เข้าสู่ระบบدخل الجنرال كاسبار بخطوات عسكرية ثابتة، ثم انحنى : — نعم، جلالتك.
كان الإمبراطور واقفًا عند النافذة، ينظر إلى الأفق البعيد ، لم يلتفت فورًا، بل ألقى على كاسبار نظرة جانبية قصيرة، ثم رفع ذلك الشراب العشبي الذي لا يفارق يومه ، وترشّف منه ببطء قال دون أن يستدير:— تحدثتُ مع بيرون... وسألته عن رأيه فيمن يجب أن يتولى الحكم بعدي. رفع كاسبار رأسه قليلًا :— وماذا قال؟ ساد صمت قصير، ثم استدار الإمبراطور وسار نحوه ببطء: —رشّح فيليكس عقد الجنرال حاجبيه :— فيليكس؟... الصغير؟ زمّ الإمبراطور شفتيه، ثم أومأ :— نعم. فيليكس ، رغم أنني... لم أكن أضعه في الحسبان أصلًا. تحرك بخطوات بطيئة في الجناح :— لو كان بيرون يفكر بأنانية، لاختار ليوبولد ، مملكته الأكبر، والأقوى بين ممالك الإخوة. ولو كان ينتقم... لاقترح غاتس، لأنه كفيل بإفساد الإمبراطورية خلال سنوات. توقف ونظر إلى كاسبار:— لكنه اختار فيليكس... رغم صغر مملكته، وبعدها عن مركز السلطة قال كاسبار فجأة، وهو ينظر إلى البعيد كأن الفكرة تشكّلت لتوّها: — المملكة بقوة ملكها... لا بحجمها ولا بعتادها. نظر إليه الإمبراطور مباشرة بعد تلك العبارة ، فالتفت كاسبار نحوه بثبات وقال:— هذه وجهة نظر بيرون. سكت الإمبراطور قليلًا، يفكر ، قال كاسبار بعد لحظة: — ومع ذلك... أظنه لم يختر فيليكس عشوائيًا. رفع الإمبراطور بصره إليه بانتباه ، تابع الجنرال: — كاليمور... ومملكتي ليوبولد وماكسيميليان... هي الممالك الثلاث التي لم يحكمها بيرون كوصي ، أما الممالك الخمس الأخرى، فقد كان هو الوصي الأعلى عليها ، لا بد أن له سلطانًا فيها، وإن لم يكن حاكمها الآن. اقترب خطوة وأكمل:— نيكولاس... سمعت انه ما يزال يستشير بيرون في الصغيرة والكبيرة ، أما فيليكس... فهو متعلق به تعلقًا واضحًا فإن اعتلى أحدهما العرش، فسيكون بيرون أقرب الناس إلى الحكم... وبالأخص فيليكس. توقف لحظة، ثم أضاف:— أما مملكة ليوبولد... فقد يواجه فيها صعوبة في إحكام السيطرة الكاملة. ساد الصمت ، فكر الإمبراطور طويلًا، ثم قال ببطء: — أولم تقل إن القوة في الحاكم نفسه؟ لم يُجب كاسبار ، أكمل الإمبراطور: — إذًا، من وجهة نظر بيرون... لن يخاف أن يحكم أي مملكة ، أما بشأن نيكولاس وفيليكس... فربما معك حق. رفع الكأس وارتشف منه بهدوء، وعيناه غارقتان في التفكير. ثم قال فجأة:— ماذا حدث بشأن التجربة؟ تنهد كاسبار، وضم يديه خلف ظهره :— ما زالت تبوء بالفشل، جلالتك. ارتفع حاجب الإمبراطور :— ولما؟ وراح يسير في الجناح، وهو يشرب من كاسه ، وقع خطواته ثقيل. قال كاسبار:— يبدو أن التايتانور... يصعب أن تتغلب على غرائزها الحيوانية ، لا تستجيب كما توقعنا. توقف الإمبراطور، وأدار رأسه نحوه ببطء :— إذًا فلنذهب. أريد أن أرى كل شيء بنفسي. انحنى كاسبار باحترام عسكري ، وتقدم الإمبراطور بخطوات ثقيلة، يضرب وقعها الأرض ضربًا، كأن كل خطوة إعلان قرارٍ لا رجعة فيه *** اتسعت عينا ريموندا، وراح قلبها يخبط في صدرها بعنف حتى شعرت أنه سيخرج من بين أضلاعها ، هل ستُعدمها الملكة بكل هذا البرود؟ هل ستنتهي حياتها الآن... بكل هذه البساطة؟ وماذا عن العقد الذي كان الملك يتحدث عنه؟ جاء صوت الملكة متعاليًا يخترق الساحة:— أنتِ؟ انتفض جسد ريموندا:— ن... نعم، جلالتك. — انظري أمامك. رفعت ريموندا رأسها ببطء، وقلبها يرتجف ، رأت الجنود يدخلون بالخادمات... أولئك اللواتي شاركتهن الطبخ في المطبخ، وضحكن معها، وتحدثن عن أشياء بسيطة كأحلام صغيرة لا تؤذي أحدًا. ضيّقت عينيها بشك وخوف ، اصطفت الخادمات في صف واحد، رؤوسهن منكسرة إلى الأرض ، قالت الملكة ببرود قاتل: — لقد رأين ما لا يجب أن يُرى ، لذا وجب الإعدام في حقهن. اتسعت عينا ريموندا، وراحت تهز رأسها نافية، بينما نظرات الملكة القاسية كانت تمسح وجوه الخادمات بلا رحمة:— يا جنود... علّقوا المشانق. صرخت إحدى الخادمات، واندفعت تمسك برجلي الملكة: — أرجوكِ ارحميني يا جلالتك! أنا لم أرتكب خطأ! قالت الملكة دون أن تخفض بصرها لتنظر إليها:— نعم... لم تخطئي. ثم التفتت ببطء نحو ريموندا، ونظرت إليها بثبات جليدي: — تعاقَبين على خطأ شخصٍ آخر. اتسعت عينا ريموندا، وامتلأتا بالدموع : لتقول الملكة للجندي ببرود مثلج :— خذها عني. اقترب الجندي، وأخذ يجرّ الخادمة التي كانت تتوسل وهي تصرخ:— أرجوكِ يا جلالتك! لدي طفل أعوله! ارحميني! أرجوك! أما الأخريات، فبقين ورؤوسهن إلى الأرض، يبكين بصمت ممزق بين الظلم والخوف ، تحركت ريموندا فجأة، واندفعت إلى الأمام، ثم سقطت على ركبتيها أمام الملكة :— أرجوكِ أيتها الملكة... اعفي عنهن! رفعت يديها، ضامّةً إياهما برجاء مرتجف :— أرجوكِ... لا تعاقبيهن على ذنبٍ لم يرتكبنه ، أرجوكِ... أنا... أنا آسفة لأنني لم أتعلم الأصول أعدكِ... سأكون كما تريدين... ولكن... لا تجعلي حياتهن رخيصة هكذا! ثم حنت رأسها باكية، وصوتها يرتجف:— لماذا حياتهن رخيصة؟ فقط لأنهن من العامة؟ هل يجب دائمًا أن يدفع الضعفاء ثمن أخطاء الآخرين؟ لكن الملكة ظلت واقفة، رأسها مرفوع، لا يرفّ لها جفن ، أمسكت ريموندا برجلي الملكة تتوسل:— لو سمحتِ... اعفي عنهن هذه المرة. لا... لا تجعليني أعيش مع هذا الذنب. لا تستضعفيهن لأنهن ضعيفات... أرجوكِ! جاء صوت الملكة خاليًا من أي رحمة:— لا يمكن مسامحتهن. لقد خاطرتِ بجعلهن يرين ذلك الختم أنتِ تجهلين عاقبة أفعالك... لذا يجب أن تريها بنفسك. ثم أغمضت عينيها إشارةً للحرس وما هي إلا دقائق...حتى عُلِّقت الخادمات على المشانق ، أرجلهن تتأرجح في الهواء. صرخت ريموندا صرخة اخترقت الساحة، وهي تبكي بحرقة. نظرت إليها الملكة بنظرة دونية، ثم استدارت بقوة، ومضت وخلفها حاشيتها، كأن شيئًا لم يحدث. أما ريموندا... فانهارت على الأرض، تضرب صدرها بقبضتها. — لما... لما يا إلهي... لمااااا! راحت تبكي بحرقة وهي تنظر إلى الأجساد المعلقة، أرجلُهن التي كانت تتأرجح... وقد بدأت تتباطأ ثم توقفت ...