แชร์

اختيار صعب

ผู้เขียน: FARAHA HALAwLAw
last update วันที่เผยแพร่: 2026-08-22 04:11:51

طار السيف عاليًا، يلمع تحت ضوء الشمس، قبل أن يسقط على العشب بصوت مكتوم ، تراجع بيرون خطوة واحدة، بينما كان الجنرال كاسبار يشير بطرف سيفه إلى وجهه دون تردد.

تلاقَت نظراتهما ثم فجأة، ألقى بيرون بنفسه أرضًا، ممددًا جسده على العشب، باسطًا ذراعيه كأنه يستسلم للسماء لا لخصمه. راح النسيم يعبث بخصلات شعره، وكأن الموقف لا يعنيه.

تنهد الجنرال ببطء، ثم أعاد سيفه إلى غمده. تحركت سترته الطويلة مع الريح وهو يقول بلهجة جافة:— أصبحت لا تجد  في التدريبات، أيها الأمير بيرون.

زفر بيرون دون أن ينهض : — ومن يهتم؟

ثم ضحك ساخرًا، وأردف:— ولماذا عليّ أن أتدرب أساسًا؟

جلس، مستندًا إلى يديه، وقال بنبرة مسترخية لكنها حادة:— أنا أتدرب فقط لأملأ شعور النقص لدى البعض.

ظل كاسبار ينظر إليه ببرود : — أنت تعرف وظيفتك جيدًا، أيها الأمير.

زمّ بيرون شفتيه ورفع كتفيه بلا مبالاة:

— أظن... حارس العرش؟

— أو... البديل المؤقت؟

رفع الجنرال أحد حاجبيه، ثم جلس إلى جانبه على العشب.

— إن لم تعرف دورك، فلن يخبرك أحد

ضحك بيرون بخفة، لكن عينيه لم تضحكا: — وأنا أيضًا لا أعرف، أيها الجنرال ، أجهل موقعي تمامًا ، هل أنا بمثابة جليسة؟ أو مرضعة؟ مهما قدمت للطفل... سيبقى الطفل  ابن الام الحقيقية ومهما قدمت للعرش... سيعود دائمًا إلى "أسياده".

مال قليلًا، وصوته يكتسب عمقًا أخفاه خلف السخرية:

— أتعرف كم مملكة حرستُ؟ خمس من أصل ثمانٍ.

قدتُهم حتى أصبحوا أهلًا للحكم ، وإن حدثت مشكلة... أعود أنا لحلّها أقود الجيوش في المعارك.

ابتسم، ثم نظر إلى كاسبار مباشرة:— فما حاجة هذه التدريبات الشكلية؟

ساد صمت قصير ثم قال الجنرال وهو ينظر أمامه:— عليك أن تعرف كيف تستغل الوضع أظنك صبرت طويلًا.

تصلبت ملامح بيرون قليلًا، دون أن يتكلم ، أكمل كاسبار:— الإمبراطور يعرف أن أبناءه ليسوا أهلًا لحكم كاليمور ، سلّمهم الممالك التابعة لتمتد سلطته... لا أكثر ، لكنه لن يسلّم عرش الإمبراطورية إليهم.

ثم التفت إليه ببطء:— هو يعرف أنك الوحيد القادر.

ابتسم بيرون بسخرية وهز رأسه: — بحكم قدرتهم؟

لو كان الأمر بيده، لما سلّمهم حتى مفاتيح غرفهم ، لكنه يريد امتداد اسمه... وهم أبناؤه شرعًا.

سكت الجنرال لحظة، ثم قال بهدوء:— ربما... لم يكتب الوصية بعد.

التفت إليه بيرون ، تبادل الرجلان نظرة طويلة، ثقيلة ، قال كاسبار بصوت منخفض:— ماذا لو مات الإمبراطور فجأة؟ ماذا... سيحدث حينها؟

ضحك بيرون، واعتدل في جلسته، ثم هز رأسه نافيًا:— أظنني أحبه ، لا أريد له الموت إطلاقًا.

نظر إليه الجنرال بصمت ثم ابتسم ابتسامة خفيفة...

ابتسامة لا يُعرف إن كانت فهمًا... أم تحذيرًا

**

في حديقة القصر الفاخر، وتحت شمسٍ صباحية هادئة، جلس الملك إيدور إلى الطاولة الحجرية المزخرفة، يحتسي قهوته بصمت. كان الفنجان بين يديه، وعيناه معلقتان بسائله الداكن كأنهما تبحثان فيه عن إجابة.

