LOGINامتدت القاعة العظمى في القصر أمامنا، واسعة ومهيبة. ارتفعت الأعمدة الحجرية كحراسٍ صامتين نحو السقف المقبب، وكل عمود مزين بنقوش دقيقة تروي قصص حكامٍ سابقين، ومعارك، وانتصارات طواها النسيان. كانت المشاعل على الجدران تومض، ترسم رقصة من الضوء والظلال، فتُلقي أطيافًا طويلة متمايلة تتحرك كأشباحٍ زاحفة فوق الأرض المصقولة. كان الهواء مثقلًا برائحة الحديد، والحجر البارد، وهمسة دخان خفيفة، تذكيرًا بالمشاعل والمطابخ البعيدة. كل صوت كان يتردد بحدة، مضخمًا أدق الحركات—حفيف القماش، وقع الأقدام، وحتى صوت ذيل تيفا وهو يصطدم بالحجر، فيصدر طنينًا حادًا يرتد بين الجدران.
وقفتُ بين ليورا وتيفا، أحاول ضبط أنفاسي. بدت القاعة هائلة، قاسية، وكأنها كائن حي يراقب… ويحاكم. في أقصى القاعة، وعلى منصة مرتفعة قليلًا، جلس الكاونت ماغنوس. كان كرسيه من خشب داكن، محفورًا بنقوش متقنة، يمنحه هيبة تفرض الانتباه. جلسته كانت مثالية، جامدة، لكن عينيه كانتا يقظتين، تتحركان باستمرار، حادتين كالسيوف، تراقبان أدق تفاصيلنا، كأنهما تقيّمان قيمتنا، شجاعتنا… وأخطاءنا. طال الصمت. تحولت الثواني إلى دقائق. دق قلبي بقوة في أذني. قالت تيفا: "إذًا… هذا هو المكان الذي سيوبخوننا فيه أو يرموننا في زنزانة، أليس كذلك؟" قالت ليورا: "ليس الآن." زفرت تيفا، وتحركت أذناها بقلق، لكنها التزمت الصمت. نهض الكاونت ماغنوس ببطء. دوّى صوت خطواته في القاعة، كل خطوة محسوبة بدقة. بدا المكان أكثر برودة، وأكثر ثقلًا مع كل حركة، وكأن الحجر نفسه يخضع لإرادته. قال ماغنوس: "لقد دخلتم المنطقة المحظورة." قالت ليورا: "نعم." قال: "تم تحذيركم." قالت: "نعم." قال: "ومع ذلك تجاهلتم القانون." قالت تيفا: "حسنًا، من الناحية التقنية—" ضرب أحد الحراس رمحه بالأرض، فقطع صوت المعدن كلماتها. قال الجندي: "صمت." قالت تيفا: "...حسنًا. نسيت الجو الرسمي." بدأ ماغنوس يسير ببطء، ويداه خلف ظهره، وعيناه تلمعان ببرودٍ صارم. كان صوته ثابتًا، يملأ القاعة دون جهد. قال: "تلك البحيرة التي وصلتم إليها ليست مجرد ماء. سطحها يخفي خطرًا، واضطرابًا، ومخلوقات لا ينبغي لأي إنسان مواجهتها. التنين الذي واجهتموه ليس سوى واحد من تهديدات عديدة مشوهة وغير طبيعية. هل تدركون حجم ما فعلتم؟" قالت ليورا: "نحن ندرك." قال: "الإدراك لا يكفي. الوعي لا يمحو العواقب. القانون وُجد لمنع الفوضى. خطوة واحدة خاطئة في تلك المنطقة قد تدمر أكثر من حياة—قد تزعزع التوازن نفسه. كل قرار يترك أثرًا، وكل فعل يخلّف موجة، ولا أحد يمكنه التنبؤ بمداها." قالت تيفا: "لكننا لم نذهب دون تفكير! نحن—" قال: "صمت." شعرت بنظرته تثقل صدري كحديد. قال: "آرين، لقد ترددت قبل أن تتحرك. لكن حين تحركت، تراجع المخلوق. الشجاعة وحدها لا تعفيك. التهور قاتل. كل خطوة، كل قرار، كل خطأ له ثمن. وستُحاسب على كل فعل خالف القانون." قالت تيفا: "لكنه أنقذنا!" قالت ليورا: "هذا صحيح." قال ماغنوس: "أفعالكم تُقاس بالقانون، لا بنتائجها المؤقتة. لقد دخلتم ما لا ينبغي دخوله، والآن تنتظركم المحاسبة." قالت تيفا: "ألا تملك أي مرونة؟" قال: "المرونة ضعف. القانون يجب أن يبقى دائمًا." قالت: "هذا قاسٍ." قال: "القسوة هي العالم خارج هذه الجدران. القانون هو الحد الفاصل بين البقاء والفوضى." تقدم حارسان، متقاطعين بالرماح أمامنا. قال ماغنوس: "اقتادوهم." قالت ليورا: "إلى أين؟" قال: "لينتظروا