وبقين معلقات في الهواء، رؤوسهن مائلة، والحبال مشدودة حول أعناقهن ، والصمت... كان أثقل من الموت نفسه ** دخل الإمبراطور والجنرال عبر النفق الحجري الممتد تحت القلعة، ذلك الممر الضيق الرطب الذي لا تصله الشمس، ولا يسمع فيه سوى وقع الأقدام وصدى أنفاس ثقيلة كان سجن "سوو" تحت الأرض. سارا بصمت حتى وصلا إلى البوابة الحديدية، حيث كان الجنود مصطفّين في انتظارهم. وما إن فُتحت الأبواب حتى اندفعت رائحة كريهة، كثيفة، خانقة... كأن العفن نفسه يتنفس في المكان. عبس الإمبراطور، وجعد أنفه تأثرًا بالرائحة، لكنه لم يتراجع. دخلا أكثر وقفا فوق حافة حفرة واسعة في الأرض، أُغلقت أعلاها بقضبان حديدية سميكة. اقترب الإمبراطور خطوة، ونظر إلى الأسفل. رأى رأس امرأة... مفصولًا عن جسدها فمها مفتوح، كأنها ما زالت تصرخ عيناها جامدتان، شاخصتان نحو الفراغ... توحيان بالجحيم الذي رأته قبل موتها. وبالقرب منها، جثة أخرى لامرأة ممزقة تمزيقًا. أطراف مبتورة. لحم ممزق. آثار أنياب واضحة، بقي الإمبراطور يتأمل المشهد بصمت. قال الجنرال، واقفًا خلفه بخطوة واحدة:— رغم الجهود المبذولة... إلا أن التايتانور لا ترى في البشر سوى طعام ، لا تميل للتكاثر معهم أي امرأة نقدمها لهم... ليست إلا وجبة. تنهد الإمبراطور ببطء ثم تقدم إلى حفرة أخرى ، نظر إلى الأسفل، فرأى جثث رجال هذه المرة. ممزقين بالطريقة ذاتها، بلا اختلاف. قال الجنرال من خلفه: — والأمر نفسه ينطبق ، إناث التايتانور لا تجد في ذكور البشر سوى طعام. فكرة التكاثر... شبه مستحيلة. ساد الصمت عقد الإمبراطور يديه خلف ظهره، وحدق في الظلام أسفل القضبان :— سمعتُ بوجود هجن تردد الجنرال قليلًا قبل أن يجيب:— ربما... هناك نوع مخصص من التايتانور ، لكن الذين اصطدناهم... لا يرون البشر سوى طعام. هز الإمبراطور رأسه ببطء، وكأن الفكرة لم تغادره بعد ، ثم استدار وخرج من السجن دون أن يقول كلمة أخرى، تاركًا خلفه الرائحة، والظلام، والجثث... والأسئلة التي لم تُجب بعد ** دخلت ريموندا غرفتها وهي تتعثر في خطواتها، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها كانت الدموع قد جفّت في عينيها، لكن النظرة بقيت... زجاجية، شاردة، تنظر إلى البعيد كأنها لم تعد ترى ما أمامها. جلست على السرير بصمت وفجأة... عادت المشاهد ، المشانق الأرجل المتأرجحة الصراخ ، اهتز جسدها، وهزّت رأسها بقوة كأنها تحاول طرد الصور من داخلها، لكنها كانت تضربها من الداخل، تتكرر... مرارًا ومرارًا :— لا... لا... أخذت تهز رأسها وتصرخ، ثم أغلقت أذنيها بكلتا يديها، كأنها تريد إيقاف الأصوات التي لا يسمعها سواها ، لكن المشهد لم يتوقف اختلطت الصورة...