إلى جواره جلست الملكة العُليا، وملامحها مشدودة.

قالت بحدة مكبوتة:— نحن في وضعٍ سيئ... مثير للشفقة.

لم يجب اكتفى بخفض رأسه، يهز الفنجان ببطء، في حركةٍ توحي بثقل التفكير ، تابعت بصوت أكثر صلابة: — نحن الآن تحت رحمة أولئك الكاليمور... الذين قضوا كليًا على قبيلة الدرانوس. نعيش تحت ظلهم، نتمسك بأملٍ كخيطٍ واهٍ... بدل أن ننتقم ونعود إلى الصدارة.

تنهد ايلادور  بصمت، ووضع الفنجان على الطاولة دون أن يرفع نظره ، استرسلت الملكة:— وتلك الفلاحة التي أتيت بها...

رفع رأسه أخيرًا، ونظر إليها: —لن تستطيع إقناع أحد أنها من أصولٍ ملكية. ناهيك عن انها أميرة، او  وريثة العرش. بل إنها تفشل حتى في التصرف كإنسانة... تتصرف ككائنٍ لم يتعلم بعد معنى التحضر.

تصلب فكه، لكنه لم يقاطعها : — سنصبح أضحوكة إن رآها الناس ونحن نزعم أنها آخر ورثة الكتاب... وأننا قادرون على فتحه وماذا لو علمت كاليمور؟

أغمض عينيه لحظة، وكأن الكلمات أصابت موضعًا حساسًا في صدره : — عندها لن يترددوا لحظة في الهجوم.

نهض فجأة ، ضم يديه خلف ظهره، ورفع رأسه بوقارٍ ملكي لا يقبل الجدل قال بهدوءٍ صارم:— علميها أنتِ شخصيًا، أيتها الملكة.

عقدت حاجبيها بدهشة ، تابع بنبرة قاطعة:— أريها العقاب والجزاء. فلتتعلم حدودها ، إن لم تخف... فلن تتأدب.

ثم أضاف دون أن ينظر إليها:

— عن إذنك. لدي ما يشغلني.

أومأت برأسها ببطء ، استدار الملك إيدور، وغادر الحديقة بخطوات قوية، تتقدمها هيبته... ويلاحقه صمتٌ أثقل من أي كلمة

***

كان بيرون مستلقيًا على سريره، يتوسد كفّه بإهمال، بينما يرفع بالأخرى كتابًا فوق عينيه يطالعه بتركيز هادئ لم يدم السكون طويلًا.

فُتح باب الجناح فجأة، واندفع طفل صغير متجاوزًا اعتراض الحارس، يركض بخطوات متعثرة. التفت بيرون، وبمجرد أن رأى القادم،ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.

— عمي!

كان لوسيان، الابن الأصغر لماكسيميليان  ، في عامه الثامن، يركض نحوه وهو يلهث ،قفز فجأة فوق بطنه ، تأوّه بيرون متصنعًا الألم::— آه! أهذا هجوم أم زيارة؟

قال الطفل بسرعة وهو يلتفت خلفه:

— خبئني يا عمي، أرجوك!

جلس بيرون واضعًا الكتاب جانبًا:— وما الأمر؟ ممّن تختبئ؟

وقبل أن يجيبه، دوّى صوت غاضب في الممر:

— لوسيااااان! أين أنت؟

انتفض الصغير واختبأ خلف ظهر عمه فورًا ، رفع بيرون نظره نحو الباب، ليدخل بعد لحظات طوفانٌ من الغضب في هيئة فتاة في الثالثة عشرة، ابنة ليوبولد: الأميرة جوليان.

كانت وجنتاها متوردتين وعيناها تشتعلان وهي تقول:

— تعال إلى هنا يا لوسيان!

تشبث الصغير بثياب بيرون:— لا! لا أريد!

نهض بيرون رافعًا كفيه كمن يحاول إخماد حرب :— مهلاً، مهلاً... ما الذي حدث؟

قالت بسخرية حادة:— يتهرب من دروسه، وهو يعلم أنها مفروضة عليه!

رفع بيرون حاجبه متأملًا:— حسنًا... وأنتِ تركتِ دروسكِ لتأتي خلفه حتى يدرس؟

فتح لوسيان فمه بسرعة:— بالضبط يا عمي!

عقدت جوليان ذراعيها، وفتحت فمها ثم أغلقته دون رد.حيث لم تجد رد يشفع لها.

