بيت / الرومانسية / من هو أبي / عهد جديد ورقيب فى الظل

مشاركة

عهد جديد ورقيب فى الظل

last update تاريخ النشر: 2026-06-26 12:07:20

أشرقت شمس الصباح حاملة معها أنفاساً جديدة من الأمل المنبثق من قلب المعاناة. بدأت "تاليا" يومها بخطوة طالما انتظرتها لتؤمن جبهتها الخلفية وتغلق ثغرة الهوية التي كانت تؤرق مضجعها. أمسكت بالهاتف وتواصلت مع "علوي بيه"، وبادرت بالسؤال بنبرة يملؤها الترقب:

* "صباح الخير يا علوي بيه، أرجو أن تكون بخير. كنتَ قد وعدتني بأنك ستتصرف في موضوع أوراق الهوية والبطاقة الشخصية.. هل من أخبار جديدة؟"

أتاها صوته الدافئ الأبوي عبر الأثير ليطمئن قلبها المرتجف:

* "أهلاً بكِ يا ابنتي، كيف حالكِ وحال والدتكِ؟ لا تقلقي أبداً، الموضوع تم ترتيبه بالكامل، والبطاقة الشخصية الجديدة باسمكِ المستعار ستكون في يدكِ غداً صباحاً دون أي عائق."

تنفست الصعداء وقالت بامتنان عميق:

* "شكراً جزيلاً لك يا علوي بيه.. لقد أنقذتني."

عند خروجها من غرفتها، وجدت أن والدتها المخلصة قد أعدت وجبة الفطور مبكراً لتخفف عنها عناء الصباح. جلست تاليا معها، وتناولت بضع لقيمات، ثم نظرت في عيني أمها وقالت لها بهدوء واستعطاف:

* "أمي.. أرجوكِ، أكملي تدوين مذكراتكِ وسرد التفاصيل بدقة حتى أعود من العمل. كل حرف تكتبينه هو مفتاح لنجاتنا."

أومأت الأم برأسها موافقة بيقينها المعهود، فقامت تاليا وتجهزت، مصلحةً قناعها الداكن من المساحيق ومعدلة باروكتها بدقة لتنطلق إلى عرين عائلة الشامي.

وصلت تاليا إلى القصر اليوم قبل موعدها المحدد بفترة وجيزة، متخطيةً أزمة زحام الحافلات. لمحت الست تهاني واقفت في المطبخ، فاقتربت منها وقالت مازحة بابتسامة خفيفة لتلطيف الأجواء:

* "الست تهاني.. ها أنا ذا قد جئت مبكراً اليوم، وأعتقد أنني عوضتُ تأخير المرة السابقة تماماً!"

لم تعقب تهاني، بل أومأت بنظرة رضا صامتة. انطلقت تاليا بهمة ونشاط نحو إعداد وجبة الفطور، واللافت اليوم أنها لم تعد تستعين بالورقة والقلم، ولم تكن بحاجة لقراءة خطوات الطهي التي دونتها سابقاً؛ فقد حفظت عن ظهر قلب وبذكائها الطبي المتقد متطلبات ومذاق كل شخص في هذا القصر.

دخلت إلى قاعة الطعام الفخمة، وبدأت في إعداد السفرة وترتيب الأطباق والملاعق بنظام متناهٍ وذوق أرستقراطي عالٍ للغاية—وهو ذوقها الطبيعي الذي نشأت عليه في قصر والدها ونست دور الخادمة فيه لوهلة. وضعت اللمسات الجمالية وتأكدت من بريق الكريستال والفضيات، ثم وقفت بجانب السفرة في أدب مستعدة لتلقي طلبات العائلة أثناء تناول الإفطار.

دلفت السيدة مريم وجلست بجوار نبيل، وبجانبها الصغير "هاني"، الذي بدأ يتدلل ويتذمر كعادته أمام أطباق الطعام، رافضاً تناول فطوره مسبباً ضيقاً لوالدته. نظرت إليه تاليا من بعيد، وحين التقت عيناه بعينيها، رفعت يديها وصنعت له علامة "قلب" برقة بالغة، كأنها تحادثه بلغة الإشارة الخاصة بينهما. ابتسم الصغير باتساع وحاول تقليد حركتها بأصابعه الصغيرة، ثم اقتربت تاليا منه بخطوات خفيفة، وانحنت وهمست في أذنه بضع كلمات ساحرة، ثم تراجعت ووقفت في مكانها بهدوء.