صورة الشنق... بمشهد طعنها القديم... ذاك الذي كان من المفترض أنها نسيته. ارتجف جسدها، وانفجرت باكية التقطت الوسادة وغطت أذنيها بها، تضغط عليها بقوة، تبكي حتى جفّ ما تبقى من دموعها. ثم، بعد أن بعثرت ريش الوسادة في أرجاء الغرفة، سقطت على السرير منهكة، تحدق في السقف بلا وعي... في الفراغ. سمعت وقع خطواته في الغرفة لكنهـا لم تلتفت جلس على الكرسي بهدوء، وراح ينظر إليها بصمت نظر إلى الفوضى المنتشرة حوله... الريش المتناثر، الغطاء الملقى، آثار الانهيار. لم يعلّق قال بصوت هادئ:— أتتأكدين لي من العلاج... أم آتي لأتأكد بنفسي؟ لم يصل رد تنهد بخفة، ثم أخرج من جيبه ساعته الدائرية، فتحها، ونظر إليها :— لديكِ عشر دقائق ،تأكدي... وإلا أتيت وتأكدت بنفسي. الصمت نظر إليها طويلًا...ثم أخرج كتابه، واتكأ على الكرسي، وبدأ يقرأ بصمت. مرّت عشر دقائق كاملة أغلق الكتاب ببطء، وتنهد :— إنا أخبرتكِ... نهض، واقترب منها مدّ يده ولفّها برفق من كتفها... ليجدها نائمة توقف ، تأملها بهدوء ، كان أنفها ما يزال محمرًا من أثر البكاء، ورموشها متيبسة بآثار الدموع الجافة ، بدت صغيرة... أضعف مما أرادت أن تظهر. أبعد يده ببطء لوّح بأصابعه، فتحرك الغطاء من تلقاء نفسه، وانزلق فوق جسدها ليغطيها بقي ينظر إليها لحظة أطول ثم استدار خرج من الغرفة...وأغلق الباب برفق ** كان الملوك السبعة، ومعهم ثامنهم الأمير بيرون، في رحلة صيد في الغابة ، رفع ألكسندر سلاحه وهو يمتطي حصانه، أغمض إحدى عينيه، وأطلق مباشرة ، سقط الطائر من السماء. ضحك أوغست قائلاً:— ليس سيئا راقب هذا. رفع سلاحه، يتجهز للتصويب ام غاتس فكان يتثاءب بضجر، يراقبهم دون أن يشارك ، واضح أن الأمر لا يعنيه. انطلقت رصاصة أوغست... لكن قبل أن تصيب الطائر، سبقتها رصاصة أخرى ، رصاصة بيرون وسقط الطائر. ضحك بيرون، واضعًا كفه على جبينه كمن يحجب الشمس عن عينيه، ينظر إلى حيث صوب، وقال ساخرًا:— يا إلهي... ذلك الطائر البريء. التفت الإخوة جميعًا نحوه، ونظرة الغضب تشتعل في أعينهم باستثناء غاتس، الذي ظل ينظر بملل، وفيليكس الذي بالكاد انزعج من فعل أخيه. قال ليوبولد وهو يعتدل فوق حصانه، ممسكًا بحبله: — ماذا تفعل يا بيرون؟ عقد ماكسيميليان حاجبيه واوغست قال : — ألم تجد طائرًا غيره؟ ضحك بيرون بخفة: — لماذا أنتم مستاؤون هكذا أيها الإخوة الأعزاء؟ علق سلاحه على كتفه وتابع بهدوء:— إنه مجرد طائر في السماء. لا أحد ختم على جناحيه على يد من سوف يموت. ثم نظر إلى الطائر الساقط وقال:— ولا أظنه يتلهف للموت على يد أحدنا ، أظنه... كان فقط يطير في السماء الواسعة. نظر إليه أوغست بضيق:— بم تهذي يا بيرون؟ وقبل أن يتفاقم الأمر، قال فيليكس بسرعة:— أظن أن الأمر لا يستحق... التفتت إليه جميع الأنظار، فارتبك وقال بصوت منخفض: — إنه... مجرد طائر. ليقول ماكسيميليان بحدة:— أنت اسكت يا فيليكس. أغمض فيليكس عينيه من وقع الصوت. تدخل نيكولاس قائلاً:— لنتوقف عن هذا ، لدي فكرة قد تجعل الرحلة أكثر متعة. نظروا إليه جميعًا فاخذ يطرح فكرته قائلاً :— لنفترق في الغابة، نضبط مؤقتًا لخمسة عشر