حاولت جذب الصغير من خلف عمه، لكن بيرون اعترضها برفق:

— وه، وه... انتظري.

ثم قال ضاحكًا:— انظر، زوجتك قلقة على مستقبلك.

تجمّدت جوليان في مكانها:— ماذا قلت يا عمي؟!

احمرّ وجهها أكثر ، ابتسم بيرون بمكر: — أليس هذا ما يقتضيه البروتوكول؟ الدم الملكي لا يُترك للصدفة، وأنتِ أصغر بنات ليوبولد، وهو لوسيان اصغر إبناء ماكسيميليان ...

قال لوسيان بسخرية طفولية:— هل سمعتِ أيتها الزوجة غير المطيعة؟

شهقت جوليان ورفعت طرف فستانها وهي تلاحقه، يدوران حول بيرون الذي أخذ يلتفت بينهما ضاحكًا:— توقفا أيها الشقيان!

في تلك اللحظة دخل الحارس وانحنى :— صاحب الجلالة يطلب سموّكم.

أومأ بيرون برأسه، ثم أمسك بمعصم جوليان بلطف، وبالآخر قبض على لوسيان ، قال للصغير بنبرة أكثر جدية:

— لوسيان، الملوك لا يتهربون من الدراسة ، تلك أفعال العامة كن منضبطًا.

زمّ الصغير شفتيه ونظر جانبًا بتذمر ، ضحكت جوليان بانتصار، لكن بيرون التفت إليها فورًا:— وأنتِ يا جولياني اللطيفة، لا تلاحقي الآخرين حتى تنسي ما يخصك.

قطبت حاجبيها، بينما ضحك لوسيان مشيرًا إليها. كادت تضربه، لكن بيرون قال بسرعة:— لا معارك في جناح العم.

تنفست بعمق، ثم خرجا أخيرًا وما إن خطا بيرون خارج الجناح خلفهما، حتى انتفضت فتاة كانت تنتظر قرب الجدار ،ماريانا، ابنة الجنرال كاسبار.

خفضت رأسها بسرعة، وقد احمرّ خداها ، كانت ذات شعر أحمر يميل إلى النحاسي، وبشرة قمحية تتناثر عليها النمشات، وعينين خضراوين لامعتين جميلة ومؤدبة في آنٍ واحد، والصديقة الأقرب لجوليان.

ابتسم بيرون قائلًا:— مرحبًا.

قالت وهي تحدّق في الأرض:— مرحبًا... سموّك.

اقترب قليلًا، وقد ضاقت عيناه بمرح: — ما الأمر أيتها الصغيرة؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟

قالت بتردد:— كنت... أنتظر جوليان.

أشار بيده نحو نهاية الممر، حيث كانت جوليان تجر لوسيان بقوة:

— تقصدين تلك التي هناك؟ أم جوليان أخرى؟

رفعت رأسها مرتبكة:— في الحقيقة... أنا...

ضحك بخفة :— عن إذنك.

أومأت برأسها، لا تزال تحدّق في الأرض ، استدار ومضى في الممر متجهًا إلى الامبراطور.

رفعت ماريانا رأسها أخيرًا، ورأت ظهره يبتعد. ضربت جبينها بكفها وهمست:— يا للإحراج يا ماريانا... يا لكِ من حمقاء.

ثم أسرعت تلحق بالبقية

**

كانت ريموندا تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا، خطواتها قصيرة وسريعة، كأن الأرض تضيق بها. تقضم طرف إصبعها بشرود، وعقلها غارق في التفكير: كيف ستخرج الليلة لتجلب بقية الكتب؟ لم يبقَ إلا القليل لتكمل قراءة تاريخ المملكة... والقليل هذا كان كافيًا ليشعل فضولها أكثر.

طرقٌ خافت على الباب ، تجمدت في مكانها:— ادخلي.

انفتح الباب ببطء، ودخلت الخادمة مطرقة الرأس.

— جلالتك... الملكة العُليا تستدعيكِ.

عقدت ريموندا حاجبيها.

— الملكة؟

— نعم، جلالتك.

همست لنفسها وقد بدأ قلبها يخفق أسرع:

— يا إلهي... لماذا؟

أومأت للخادمة محاولة إخفاء ارتباكها.

— حسنًا... قادمة.

انحنت الخادمة وغادرت، وبمجرد أن أُغلق الباب، انفجر القلق داخلها. راحت تعبث بالقلادة المعلقة في عنقها، أصابعها ترتجف.

لماذا استدعتني؟ ماذا فعلت؟

وفجأة، اتسعت عيناها وغطت فمها بكفها.

— معقول؟... هل... هل اكتشفت أنني خرجت من القصر؟

شعرت ببرودة تسري في أطرافها.

— ماذا ستفعل بي...؟

كانت الملكة العُليا واقفة في الرواق، رأسها مرفوع وكأنها تمثال من هيبة. إلى جانبها السيد فيونا، ساكنة كظل لا يخطئ شيئًا.

حين وصلت ريموندا،  التي كانت تشبك أصابعها ببعضها حتى ابيضّت مفاصلها. انحنت بخفة، بالكاد تسيطر على ارتجافها.

لم تلتفت الملكة كليًا، بل أمالت رأسها نصف التفاتة وقالت ببرود:

— اتبعيني.

استدارت وسارت بخطوات ثابتة. تبعتها فيونا، ثم ريموندا التي شعرت أن قدميها لا تحملانها.

كلما تقدمن، ازداد صمت الممرات ثقلًا... حتى خرجن إلى الساحة الواسعة.

ساحة الإعدام ، توقفت ريموندا فجأة. غطت فمها، ونظرت إلى المنصة الخشبية القائمة في الوسط، والحبال المتدلية بصمت قاتم. أبعدت يدها ببطء، وأصابعها ترتجف.

— لِـ... لِمَ نحن هنا...؟

استدارت الملكة بقوة، وانعكست القسوة في عينيها وهي تقترب خطوة :— سوف تعرفين.

توقفت أمامها مباشرة، نظرتها تخترقها.

— تعرفين عقوبة العصيان والتمرد، أليس كذلك؟

اتسعت عينا ريموندا، وشعرت بأن العالم يميد تحت قدميها

**

مرّ بيرون في الرواق الطويل المؤدي إلى جناح الإمبراطور، وخطواته ثابتة، وملامحه هادئة على عادتها ، وعند المنعطف، صادف الأميرة كارينا ، الابنة البكر لليوبولد .

توقّف لحظة، وانحنى برأسه انحناءة خفيفة يليق بها المقام ،

ابتسمت وردّت الانحناءة بالمثل، ثم تابعت سيرها بخطوات رشيقة.

خطوتان... ثلاث...ثم توقفت فجأة استدارت ببطء، وصوتها يحمل سخرية رقيقة مغلّفة بالتهذيب:— سموّ الأمير؟

توقف بيرون، ثم استدار ارتسمت على شفتيه ابتسامة محسوبة، واقترب ضامًّا يديه أمامه :— نعم، سموّك؟

قالت بنبرة لطيفة ظاهرًا: — أردتُ فقط أن أُلقي التحية على عمي الأمير... وأبارك لي ولك على تولّي الملك فيليكس حكم آخر مملكة تابعة للإمبراطورية.

توقفت لحظة، ثم أضافت وهي تثبّت نظرها فيه:

— أظن أن الفضل يعود إلى جهودك، أيها الأمير.

ابتسم ببساطة، كأن الكلمات لم تمسّه:

— أشكركِ على هذا الإطراء... ابنتي كارينا.

ثم أضاف بنبرة أكثر لطفًا مما ينبغي:— كنتُ أودّ البقاء لأستمع إلى دردشاتكِ الممتعة، لكن كما تعلمين... الإمبراطور استدعاني.

مال رأسه قليلًا، وكأنه يتذكر أمرًا:— وبالمناسبة، أنتِ بارة جدًا بالأسرة ، رغم زواجكِ من ولي عهد المملكة المجاورة المقعد، لم تقصري يومًا في التواجد بيننا في القصر.

ابتسم ابتسامة خفيفة لا يُفهم مغزاها:— لذا أعتقد أنني أستطيع محادثتكِ متى سنحت لي الفرصة.

تصلّب فكّها للحظة، ومرّ ظلّ غضب في عينيها، لكنها حافظت على وقاره "عن إذنك" استدار بيرون ومضى، بينما ظلّت تحدّق في ظهره حتى اختفى عن ناظرها، ونظرتها لم تكن تحمل ودًّا

توقّف بيرون أمام باب جناح الإمبراطور ، في الداخل، كان الإمبراطور واقفًا قرب النافذة العالية، ينظر إلى حدائق القصر الممتدة، وكأس ذلك العشب الأسود الذي اعتادته بين يديه.