كانت المفاجأة التي ألجمت الجميع أن هاني انقض على طبقه، وبدأ يلتهم الطعام بسرعة فائقة وأنهى كل ما فيه في غضون ثوانٍ معدودة، لدرجة أن فمه أصبح ممتلئاً تماماً عن آخره بالطعام المنفوخ في خديه. تفاجأت مريم وسعاد هانم بهذا التحول المفاجئ، وانفجر نبيل ومريم ضاحكين على منظره الطفولي الطريف. قال نبيل وهو يلتفت نحو تاليا بتعجب:

* "ترى ماذا قالت لكِ هذه الفتاة لتاكل بهذا الشكل؟ هل هذا سحر أم تعويذة؟"

ابتلع هاني الطعام بصعوبة، ثم رفع رأسه بكبرياء طفولي وقال:

* "هذا سر بيني وبينها!"

لم يكد الصغير ينهي كلمته حتى قام مسرعاً من مقعده، وتوجه نحو تاليا، وأمسك بيدها بقوة وجرها خلفه ليركض نحو الحديقة. لكن تاليا أوقفته بلطف، وانحنت لمستواه وقالت له برقة:

* "يا هاني.. ألم نتفق سابقاً أن نستأذن أولاً قبل أن نقوم بأي تصرف؟"

نظر إليها الصغير بغضب طفولي عابر، ثم التفت إلى والدته مريم وقال:

* "أمي.. سأذهب إلى الحديقة لألعب."

شد يد تاليا مجدداً لتتحرك معه، فأوقفته للمرة الثانية قائلة بابتسامة:

* "وأنا أيضاً يجب أن أستأذن من أصحاب البيت."

التفتت تاليا نحو السيدة الكبيرة سعاد هانم، وقالت بأدب جم:

* "سعاد هانم.. هل تريدون مني أي طلبات أخرى الآن؟ سأقوم بتنظيف السفرة أولاً، ثم أذهب معه لمدة نصف ساعة فقط لنلعب سوياً، إن سمحتم لي."

نظرت إليها سعاد هانم، ولمحت كيف تحول حفيدها—الذي يعد نقطة ضعف جميع من في هذا القصر والكل يعجز عن السيطرة على عناده—إلى طفل مطيع بفضل هذه الفتاة. ابتسمت سعاد هانم وأشارت لها برأسها موافقة.

طبق هاني يديه على صدره وقال بلهفة:

* "هل نذهب الآن؟"

رفعت تاليا أصابعها مشيرة بالنفي، وبابتسامة صغيرة ومازحة، قرصته بخفة على خديه الممتلئين وقالت:

* "ليس قبل أن تساعدني أولاً في جمع الأطباق وتنظيف المكان."

في تلك الأثناء، كان أفراد العائلة قد نهضوا من السفرة وتوجهوا نحو الصالون الملحق، بينما بدأ الصغير هاني ب حماس شديد يرفع الأطباق الصغيرة ويساعد تاليا في نقلها إلى المطبخ وهو يضحك. في هذه اللحظة، دخل نبيل إلى قاعة الطعام مجدداً يبحث عن غرض ما، واصطدم بتاليا دون قصد، فتراجع خطوة وقال مسرعاً:

* "أنا آسف.. هل رأيتِ هاتفي المحمول؟ أظن أنني تركته هنا."

نظرت تاليا حولها بعينها الفاحصة، ووجدت الهاتف ملقى على المقعد الذي كان يجلس عليه نبيل منذ قليل، فأشارت إليه قائلة:

* "ها هو ذا يا نبيل بيه، على المقعد."

التقط نبيل الهاتف، لكن نظره تجمد وهو يرى الحفيد المدلل "هاني" يمسك طبقاً ويذهب به نحو المطبخ بجدية واعتزاز. خرج نبيل إلى الصالون وتوجه نحو والدته ومريم، وقال ضاحكاً ومتهكماً:

* "أمي.. مريم.. عليكما القدوم لرؤية هذه المعجزة! هاني الشامي يرتب مكان الطعام بنفسه ويرفع الأطباق للمطبخ!"

لم تضحك سعاد هانم، بل اشتعل وجهها غضباً واعتبرت ذلك إهانة لكرامة العائلة الأرستقراطية. نهضت من مجلسها ونادت بصوت عالٍ وحاد تردد صداه في الممرات:

* "تاليا!"

أسرعت تاليا بالدخول إلى الصالون وعلامات الاستغراب ترتسم على وجهها، وسألت بأدب جم وثبات:

* "نعم يا سعاد هانم.. ماذا حدث؟"

حاول نبيل التدخل لتهدئة الموقف بعد أن رأى شرارات الغضب في عيني والدته وقال:

* "أمي، الأمر لا يستدعي.."

لكن سعاد قاطعته بنظرة حادة قائلة:

* "اسكت أنت تماماً يا نبيل!" ثم وجهت قذائف نظراتها إلى تاليا وقالت بقسوة:

* "ما هذا التصرف يا فتاة؟ هل تجعلين حفيد القصر يقوم بأعمالكِ الخدمية ويرفع الأطباق مقابل أن تلعبي معه؟ هل هذه هي الأمانة في العمل؟"

سيطرت تاليا على توترها الداخلي برباطة جأش طبيبة، وحافظت على ثباتها الكامل وهدوء نبرتها، وقالت باحترام شديد:

* "أنا آسفة جداً يا سعاد هانم لأن هذا هو الانطباع الذي وصلكِ من تصرفي. ولكنني في الحقيقة لم أكن أتهرب من عملي، فأنا أستطيع جمع كل أطباق السفرة دفعة واحدة بمرة واحدة، لكني تعمدت أن أطلب مساعدته لكي أغرس في نفسه سلوكيات جيدة مثل التعاون والاعتماد على النفس. وهو فعل ذلك حباً لي وطاعة وليس إجباراً. نحن نقوم معاً بالعديد من الأنشطة المفيدة في وقت فراغي؛ولن يتكرر هذا التصرف أبداً إذا كان يغضبكم."

وانحنت بخفة وانصرفت من أمامهم متوجهة إلى المطبخ لتكمل عملها بكبرياء صامت.

ساد الصمت في الصالون لثوانٍ، فالتفت نبيل إلى والدته مريم وسعاد هانم، وقال بنبرة إعجاب واضحة:

* "ماذا فعلتِ يا أمي؟ البنت تصرفها تربوي وعظيم! إنها تعلم الولد سلوكيات صحيحة أفضل من كل المربيات اللواتي أتين إلى هنا ولم يفعلن شيئاً سوى تدليله بطريقة خاطئة حتى أصبح مدللاً وعنيداً على الآخر!"

أيدته مريم على الفور وقالت بنبرة مقتنعة:

* "بالفعل يا أمي..

فكرت سعاد هانم لبرهة، ورغم كبريائها، إلا أن مصلحة حفيدها كانت الأهم. التفت نبيل ونادى بصوت مرتفع:

* "تهاني! احضري تاليا وتعالي إلى هنا فوراً."

في المطبخ، توجهت تهاني نحو تاليا بنبرة لوم ممتزجة بالخوف عليها، وقالت:

* "ماذا فعلتِ في الداخل يا تاليا؟ لقد حذرتكِ مراراً وتكراراً ألا تتدخلي فيما لا يعنيكِ وألا تثيري غضب السيدة الكبيرة!"

أجابتها تاليا بنبرة نقية وعفوية:

*.. أنا أحب الولد جداً، ولم أقصد الإساءة."

خرجت تاليا مجدداً إلى الصالون وهي تنظر في الأرض بحرج،. خطا نبيل خطوات حتى وقف أمام تاليا مباشرة، وقال بنبرة جادة ومحترمة:

* "تاليا.. من فضلكِ

رفعت تاليا عينيها البنيتين المزيفة نحوه، فأكمل نبيل قائلاً بقرار حاسم:

* "ابتداءً من اليوم، أنتِ ستتولين المسؤولية الكاملة عن رعاية هاني.. ستكونين المربّية الخاصة والمرافقة له." ثم التفت نحو الست تهاني وأردف: "تهاني.. حنان ستعود من إجازتها غداً لتساعدكِ في شؤون المطبخ والخدمة، وتاليا ستتفرغ تماماً وبشكل خاص للاهتمام بهاني وتوجيهه."

انفرجت أسارير تاليا داخلياً، لكن نبيل تابع يسألها بتمعن ونظرة فاحصة:

* "لقد لاحظتُ من أسلوبكِ ولغتكِ وطريقة حديثكِ التربوية أنكِ فتاة متعلمة.. هل أكملتِ تعليمكِ الدراسي؟"

تذكرت تاليا قناعها بسرعة، فنكست رأسها وقالت بنبرة حزينة:

* "لا يا نبيل بيه.. أنا لم أتخرج من المرحلة الثانوية، ولم أتمكن من إكمال تعليمي بسبب الظروف الصعبة التي مررنا بها بعد وفاة والدي.. لكني كنتُ متفوقة جداً وجيدة في دراستي."

أومأ نبيل برأسه وقال:

* "حسناً..