دقيقة، ثم نعود إلى هذه النقطة ، لنرَ من هو الصياد الأقوى. ليوبولد:— فكرة جيدة. أوغست:— حسنًا، موافق. وافق الجميع... باستثناء غاتس، الذي ظل يتثاءب بملل. أخرجوا ساعاتهم، وضبطوها في اللحظة نفسها، ثم افترقوا في الغابة. .... كان غاتس يتذمر وهو يمتطي حصانه:— صيد الطيور والأرانب ليس من اختصاصي... أنا مختص فقط في صيد النساء. تبا... يبدو انني سأعود إلى مملكتي غدًا. أما أوغست، فكان يتجول يجر حصانه، سلاحه على كتفه. ليوبولد شعر بحركة، فقبض على سلاحه ووجهه نحو مصدر الصوت. نيكولاس والبقية يتجولون كلٌ في اتجاه ، ام فيليكس ، نزل من حصانه، ممسكًا بسلاحه، يبحث عن فريسة وفجاة...شعر بحركة خلفه. استدار بسرعة—لكن قبل أن يستوعب، قفز عليه كائن كان جسده شبيهًا بالبشر... لكن أنيابه حادة، وأعلى أذنيه مدبب، وعيناه تلمعان بشراسة. كان فوقه، يزأر في وجهه ، رفع فيليكس سلاحه حاجزًا بينه وبين الوحش، يمنعه من الوصول إلى وجهه ، والوحش يزمجر في وجهه ، ، أغمض عينيه، من صوت الزمجرة، بينما الوحش يحدق فيه، أنفاسه عالية، ساخنة، كأنه يوشك على التهامه. وفجأة— ألقى فيليكس سلاحه بعيدًا وفرد ذراعيه:— كلني. زمجر الوحش في وجهه مرة اخرى ضحك فيليكس:— ما عدت طفلًا يا بيرون. زمجر الوحش مجددًا لكن فيليكس ظل يضحك، غير آبه ثم ضحك بيرون وتحوّل تدريجيًا إلى هيئته الطبيعية ، تمدد بجانب فيليكس على العشب، وكلاهما يضحك. ة بيرون:— كنت تخاف كثيرًا حقًا الحياة تغيرت... أصبح الأطفال عفاريت. ابتسم فيليكس ونظر إليه:— ولماذا سأخاف؟ ثم جلس قليلًا وقال:— أخي؟ — نعم؟ — قال بيرون وهو ينظر إلى السماء. — أي نوع من القدرات تستعمل؟ قرأت عن الكثير من قدرات نيفاريم... لكن هذه؟ ظل بيرون ينظر إلى السماء، ولم يجب ليقول فيليكس متسائلا : — هل هي قدرة أوهام؟ جلس بيرون فجأة وقال:— انظر ماذا لدي أولًا. — ماذا؟ نهض بيرون، اختفى لحظة بين الأشجار، ثم عاد بكيس الصيد ممتلئًا بالطيور والأرانب. قال:— لم يتبقَّ سوى دقيقتين ، ألا تريد ابهار إخوتك؟ نظر فيليكس إلى الكيس بدهشة:— وماذا عنك؟ رفع بيرون طائرًا واحدًا فقط وقال:— سأخبرهم أن الحظ لم يحالفني. — لما؟ زمّ بيرون شفتيه، ورفع كتفيه بلا مبالاة:— لأنني لا اسعى الى إبهارهم. ابتسم فيليكس ، ثم اتجها معًا نحو نقطة اللقاء ** جلست ريموندا على السرير، وجهها شاحب كأن الدم هجره، تنظر إلى البعيد بلا تركيز اقتحمت فيونا الجناح دون استئذان، ووقفت أمامها:— قالت الخادمات إنكِ مضربة عن الطعام؟ لم ترد ريموندا ، بقيت تحدق في الفراغ، كأن الكلمات لا تصل إليها ، لتتابع فيونا بحدّة:— هذا الإضراب لن يفيدك. يجب عليكِ تعلم السلوك الصحيح ، ثم إن غدًا هو الحفل. انظري إلى شفاهك الجافة ووجهك الشاحب... هذا ليس وجه ملكة. ظلت توبخ وتتحدث، لكن ريموندا لم تنطق بحرف وأخيرًا، خرجت فيونا متذمرة، تاركة الباب خلفها يُغلق بحدة خفيفة سارت في الممر وهي تتمتم بضيق، ثم اتجهت إلى جناح الملك. — هل الملك في الداخل؟ — نعم، سيدتي. — أخبره أنني أريد لقاءه. انحنى الحارس، دخل، ثم عاد بإذن الدخول. دخلت فيونا، وانحنت براسها :— جلالتك. أشار بعينيه المغمضتين قليلًا، مانحًا الإذن بالكلام ، كان جالسًا خلف مكتبه، يكتب على مخطوطة بتركيز. قالت بتردد:— في الحقيقة... رفع رأسه. — تلك الفتاة... أعني الملكة. لديها يومان مضربة عن الطعام. أخشى عليها. ورغم إصراري... هي عنيدة. اتكأ إيلادور على الكرسي: — لما؟ ترددت فيونا قليلًا، ثم قالت:— الملكة العليا حكمت على الخادمات اللاتي رأين الختم بالإعدام. ويبدو أنها مستاءة من ذلك. سكت إيلادور، يفكر لحظة :ثم قال بهدوء:— حسنًا. تفضلي. استاذنت بادب وخرجت ، تنهد إيلادور، وأغلق مخطوطته، ثم نهض واتجه إلى جناح ريمونداطرق الباب بخفة، ثم دخل. كانت كما تركتها السيدة فيونا...جالسة على السرير، شفاه جافة، عيناها محاطتان بسواد الإرهاق، تنظر إلى البعيد لم تلتفت إليه أغلق الباب، ووقف أمامها، ضامًا يديه خلف ظهره تنهد : — هذا لن يفيد. هذا الإضراب... لم ترد ، التفت جانبًا وزفر بضيق :— أنتِ السبب. أنتِ من عرض الختم لأنظارهن ماذا كان يخطر ببالك؟ رفعت بصرها إليه ببطء الهالات الداكنة تحت عينيها، والغضب يتدفق من نظرتها ظل ينظر إليها ببرود وقفت فجأة لكنه لم يتغير اقتربت خطوة، وامتلأت عيناها بالدموع : — فهمت أنني أخطأت... وهذا عقابي ، عقابي ...أن أرى أناسًا لا ذنب لهم يُعدَمون. ابتلعت ريقها، وارتجفت شفاهها:— لكن... ما ذنبهن؟ ما ذنب ذلك الطفل الذي كانت أمه تتوسل الملكة؟ سيغدو بلا أسرة. لِمَ... لِمَ أنتم النبلاء تظنون أن حياة العامة جزء من ممتلكاتكم؟ لما؟ هل ذنبنا أننا خُلقنا خارج قلعة كبيرة؟ هل ذنبنا أننا... ضعفاء؟ لِمَ؟ قل لي! ظل ينظر إليها ببرود قاتل ثم قال:— كفي عن قول "نحن". أنتِ الآن لستِ منهم. خفضت رأسها فاردف هو قائلا:— فلا يغيب عن بالك. كل هذا لا يعنيك ولا يفيدك. هذه المملكة، هذه الخادمة، هذا العالم... مجرد عالم مؤقت لديكِ فيه مهمة معينة تؤدينها، ثم تنتقلين منه. رفعت رأسها بنظرات حادة .: — ليس كأن لدي انتقالًا. أليست مهمتي أن أموت؟ زفر، والتفت جانبًا ،قالت بمرارة:— إذًا ما هي تلك المهمة التي تتحدث عنها؟ رد بهدوء:— نعم ، مهمتك أن تموتي لكن ليس عبثًا ، ليس كالأمر السابق سيمكنك من الانتقام ممن قتلك ومن توديع عائلتك بشكل لائق.ومن تأمين حياة أفضل لأخيك. أغمضت عينيها، واندفعت الدموع:— لماذا... لماذا... بدأت رؤيتها تتشوش ثم سقطت فاقدة الوعي التقطها قبل أن ترتطم بالأرض، وضمها إلى صدره حملها، ووضعها برفق على السرير وقف يتأملها لحظة تنهد :— أيتها الخادمات. دخلت خادمة مسرعة، منحنية الرأس:— أحضري طعامًا. — حسنًا، جلالتك. خرجت مسرعة ، نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت خافت، أقرب إلى نفسه:— يا لكِ من عنيدة... لماذا تفعلين ما لا تقوين عليه؟ ** تبادل الإخوة النظرات كان فيليكس واقفًا يحمل صيدًا يستحيل صيده في مثل ذلك الوقت... بينما بيرون، الهدّاف البارع الذي لا يخطئ، عاد وفي يده طائر واحد فقط. قال ألكسندر ساخرًا: — كنت تسابق الآخرين في أهدافهم... وهذا ما عدتَ به؟ ابتسم بيرون ابتسامة هادئة:— للأسف، ظننت الأمر سهلًا يا إخوتي. ابتسم ألكسندر، و التفت إلى فيليكس قائلًا:— أحسنت يا فيليكس. أما ماكسيميليان فظل يراقب بصمت، نظراته تنتقل بين الكيس الممتلئ الذي يحمله فيليكس والطائر الوحيد في يد بيرون. قال ليوبولد ببرود: — هل هذه مزحة يا بيرون؟ رمش بيرون مدعيًا التعجب.— ماذا تعني؟ ليوبولد:— أقنعني أن هذا صيدك... وهذا صيد فيليكس صاحب السادسة عشرة. نظر بيرون إلى فيليكس، الذي خفض رأسه بارتباك ابتسم بيرون بخفوت، ثم التفت إلى ليوبولد، ناظرًا في عينيه مباشرة:— كيف تريدني أن أقنعك يا أخي الكبير؟ ثم أضاف بهدوء:— لكن كما تعلم... من غير المنطقي أن أكذب لأجل أمرٍ غير مهم كهذا ألا يبدو ذلك غير منطقي؟ ألا توافقني؟ ساد الصمت ليوبولد لم يجب ، فقال غاتس بضجر: — فلنعد إلى القصر يا رجال. ولفّ حصانه دون انتظار، عائدًا تبعه البقية واحدًا تلو الآخر، متجهين إلى القصر، وكلٌّ يحمل أفكاره الخاصة. في الجهة الأخرى من القصر... كانت الأميرة جوليان تسير في الممر بخطوات سريعة، الغضب واضح على ملامحها وخلفها مريانا تحاول اللحاق بها. — أيتها الأميرة، على مهلك ، لما أنتِ منزعجة إلى هذا الحد؟ توقفت جوليان فجأة في منتصف الطريق، واستدارت نحو مريانا التي ضمّت يديها بهدوء. قالت جوليان بضيق: — انظري يا مريانا... مهما حاولت، أفشل في إتقان قدرات نيفاريم هذا مزعج! عقدت يديها أمام صدرها ، ابتسمت مريانا بخفوت، ووضعت يدها على كتفها:— الأمر لا يحتاج كل هذا الضيق. لكن جوليان أشاحت بوجهها بانزعاج، لا تريد سماع المواساة. لتقول مريانا بلطف:— لما لا تطلبين من عمكِ بيرون أن يساعدك؟ أعني... هو متفنن. زمّت جوليان شفتيها بتفكير:— معك حق... ولمَ لا؟ و ابتسمت:— هيا، لنذهب إليه! ارتسمت ملامح السعاده على وجه مريانا:— هيا! ولحقت بها ، لكن جوليان توقفت مجددًا:— لكن الملوك جميعهم في رحلة الصيد... عقدت حاجبيها بيأس :— ووقت الدرس اقترب. عقدت مريانا حاجبيها هي الأخرى، بخيبة واضحة... فقد كانت ترغب برؤية الأمير بيرون أيضًا وفجأة— دوّى صوت منادٍ في أرجاء القصر، يعلن عودة الملوك من رحلة الصيد. انتفضت مريانا بسعادة:— سمعتِ؟ ابتسمت جوليان:— هيا! فلنذهب لاستقبالهم. أسرعتا في الاتجاه المؤدي إلى الساحة، ووقفتا في طرف الممر، تنتظران وصولهم... وقلوبهما تخفق لأسباب مختلفة تمامًاكأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا
اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان
عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه
جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو