة قبل خمس سنوات، وهذا الكتاب كان جزءًا من رحلتي للخروج منها." توقف سامر عن الأكل للحظة، شعر وكأن الكون يضع أمامه إشارات لا يمكن تجاهلها. تردد قليلاً، ثم قال بصوت خافت: "أنا أيضًا أحاول أن أخرج من شيء شبيه... المقامرة، والكحول." نظر إليه فراس دون أي علامة صدمة أو حكم، بل بابتسامة تفهم عميق، وقال: "الاعتراف هو أصعب خطوة، وأنت فعلتها للتو أمام شخص تعرفه منذ أيام قليلة. هذا ليس بالأمر الهيّن." تحدثا طويلاً في ذلك اليوم، وشعر سامر أن هذا اللقاء لم يكن صدفة عابرة، بل كان أشبه بيد جديدة تمتد له في رحلته، إلى جانب يد ليان ويد والدته الغائبة الحاضرة عبر رسالتها. اقترح عليه فراس أن ينضم إلى مجموعة دعم صغيرة يحضرها هو نفسه أسبوعيًا، مجموعة من أشخاص يمرون بتجارب مشابهة، يجتمعون ليس للحكم على بعضهم، بل لمساندة بعضهم. في البداية، شعر سامر بتردد كبير، فكرة الجلوس أمام غرباء والحديث عن أضعف لحظاته كانت مرعبة بالنسبة له. لكنه تذكر كلمات ليان عن الخطوات الصغيرة، وقرر أن يجرب، ولو لمرة واحدة فقط. حين ذهب إلى أول جلسة له مساء الخميس، جلس في الخلف قريبًا من الباب، وكأنه يريد أن يترك لنفسه مجال الهروب إذا شعر أن الأمر أكبر مما يحتمل. استمع إلى قصص أشخاص آخرين، بعضها كان أصعب بكثير من قصته، وبعضها كان أشبه بمرآة تعكس تفاصيل حياته هو بالذات. حين حان دوره للحديث، لم يستطع في البداية سوى أن يقول: "اسمي سامر، وأنا هنا لأنني تعبت من الهروب." كانت جملة بسيطة، لكنها كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في داخله، بابًا نحو مجتمع صغير من أشخاص يفهمون، دون تفسير طويل، حجم المعركة التي يخوضها كل يوم في صمت. عاد إلى منزله تلك الليلة، وشعر بتعب مختلف عن تعب العمل الجسدي، تعب نفسي عميق لكنه كان مصحوبًا بشعور غريب بالخفة. جلس على سريره، وأخرج دفتر الرسم القديم الذي وجده أخيرًا في صندوق منسي في الخزانة. فتح صفحة فارغة، وأمسك بقلم رصاص لأول مرة منذ سنوات، ورسم خطًا واحدًا بسيطًا، ثم خطًا آخر، حتى بدأت تتشكل أمامه صورة غير واضحة المعالم بعد، لكنها كانت البداية. نظر إلى الرسم غير المكتمل، وابتسم لنفسه بابتسامة صادقة، أول ابتسامة من هذا النوع منذ وقت طويل جدًا، وفكر: "ربما هذا هو الطريق. ليس طريقًا سريعًا أو سهلاً، لكنه طريق حقيقي، خطوة بخطوة، من الرماد... نحو النور." "**كان الفصل الثاني قد انتهى، لكن رحلة سامر من الرماد إلى النور كانت لا تزال في بدايتها، تحمل في طياتها اختبارات أصعب، ولقاءات لم يكن يتوقعها، وتحوّلًا لم يكتمل بعد، لكنه بدأ يأخذ شكلاً حقيقيًا لأول مرة منذ زمن طويل.**"في صباح باكر من أحد أيام الخريف، وقف سامر أمام مبنى صغير في مدينة "الزرقاء"، أول مدينة يُفتتح فيها فرع جديد من برنامج "من الرماد إلى النور". كان المبنى متواضعًا، غرفتين فقط في الطابق الأرضي لمركز شبابي محلي، لكنه بدا لسامر في تلك اللحظة أكبر من أي قصر، لأنه يمثل تجسيدًا حقيقيًا لفكرة كانت حتى وقت قريب مجرد حلم يخصه وحده.رافقه في هذه الزيارة فراس، ومدرّبة جديدة اسمها "هند"، معلمة رسم سابقة انضمت إلى البرنامج بعد أن قرأت قصته وشعرت أنها تريد أن تكون جزءًا من هذا النوع من العمل. كانت هند قد مرت بتجربة اكتئاب حاد بعد وفاة زوجها، ووجدت في الرسم طريقها الخاص للخروج منه، ما جعلها تفهم فلسفة البرنامج بعمق دون أن يشرحها لها أحد بالتفصيل.في اليوم الأول، استقبلت الغرفة الصغيرة اثني عشر شابًا وشابة من أحياء مختلفة في المدينة، بعضهم أتى بدافع الفضول فقط، وبعضهم وصلته دعوة من مدرسته بعد أن رصد المرشد الاجتماعي فيها حالات تحتاج دعمًا. جلس سامر في الخلف هذه المرة، تاركًا لهند قيادة الجلسة الأولى، حريصًا على أن يترك مساحة حقيقية للمدربين الجدد لبناء أسلوبهم الخاص، لا أن يفرض عليهم نسخة طبق الأصل من
في صباح يوم الاجتماع مع مسؤول وزارة التنمية الاجتماعية، ارتدى سامر بدلة رسمية اقترضها من فراس، شعر فيها بغرابة خفيفة، وكأنه يرتدي هوية لم يتعود عليها بعد: هوية "المسؤول عن مؤسسة"، لا "الناجي الذي يرسم". جلس في سيارة سلمى التي عرضت أن تنقله إلى الوزارة، وقالت له بابتسامة مشجعة: "تذكّر، أنت لا تطلب منّة، أنت تعرض شراكة حقيقية بنتائج ملموسة. تحدث من هذا المكان."في مكتب فسيح بالوزارة، استقبلهم "الدكتور نبيل"، مسؤول كبير في قسم برامج الشباب، رجل في الخمسينيات يحمل ملفًا كاملاً عن البرنامج أمامه، مما فاجأ سامر بمدى التفاصيل التي جمعوها عنه."قرأت مقالك،" قال الدكتور نبيل مباشرة دون مقدمات طويلة، "الصادق، لا المقال الأول. أقدّر هذا النوع من الشجاعة، خصوصًا أننا في هذا المجال نتعامل كثيرًا مع واجهات مصقولة تخفي فراغًا حقيقيًا خلفها."شرح سامر بإيجاز فكرة البرنامج، نتائجه حتى الآن، وقصص التحول التي شهدها في عمر وغيره من المشاركين، دون أن يذكر أسماء أو تفاصيل حساسة. استمع الدكتور نبيل بانتباه، ثم قال: "نريد أن ندعم توسيع هذا البرنامج ليشمل ثلاث مدن أخرى، بتمويل حكومي، على أن يكون هناك إطار رسم
مرّ شهر على استقرار وضع عمر وأخيه، وبدأ سامر يشعر أن الأمور تسير بانتظام نادر منذ فترة طويلة: الورشة تنمو بثبات، علاقته بليان تزداد عمقًا، ووالدته تحافظ على صحة مستقرة. لكن الحياة، كما تعلّم مرارًا، لا تمنح فترات الهدوء دون أن تُعقبها اختبارات جديدة.في صباح أحد الأيام، وبينما كان يراجع طلبات التمويل للبرنامج الموسّع، دخلت سلمى مكتبه بوجه جاد غير معتاد. قالت وهي تضع هاتفها على الطاولة: "سامر، هناك شيء عليك أن تراه."كان الأمر تعليقًا نشره أحد الحسابات المجهولة على منشور الصحيفة القديم الذي كتبته عنه، يفتح فيه "قصة سامر الحقيقية" بتفاصيل مشوّهة عن ماضيه في المقامرة، محاولاً تصويره كمحتال يستغل قصة تعافيه لجمع التبرعات والتمويل لمصلحته الشخصية. لم يكن التعليق يحمل أي دليل حقيقي، لكنه بدأ ينتشر بسرعة بين بعض المتابعين المتشككين.شعر سامر بموجة من القلق القديم تعود إليه، ذلك الخوف من أن يُنظر إليه دائمًا من خلال أخطائه الماضية بغض النظر عن كل ما بناه بعدها. سأل بصوت متوتر: "من يقف خلف هذا؟"بحثت سلمى بسرعة، وتمكنت بعد يومين من تتبع الحساب، ليتفاجأ سامر أن مصدره غير متوقع تمامًا: "رامي"، ز
مرّ أسبوع كامل منذ لقاء سامر بعمر في ذلك المقهى، أسبوع قضاه يتنقل بين اجتماعات مع الجمعية المتخصصة بإعادة تأهيل الشباب، ومحاولات حذرة للتواصل مع أخي عمر دون أن يشعر أحد بالتهديد. كان يعرف أن أي خطوة متسرعة قد تُغلق كل الأبواب المفتوحة حاليًا، فتعامل مع الملف بحذر شديد الشبه بحذر جراح يحاول استخراج شوكة عميقة دون أن يسبب نزيفًا أكبر.في أحد الأيام، طلبت منه سلمى أن يقابل "أستاذ ياسين"، مستشارًا اجتماعيًا يعمل مع الجمعية منذ سنوات، وله خبرة طويلة في التعامل مع حالات مشابهة لحالة أخ عمر. جلس الثلاثة في مكتب صغير متواضع، وشرح سامر الوضع بالتفصيل الذي يعرفه، محاولاً ألا يفشي أي معلومة قد تعرّض عمر أو أخاه لخطر إضافي.استمع ياسين بانتباه، ثم قال: "هذه ليست حالة نادرة، للأسف. غالبًا من يُدخلون في هذه الشبكات ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، بل ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. المفتاح ليس مواجهة الأخ الأكبر مباشرة، بل تقديم بديل حقيقي وملموس له، لا مجرد نصيحة أو تحذير."سأله سامر: "بديل من أي نوع؟"أوضح ياسين: "فرصة عمل حقيقية، أو دعم مادي مؤقت يخفف الضغط الذي يدفعه للبقاء في هذا الطريق. المواجهة
بعد أسبوعين من انطلاق برنامج "من الرماد إلى النور" بشكله الجديد، بدأ سامر يشعر بثقل غير متوقع: النجاح نفسه أصبح عبئًا. الطلبات على الانضمام إلى الورشة تضاعفت بعد أن نشرت إحدى الصحف المحلية تقريرًا صغيرًا عن قصته، وبدأ يتلقى رسائل من أهالي شباب يائسين، ومن مؤسسات تطلب التعاون، ومن أشخاص يطلبون منه استشارات فردية لم يكن مستعدًا لتقديمها بمفرده.جلس في مكتبه الصغير الجديد في المركز الثقافي، محاطًا بأكوام من الطلبات والرسائل، وشعر لأول مرة منذ أشهر بذلك القلق القديم يتسلل إليه من جديد، ليس قلق الإدمان هذه المرة، بل قلق آخر: "ماذا لو لم أكن كافيًا لكل هذا؟ ماذا لو خذلت شخصًا يعتمد عليّ الآن كما اعتمدت أنا على ليان وفراس؟"دخل فراس إلى المكتب في تلك اللحظة، ولاحظ التعب على وجه سامر فورًا. سأله: "ما الخطب؟ تبدو كمن يحمل جبلاً على كتفيه."أشار سامر إلى الأكوام أمامه، وقال بإحباط: "لم أكن أتوقع أن ينتشر الأمر بهذه السرعة. أشعر أنني بدأت شيئًا لا أعرف كيف أديره بشكل صحيح. ماذا لو فشلت في مساعدة كل هؤلاء الناس الذين بدأوا يعلّقون آمالهم علينا؟"جلس فراس أمامه، وقال بحزم هادئ يعرفه سامر جيدًا من
مرّ عام كامل منذ تلك الليلة التي وقف فيها سامر على حافة السطح، عام تغيّر خلاله كل شيء تقريبًا في حياته، لكنه لم يكن يشعر أبدًا أن الرحلة قد انتهت. كان يجلس في صباح أحد أيام الربيع على شرفة شقته الجديدة، الشقة الصغيرة التي استأجرها بعد أن استقر وضعه المالي أخيرًا، ينظر إلى دفتر رسمه القديم الذي أصبح الآن واحدًا من عدة دفاتر ممتلئة بلوحات مختلفة، بعضها بيع في معارض صغيرة، وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ به لنفسه.كانت ورشة الرسم التي بدأها قد نمت بشكل لم يتوقعه؛ من عشرة مقاعد فارغة إلى مجموعة ثابتة من خمسة عشر شابًا وشابة، بعضهم انضم حديثًا، وبعضهم مثل عمر أصبح الآن مساعدًا له في تنظيم الجلسات. تطورت علاقة سامر بعمر لتصبح أشبه بعلاقة أخ أكبر بأخيه الصغير، خصوصًا بعد أن ساعده سامر في العودة إلى المدرسة عبر برنامج تعليم مسائي، وشهد بفخر كبير كيف بدأ عمر يستعيد ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا.في ذلك الصباح بالذات، تلقى سامر مكالمة من مديرة المركز الثقافي، تخبره فيها أن الورشة حظيت باهتمام إحدى المؤسسات الخيرية الكبرى، التي عرضت تمويل توسيع البرنامج ليشمل عدة أحياء في المدينة، مع إمكانية أن يصبح سامر م







