FAZER LOGIN٧
في اليوم التالي، عدت إلى القسم في الموعد المعتاد. كان الصباح هادئًا نسبيًا. وضعت حقيبتي على مكتبي، رتبت بعض الأوراق أمامي، ثم بدأت أراجع الملفات التي تراكمت خلال اليوم السابق. حاولت أن أستعيد روتيني المعتاد. القضايا الأخرى. التقارير. المحاضر. الأشياء التي أعرف كيف أتعامل معها دون أن أفكر كثيرًا. لم تمضِ سوى دقائق حتى ظهر رئيس القسم أمام مكتبي. — المحققة مورو. رفعت رأسي. — نعم؟ — تعالي إلى مكتبي. نهضت وتبعته. دخلت، ثم جلست أمامه كما طلب. أغلق الباب، وبقي واقفًا للحظات. لم يكن غاضبًا. وهذا جعلني أشعر بأن الحديث لن يكون بسيطًا. جلست أخيرًا أمامي، ووضع يديه فوق المكتب. — أريد أن نتحدث عن قضية باسكال. أومأت. — حسنًا. نظر إليّ لثوانٍ. — أتذكرين أول يوم أخبرتكِ فيه عن هذه القضية؟ — نعم. — ماذا قلت لكِ؟ فكرت قليلًا. — قلت لي ألا أسمح له بأن ينسيني لماذا أنا هنا. أومأ. — وقلت لكِ ألا تجيبيه عن أي شيء لا علاقة له بالقضية. سكت. ثم قال: — وكنتِ في البداية جيدة جدًا. رفعت عيني إليه. — في البداية؟ تنهد. — نعم، في البداية. لم أحب نبرته، ولا الطريقة التي جعلتني أقاوم رغبة مفاجئة في الدفاع عن كل لحظة قضيتها أمام رافاييل. تابع: — كنتِ تدخلين غرفة التحقيق وأنتِ تعرفين ما تريدين. تطرحين الأسئلة، تسمعين الإجابة، وتخرجين. لم يكن يهمكِ إن ابتسم أو استفزكِ أو حاول أن يعرف عنكِ شيئًا. خفضت عيني. — لكن؟ — لكن شيئًا تغير. ساد الصمت. ثم قالها بوضوح: — وقعتِ في الشيء الذي حذرناكِ منه. رفعت رأسي. — لا أعتقد— قاطعني بهدوء: — بلى. سكتُّ، وشعرت بأن إنكاري خرج أسرع مما ينبغي، كأنني كنت أحاول إقناع نفسي قبل أن أقنعه. فتح ملفًا أمامه، لكنه لم ينظر إليه. — رافاييل باسكال بدأ يلعب معكِ نفسيًا. لم أجب. — وأنتِ سمحتِ له. شعرت بانقباض في صدري. — أنا لم أسمح له بشيء. — حقًا؟ رفع عينيه إليّ. — إذًا أخبريني لماذا أصبحتِ تراجعين كل كلمة يقولها؟ لماذا تبحثين عن معنى خلف كل تصرف؟ لماذا أصبح يثير فضولكِ أكثر من القضية نفسها؟ لم أجد جوابًا سريعًا. كنت أعرف أنني أستطيع أن أذكر عشرات الأسباب المهنية، لكن أياً منها لم يفسر لماذا كنت أستعيد نبرة صوته بعد انتهاء التحقيق، أو لماذا بقيت بعض نظراته عالقة في ذهني أكثر مما ينبغي. قال: — أنتِ لم تعودي تلاحقين الأدلة فقط يا سيلين. ثم مال قليلًا إلى الأمام. — أصبحتِ تلاحقين رافاييل باسكال. صمتُّ. كانت الجملة قاسية لأنها كانت قريبة جدًا من الحقيقة. أكمل: — وهذا هو الفرق الذي أخشاه. — أنا ما زلت أعمل على القضية. — لم أقل إنكِ توقفتِ عن العمل. ثم أضاف: — قلت إن القضية بدأت تصبح شخصية بالنسبة إليكِ. رفعت عيني إليه. — شخصية؟ — نعم. أشار إلى رأسي. — أخذ مساحة في عقلكِ أكبر مما يجب أن يأخذها أي مشتبه به. بقيت صامتة. معه حق... من هو رفاييل أساسا ً؟ من هو كي يُطيح بعقلي تماماً ؟ من هو حتى أصبحت أفكاري كلها تتراقص حوله؟ ولماذا كنت أشعر بالذنب كلما اعترفت لنفسي بأن انجذابي إليه لم يعد مجرد فضول مهني؟ لقد نجح للأسف فيما يُريد... أطاح بي وشتت ذهني عن الحقيقة! — حصل بالضبط ما كان يريد الوصول إليه. صفعتني كلمات رئيسي التي أصبحتُ أعيها للأسف. ابتلعت ريقي، وحاولت أن أتمسك بملامح هادئة، كأن الهدوء قادر على إخفاء ما لم أجرؤ على تسميته. — ربما هو يحاول فعل ذلك. — بالطبع يحاول. قالها بلا تردد. — لكنه لا يستطيع أن يلعب بعقلكِ إلا إذا أعطيته مساحة ليفعل ذلك. لم أعرف ماذا أقول. لأنني أخشى أني أخطأتُ بما فيه الكفاية، ولأن جزءًا مني لم يكن يريد إغلاق تلك المساحة تمامًا. أغلق الملف. — أنا لا أشكك في مهنيتكِ يا مورو. كانت نبرته أهدأ الآن. — لكنني أحذركِ قبل أن يصبح الأمر مشكلة حقيقية. قبل أن يتغذى على مشاعرك لا عقلك فقط! مشاعري؟! لماذا صعقتني هذه الفكرة؟ أيُعقل لأنها بدأت تحصل بالفعل؟ شعرت بحرارة خفيفة في وجهي، فخفضت عيني سريعًا حتى لا يقرأ في صمتي ما كنت أحاول دفنه. حاولتُ إنكار الأمر أمامه والتصرف بطبيعية. ثم أومأت ببطء. — فهمت. — هل فعلًا؟ رفعت عيني إليه. — نعم. خرجت الإجابة حاسمة أكثر مما شعرت به في داخلي. صمت قليلًا. ثم قال: — جيد. أعاد الملف إلى مكانه. — من اليوم، أريدكِ أن تفصلي بين الرجل والقضية. — ماذا تقصد؟ — عندما تدخلين غرفة التحقيق، أنتِ لا تتعاملين مع رافاييل كشخص يثير فضولكِ أو يستفزكِ أو يجعلكِ تتساءلين عن نواياه. ثم قال بوضوح: — أنتِ تتعاملين مع مشتبه به. أومأت. — مفهوم. — وإذا حاول أن يحوّل الحديث إلى شيء شخصي، أوقفيه. — حاضر. ترددت لحظة قبل أن أضيف في ذهني أن المشكلة لم تعد فيما يقوله هو فقط، بل فيما يوقظه قوله داخلي. نظر إليّ للحظة، ثم قال: — لأنني لا أريد أن أراكِ بعد فترة وأكتشف أنكِ لم تعودي تعرفين أين تنتهي القضية وأين يبدأ هو. تجمدت قليلًا. كان التحذير واضحًا، ومع ذلك قاومت داخليًا فكرة أن يكون الحل سهلًا إلى هذا الحد؛ أن أفصل بين الرجل والقضية بمجرد أن أقرر ذلك. ثم نهضت. — سأنتبه. أومأ. — هذا كل ما أريده. خرجت من مكتبه. أغلقت الباب خلفي، وعدت إلى مكتبي. جلست. وضعت يدي على الملف أمامي. ثم فتحت الصفحة الأولى. قرأت اسم القضية. قضية مقتل أدريان لوران. هذه المرة، بقيت عيني على الاسم. ليس على الشخص الذي يقف خلفه. على القضية. وعلى ما يجب أن أعرفه. أجبرت نفسي على تكرار ذلك، رغم أن صورة رافاييل تسللت إلى ذهني قبل أن أتمكن من منعها. ربما كان رئيس القسم محقًا. ربما سمحت لرافاييل بأن يجعل الأمر أكثر شخصية مما ينبغي. لكن هذا لا يعني أنني سأرتكب الخطأ نفسه مرة أخرى. رفعت القلم وبدأت أدوّن ملاحظاتي. كان أمامي عمل كثير. وهذا وحده كان كافيًا.٧في اليوم التالي، عدت إلى القسم في الموعد المعتاد.كان الصباح هادئًا نسبيًا.وضعت حقيبتي على مكتبي، رتبت بعض الأوراق أمامي، ثم بدأت أراجع الملفات التي تراكمت خلال اليوم السابق.حاولت أن أستعيد روتيني المعتاد.القضايا الأخرى.التقارير.المحاضر.الأشياء التي أعرف كيف أتعامل معها دون أن أفكر كثيرًا.لم تمضِ سوى دقائق حتى ظهر رئيس القسم أمام مكتبي.— المحققة مورو.رفعت رأسي.— نعم؟— تعالي إلى مكتبي.نهضت وتبعته.دخلت، ثم جلست أمامه كما طلب.أغلق الباب، وبقي واقفًا للحظات.لم يكن غاضبًا.وهذا جعلني أشعر بأن الحديث لن يكون بسيطًا.