دخل الحارس وانحنى :— جلالتكم، صاحب السمو الأمير بيرون عند الباب.

قال الإمبراطور دون أن يستدير:— أدخله.

انحنى الحارس وفتح الباب دخل بيرون بخطوات واثقة، ثم ضمّ يديه وانحنى باحترام :— صاحب الجلالة... لقد استدعيتني.

التفت الإمبراطور إليه، تأمّله لحظة، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة قبل أن يستدير بالكامل ويتجه إلى مقعده. جلس ببطء، ووضع شرابه العشبي  جانبًا :— أردتُ مناقشتك في أمرٍ هام.

رفع بيرون رأسه قليلًا عند سماعه كلمة هام ، أشار له الإمبراطور أن يقترب اقترب بيرون، فأشار له بالجلوس جلس بهدوء.

— أنا كلي آذان صاغية، جلالتك.

ساد صمت قصير... ثقيل... كأن الهواء نفسه ينتظر

تنهد الإمبراطور ببطء، ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يصغي إلى شيء لا يسمعه سواه ، ثم قال بصوت منخفض لكنه ثابت:

— بالرغم من العلاجات الأعشاب وحتى...التعويذات... لكن  العمر ينافسني.

رفع بيرون بصره إليه ، تابع الإمبراطور وهو ينظر إلى يده، يقبضها ويفتحها كأنه يختبر قوتها:— ظننت أنني سأسبق الزمن كما سبقت أعدائي... لكن جسدي بدأ يخذلني

ابتسم ابتسامة باهتة وأطرق رأسه قليلًا:

— هذا الجسد... خاض أقسى الحروب، وقف في وجه أعظم الجيوش، وهزم أقوى المحاربين. لكنه الآن... يخبرني أنه مرهق. يريد أن يستريح.

ظلّ بيرون ينصت دون أن يقاطعه ، تنفس الإمبراطور بعمق، ثم قال:— كاليمور...

سكت لحظة، وكأن الاسم وحده يحمل وزنًا لا يُحتمل :

— هذه الإمبراطورية لم تُبنَ بالحجارة، بل بالأكلاف. استندتُ فيها على جثث أقرب الناس إليّ... لم أبخل بشيء، لم أتراجع، لم أرحم كل ذلك لأجعلها بهذه القوة.

رفع عينيه ببطء نحو بيرون ؛— لذا لا أريد أن أتركها فجأة للأقدار. لن أسمح بأن ينهشها الفراغ بعدي.

أومأ بيرون برأسه مرة... ثم أخرى... دون أن ينطق.

تابع الإمبراطور، وصوته يزداد صرامة:— في هذا العرين... لم أرَ أسدًا بعد ، كلهم ما زالوا أشبالًا... مهما كبروا. عقولهم لم تنضج بما يكفي لتحمل هذا العرش.

ثم ثبت نظره الحاد في عيني بيرون:— ما رأيك يا بيرون؟ من يستطيع أن يتولى حكم الإمبراطورية؟

تبادلا النظرات لحظة طويلة ، قال بيرون بهدوء محسوب:

— تريدون رأيي... في أي نقطة تحديدًا، جلالتكم؟

اتكأ الإمبراطور إلى الخلف، وعاد شيء من تعاليه القديم إلى صوته:— من بين أبنائي السبعة...

ليوبولد؟ ماكسيميليان ، أوغست؟ غاتس؟ نيكولاس؟ ألكسندر؟

أم... فيليكس؟

ساد الصمت ، كان السؤال أثقل من أن يُجاب بعجلة ، فتح بيرون فمه ليتحدث، لكن الإمبراطور قاطعه فجأة: — المملكة التي يُتوّج صاحبها إمبراطورًا... ستكون تحت حكمك.

تجمّد الهواء ، ارتفعت عينا بيرون بدهشة خفيفة لم يستطع إخفاءها قال الإمبراطور ببطء:— لم يعجبك؟

أطرق بيرون رأسه فورًا :— لا، جلالتكم... بل هو فضل عظيم منكم. وأنا ممتن.

تنهد الإمبراطور، ثم رفع الكأس وارتشف منه بهدوء:

— إذًا... أخبرني. من نُتوّج؟ ولماذا

هزّ بيرون رأسه قليلًا، ثم قال بهدوء:

— بل دعني أخبرك أولًا... من لا يستحق. ولماذا.

أشار له الإمبراطور بكفّه أن يتابع ، تنفّس بيرون ببطء، ثم بدأ:

— مبدئيًا، قد يرى أي شخص أن من البديهي تتويج الملك ليوبولد، كونه الأكبر سنًاء، لكن... ليوبولد لا يملك وريثًا ذكرًا.  وإن مات،  فبسبب نظام الحكم في كاليمور  الذي ينص على تناقل الحكم بين الأبناء لا الاخوة ، ستدخل الإمبراطورية في نزاع دموي بين إخوته. لن يتنازل أحد، وسنحصد حربًا داخلية نحن في غنى عنها.

ظل الإمبراطور صامتًا، عيناه ثابتتان: — أما ماكسيميليان...نعم، ميزته الوحيدة أنه أنجب خمسة أبناء ذكور ، لكننا نعلم جميعًا أنه رجل بلا حنكة. سريع الانفعال، دائم الخلاف مع البلاط، يخاصم وزراءه كما يخاصم أعداءه. إمبراطورية كهذه لا تُقاد بالعاطفة.

أومأ الإمبراطور بخفة ، تابع بيرون: — أوغست...

نعلم أنه عقيم. ولن ينجب ولي عهد. سنواجه ذات المشكلة التي تجنبناها مع ليوبولد، ولكن مؤجلة فقط.

صمت لحظة، ثم قال بنبرة أكثر برودة::— غاتس... يعيش بين الخمر والنساء والراقصات. لم يقد معركة حقيقية قط. حتى حين كنت أصحبه إلى ساحات الحرب، كان يقف بعيدًا عن قلبها. أمير مدلل لا يعرف معنى الدم.

بقي الإمبراطور ينصت، وجهه بلا تعبير : — ألكسندر...محارب قوي، لا أنكر ذلك. لكن عقله ليس له ، رجل تقوده زوجته لا يمكنه قيادة إمبراطورية. لقد كسر البروتوكولات ليتزوج امرأة من العامة مجهولة النوايا. نحن لا نحكم بيتًا... نحن نحكم عالمًا.

توقّف بيرون : — يبقى نيكولاس... وفيليكس ، سكت الإمبراطور لحظة، ثم قال ببطء:— وألى اي واحد... تميل انت؟.

رفع بيرون رأسه بثبات : _ ثم قال فيليكس

اتكأ الإمبراطور إلى الخلف، وصوته صار أكثر خشونة:

— ولماذا فيليكس، يا بيرون؟

ابتسم بيرون ابتسامة صغيرة، لا تظهر إلا في عينيه.

— لأنه الوحيد الخالي من كل ما سبق.

اقترب قليلًا وهو يتابع: — محارب شغوف. دخل أول معركة له في الثانية عشرة، ولم يكن مجبرًا. تولى حكم مملكته في السادسة عشرة، وأثبت أنه قادر على فرض النظام دون بطش زائد.

ذكي... والأهم، علاقته متزنة مع الوزراء والجنرالات. لا يُثير الفتن، ولا يطمع بما ليس له.

صمت لحظة، ثم أضاف:— واختيار فيليكس لن يشعل حربًا داخل الأسرة. بل سيُرضي معظم الأطراف.

ساد الصمت في الغرفة ، رفع الإمبراطور كأسه، وارتشف منه ببطء، وعيناه معلّقتان في الفراغ ، مرّت لحظات طويلة.

ثم قال أخيرًا:— يمكنك الانصراف، يا بيرون.

نهض بيرون، وانحنى احترامًا :— كما تأمر، جلالتك.

خرج بهدوء، وأُغلق الباب خلفه ، ظلّ الإمبراطور واقفًا، ثم التفت  وسار ببطء نحو النافذة. نظر إلى حدائق القصر، ثم إلى الكأس حيث كانت النبته السوداء تبحر في ذلك السائل الشفاف.

تمتم بصوت منخفض:— فيليكس...

ثم رفع صوته قليلًا:— نادوا لي الجنرال كاسبار

..

อ่านหนังสือเล่มนี้ต่อได้ฟรี
สแกนรหัสเพื่อดาวน์โหลดแอป

บทล่าสุด

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

บทอื่นๆ
สำรวจและอ่านนวนิยายดีๆ ได้ฟรี
เข้าถึงนวนิยายดีๆ จำนวนมากได้ฟรีบนแอป GoodNovel ดาวน์โหลดหนังสือที่คุณชอบและอ่านได้ทุกที่ทุกเวลา
อ่านหนังสือฟรีบนแอป
สแกนรหัสเพื่ออ่านบนแอป
DMCA.com Protection Status