خرجت تاليا من ردهة الصالون وتوجهت نحو غرفتها لتستعد لنظام عملها الجديد، وشعور عارم بالراحة والانتصار يغمر صدرها. هذه الترقية لم تكن مجرد خطوة للأمام في طريق كسب ثقة أهل القصر، بل كانت إنقاذاً لجسدها الأرستقراطي الناعم؛ فقد شارف جهدها البدني على النفاذ، ولم تعد قادرة على تحمل مشقة وعناء أعمال الخدمة والتنظيف الشاقة في قصر عملاق وممتد مثل قصر الشامي.

ابتسمت في المرآة وهي ترى أن تنكرها كخادمة شق طريقاً جديداً لتصبح مربية، لكن عقلها ظل معلقاً بالبطاقة الشخصية التي ستصل غداً، وبالمشتبه به الأول "محسن"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • من هو أبي   الفصل الثالث والاربعون

    سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة

  • من هو أبي   الفصل الثاني والاربعون

    وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟

  • من هو أبي   الفصل الحادي والاربعون

    هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل

  • من هو أبي   الفصل الأربعون

    قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل

  • من هو أبي   الفصل التاسع والثلاثون

    نظر نبيل إلى أمه وشعر بالتوتر الساري في الأجواء، فتقدم نحوها بهدوء وقبّل يدها كعادته وسألها باهتمام مصطنع: "ماذا بكِ يا أمي؟ وجهكِ لا يبشر بالخير". رمقته بنظرة عتاب ممتزجة بالخيبة وقالت باقتضاب: "لا شيء.. مجرد تعب مفاجئ، سأصعد إلى غرفتي لأستريح".فهم نبيل من داخله على الفور أن والده قد أخبرها بكل ما رأى في الغرفة، فتنهد في صمت وصعد هو الآخر إلى غرفته. تمدد على السرير وسند رأسه إلى الخلف مغمض العينين، وفجأة ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة من أعماقه وهو يتذكر ملامح وجه تاليا المذعورة عندما وجدته يخلع قميصه بسرعة، وعينيها الواسعتين اللتين اتسعتا بذهول وهي تراه يلقي بجسده فوقها على السرير، ونظرة الدهشة العارمة الممتزجة بالغضب التي ظلت تحدق بها إليه وهو يقبلها بعنف ليخرس صوتها. رفع يده ببطء ووضعها على خده الأيسر، يتحسس أثر صفعاتها القاسية بمتعة غريبة ولذة لم يعهدها من قبل، ثم التفت جانباً وأمسك بالقميص القطني (التيشرت) الأسود الذي كانت ترتديه منذ قليل وقربّه من وجهه، وظل يستنشق رائحتها الذكية العالقة بين ثناياه بشغف أفقده صوابه.أيقظه من حلمه الجميل طرقات قوية على الباب

  • من هو أبي   الفصل الثامن والثلاثون

    ولكنه لم يردها أن تخاف من اقترابه أو تسيء فهم حمايته لها، فكبح رغبته في ضمها وتراجع خطوة إلى الخلف محاولاً تهدئتها بكلماته فقط. وعندما وصلا إلى المصعد الضيق وركبا معاً وانغلق الباب عليهما، انفرط عقد صمود تاليا تماماً؛ وبلا تفكير، ارتمت في أحضانه كالطفلة الصغيرة، وتباكت بحرقة وألم لم تعد تقوى على كتمانه.لم يشعر نبيل بنفسه إلا وهو يحتضنها بكل حب وحنان جارف، مطوقاً إياها بذراعيه ليحتويها بداخل صدره العريض ويخبئها عن العالم كله وعن كل أذى. أحست تاليا بصدق أمانه، فلفت ذراعيها حول رقبته بشدة وتشبثت به كأنها تتعلق بحبال النجاة، مما زاد من شعوره بالرغبة في ضمها أكثر فأكثر إلى ضلوعه لكي تشعر بالدفء والسكينة وتنسى تلك التجربة المريرة. استمرت اللحظة الحابسة للأنفاس حتى وصل المصعد إلى الطابق الأرضي، فانحنى نبيل وقبّل رأسها برقة بالغة، وهمس في أذنها بصوت دافئ ورخيم: "لقد وصلنا يا تاليا.. اهدي".أدركت تاليا موقعهما، فتركت رقبته ببطء ومسحت دموعها الساخنة التي أغرقت قميصه، وخرجا معاً مسرعين وركبا السيارة. وبعد فترة من الصمت المطبق قطعته أنفاسهما المتلاحقة، التفتت تاليا ونظرت إلى نبي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status