جلست أخيرًا أمامي، ووضع يديه فوق المكتب.— أريد أن نتحدث عن قضية باسكال.أومأت.— حسنًا.نظر إليّ لثوانٍ.— أتذكرين أول يوم أخبرتكِ فيه عن هذه القضية؟— نعم.— ماذا قلت لكِ؟فكرت قليلًا.— قلت لي ألا أسمح له بأن ينسيني لماذا أنا هنا.أومأ.— وقلت لكِ ألا تجيبيه عن أي شيء لا علاقة له بالقضية.سكت.ثم قال:— وكنتِ في البداية جيدة جدًا.رفعت عيني إليه.— في البداية؟تنهد.— نعم، في البداية.لم أحب نبرته، ولا الطريقة التي جعلتني أقاوم رغبة مفاجئة في الدفاع عن كل لحظ
في اليوم التالي، استيقظت متأخرة. لم أعتد أن أفعل ذلك. لكنني كنت بحاجة إلى النوم. فأبلغتُ القسم أني في إجازة اليوم. بقيت للحظات أحدق في السقف، أحاول أن أستوعب أين أنا، قبل أن تتدفق أحداث الليلة الماضية إلى رأسي دفعة واحدة. النادي. كارلا. جيمس. ثم رافاييل. تنهدت وأغمضت عيني مجددًا. لا. لن أبدأ يومي بالتفكير فيه. نهضت من السرير واتجهت إلى الحمام. بعد ساعة تقريبًا، كنت أقود سيارتي باتجاه منزل عائلتي. لم أخبر أمي أنني قادمة. أردت فقط أن أراهم. منذ أن بدأت هذه القضية، أصبحت أعود إلى المنزل متأخرة، وأقضي معظم وقتي بين القسم والملفات والاستجوابات. وحين فتحت أمي الباب ورأتني، اتسعت عيناها. — سيلين؟ ابتسمت. — اشتقت إليكِ. احتضنتني فورًا. — وأخيرًا تذكرتِ أن لديكِ أمًا؟ ضحكت. — لم أنسكِ. — طبعًا. دخلت. كان البيت دافئًا كما أتذكره دائمًا. رائحة الطعام في المطبخ، صوت التلفاز من غرفة الجلوس، والأصوات المألوفة التي افتقدتها دون أن أدرك. جلست إلى الطاولة. وضعت أمي أمامي كوبًا من العصير، ثم جلست قبالتي. نظرت إليّ للحظات. ثم قالت: — هناك شيء مختلف فيكِ. رفعت حاجبي. —
لم أكن معتادة على الخروج كثيرًا في منتصف الأسبوع. لكن تلك الليلة، وافقت. قالت صديقتي كارلا إنني بحاجة إلى تغيير الجو، ولم أجد سببًا مقنعًا لرفضها. هي محقة حدّ النخاع. وصلنا إلى النادي بعد الحادية عشرة بقليل. كان المكان مزدحمًا، والموسيقى تملأ القاعة، والأضواء الخافتة تتحرك فوق الوجوه بطريقة جعلت كل شيء يبدو أكثر حيوية مما هو عليه. وقفت أمام المرآة للحظات قبل أن ندخل. كنت قد ارتديت فستانًا أسود بسيطًا يصل إلى ما فوق الركبة بقليل، ضيقًا عند الخصر وينسدل بنعومة بعده. تركت شعري الأسود الناعم منسدلًا على كتفي، بعد أن اعتدت لسنوات على ربطه أثناء العمل. وضعت القليل من المكياج، واكتفيت بأحمر شفاه بلون هادئ. لم أكن أحاول أن ألفت الأنظار. كنت فقط أريد أن أشعر بأنني امرأة عادية في ليلة عادية. دخلنا. وبعد دقائق، بدأت أشعر أنني أسترخي فعلًا. ضحكت مع صديقتي على شيء سخيف قالته. ثم جرّتني إلى ساحة الرقص. — سيلين، ابتسمي قليلًا! — أنا أبتسم. — هذه ليست ابتسامة. ضحكت. — وماذا تريدين؟ — هكذا. أمسكت بيدي وبدأت ترقص. هذه المرة ضحكت فعلًا. لم أفكر في الوقت. ولا في العمل. ولا في ا
لأنني بدأت أخاف من الإجابة. نهضت من مقعدي. — أرى أن نتوقف هنا. لم يمنعني. ليس وكأنني أنتظرُ منه هذا ولكن كان في داخلي شيئاً يطلب مني البقاء أكثر. عندما وصلت إلى الباب، سمعت صوته: — سيلين. توقفت. رغبتُ منذ أول لقاء بيننا بالصراخ عليه وأمره بمناداتي حضرة المحققة مورو ولكنيّ لسببٍ لا أعرفه سمحتُ له بنُطق اسمي المجرد. ربما نبرته اللعوب أثناء مناداتي هي السبب… — ماذا؟ — لا تخافي مني. استدرت ببطء. كان لا يزال جالسًا، ويداه مقيدتان أمامه. — أنا لا أخاف منك. ابتسم. — إذًا لماذا توقفتِ؟ لم أجب. كرهت أنه لاحظ ذلك. اقتربت من الباب أكثر، لكنه قال: — لأنكِ خائفة من شيء آخر. نظرت إليه. — وأنت أصبحت تعرف ما أخاف منه أيضًا؟ — لا. رفع عينيه إليّ. — لكنني أستطيع رؤيته. بقيت صامتة. ثم قلت: — لا تحاول تحليل شخصيتي. — ولماذا؟ — لأنني أنا من يفترض أن يحللك. ضحك بخفة. — مشكلة حقيقية. — ما هي؟ — أنكِ بدأتِ تنسين من يحقق مع من. رفعت حاجبي. — لا تقلق. لم أنسَ. فتحت الباب. وقبل أن أخرج، سمعت صوت السلاسل الخفيف خلفي. التفت. كا
في صباح اليوم التالي، عدت إلى ملف القضية. لم أستطع إخراج كلام رافاييل من رأسي. «ابحثي عن الشيء الذي لا يتطابق.» لذلك قررت أن أبدأ من آخر شيء أخبرني به. شارع سانت كلير. فتحت تسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة في المنطقة، وبدأت أبحث عن أي شيء يمكن أن يثبت وجوده هناك. بعد عدة دقائق، ظهرت سيارة أمام إحدى الكاميرات. توقفت عن البحث. كانت السيارة نفسها التي استأجرها رافاييل ليلة الجريمة. نظرت إلى وقت التسجيل. بعد منتصف الليل بقليل. أي بعد الوقت الذي قُدّر فيه حدوث الجريمة. بقيت أحدق في الشاشة. هذا لا يثبت أنه بريء. فربما غادر مكان الجريمة بعد ارتكابها. لكن شيئًا واحدًا أصبح مؤكدًا. رافاييل لم يكذب عندما قال إنه كان في شارع سانت كلير. أغلقت التسجيل. ثم عدت إلى ملف القضية. كانت الشرطة تملك أدلة كثيرة ضده. لكن حتى الآن، لم أجد شيئًا يربطه مباشرة بمكان الجريمة في الوقت المحدد. رفعت عيني عن الأوراق. ربما كان هذا هو الشيء الذي أراد مني أن أراه. أو ربما كان يقودني إلى المكان الذي يريده هو. وفي الحالتين… كان عليّ أن أسأله. ⸻ في الحادية عشرة وخمس
لم أنم تلك الليلة. ولم يكن السبب رافاييل باسكال وحده. كنت أكره أن يعترف شخص غريب بعادة صغيرة فيّ لم أكن ألاحظها أصلًا. حركتي ليدي عندما أتوتر. طريقتي في النظر إلى الباب قبل أن أغادر أي مكان. حتى الطريقة التي أضغط بها على القلم عندما أشعر أن الشخص المقابل يخفي شيئًا. أمور صغيرة. تفاصيل لا تستحق التفكير فيها عادة. لكن رافاييل جعلني أفكر بها جميعًا. استلقيت على سريري، أحدق في السقف بينما كان المطر لا يزال يطرق زجاج النافذة. أغمضت عيني. فتحتها. ثم أغلقتها مجددًا. لكن صوته عاد إلى رأسي: “أخيرًا أرسلوكِ أنتِ.” فتحت عيني بضيق. — مستفز… مددت يدي إلى المنبه الموضوع بجانب السرير. الثالثة واثنتان وعشرون دقيقة. تنهدت، ثم جلست. كان من الواضح أن النوم لن يأتي. ⸻ في السابعة والنصف صباحًا كنت أقف أمام مكتب رئيس القسم. وضعت الملف على مكتبه. — أريد التسجيل الكامل لاستجوابات رافاييل باسكال السابقة. رفع عينيه من الأوراق. — لماذا؟ — أريد أن أعرف كيف تصرف مع المحققين الآخرين. أراح ظهره إلى الكرسي. — لم يتصرف. — ماذا تقصد؟ — جلس مثلما جلس معكِ. — ولم يتحدث؟ — لا. فتحت الملف