الحكم." أحاط بنا الحراس، يقودوننا نحو الأبواب الضخمة. كل خطوة كانت كتحذير. قالت تيفا: "لشخص يدير مملكة… أنت ممل جدًا." قالت ليورا: "تيفا…" ابتلعت ريقي. كان ظل الكاونت يلاحقنا. فُتحت الأبواب، ودخل هواء الليل البارد. ارتجف جسدي. في الخارج، كانت التلال والمنطقة المحظورة تنتظر بصمت. قلت: "لم ينتهِ الأمر." قالت تيفا: "سنجد حلًا." قالت ليورا: "اصمتا." قال ماغنوس: "استعدوا. العدالة لا تنحني ولا تنتظر. إنها قادمة للجميع." قالت تيفا: "لم نقصد… أردنا الفهم فقط." قال: "النية لا تعني شيئًا حين يُكسر التوازن." دفعنا الحراس للأمام. كانت القاعة ككائن حي يهمس بأخطاء الماضي. شدَدت قبضتي. كانت تيفا متوترة. أما ليورا فبقيت ثابتة… رغم ارتجاف خفيف. قالت تيفا: "ليس عليك أن تكون قاتمًا هكذا." قال ماغنوس: "العدالة مطلقة. الرحمة تأتي من القانون، لا من العاطفة." أُغلقت الأبواب خلفنا بصوتٍ مدوٍ. التفّ حولنا هواء الليل، محمّلًا بالغموض والخطر… وصدى قانونٍ خالفناه. وفي مكانٍ ما هناك، كانت المنطقة المحظورة تنتظر. وكنت أعلم… أن رحلتنا معها قد بدأت للتو.في هذه الأثناء، بعد أن نفضتُ أنا وتيفا الغبار عن ملابسنا أثر القتال، قطعت تيفا الصمت قائلةً بنبرةٍ متذمرة:«الأشخاص الذين نصادفهم مرهقون للغاية، وغباؤهم لا يُحتمل. إنهم لا يدركون حتى مع من يتعاملون. هذا الغباء يثير أعصابي حقًا.»قالت ذلك وكأنها تكاد تخنق أولئك الرجال.تنهدتُ بخفة وقلت بهدوء:«لا داعي لأن تنفعلي بسبب مجموعة من الرجال. انسِ الأمر ولنعد إلى ليو—»لكنها قاطعتني فورًا بنبرتها المرحة المعتادة، بينما تحركت أذناها قليلًا:«أنت ممل جدًا! أنت لا تقل صرامةً ومللًا عن ليورا!»ثم تابعت وهي تعبس:«ما رأيك… همم… أن نذهب لمقابلة شقيقة الكونت؟ تبدو امرأةً طيبة وقد ساعدتنا، على عكس أخيها الكبير، الغارق في القوانين وما إلى ذلك.»نظرتُ إليها دون أن أشعر بأي انزعاج، ثم تنهدت وقلت:«لن أذهب هكذا لأتحدث معها دون سبب. إن أردتِ الذهاب، فاذهبي وحدك. لدينا أمور أكثر أهمية—»نظرت إليّ وكأنني ارتكبت أمرًا فظيعًا.«ماذا؟! لن أذهب وحدي! إن وقعتُ في مشكلة، فستتورط معي. وعلى أي حال، لا أحتاجك. أنت وليورا مملّان للغاية!»استدارت وهي عابسة.تنهدت وبدأت أسير مبتعدًا لأتعرف أكثر على لونيث وسكانها. التفتت
للحظةٍ بعد أن تحدث الرجل ذو الوجه المليء بالندوب، ساد الطريق الضيق بين التلال سكونٌ متوتر وغير طبيعي. بدا أن الرياح التي كانت تهمس بين الأعشاب الطويلة قبل دقائق قد ترددت الآن، وكأن الهواء نفسه أدرك أن شيئًا خطيرًا قد استقر في المكان. كنت أشعر بثقل عدة أقواس مصوّبة نحونا، وصوت احتكاك الجلد والمعادن الخافت يذكّرني بأن هؤلاء الرجال فعلوا هذا من قبل. لم تكن سرقة عشوائية نفذها حمقى يائسون؛ مواقعهم كانت مدروسة، وتباعدهم مقصودًا، وطريقتهم في مراقبتنا تحمل صبر من يعتقد أنه يملك الأفضلية بالفعل.أما تيفا، فلم تبدُ منبهرة.وقفت خطوة أمامي على الطريق، بوضعيةٍ مريحة قد توحي لأي شخص لا يعرفها بأنها لم تلاحظ الأسلحة المحيطة بنا. إحدى يديها على خصرها، والأخرى تزيح خصلة شعرٍ عن وجهها بلا اكتراث. تحركت عيناها البنفسجيتان ببطء من لصٍ إلى آخر، تعدّهم بهدوء جعل ابتسامة الرجل ذي الندوب تتلاشى قليلًا.عقدتُ ذراعيّ بشكلٍ خفيف، وأخذت أتفحص المجموعة أيضًا—المسافات، التوازن، زوايا الأقواس، وعدم استواء الأرض قرب الصخور. كانوا سبعة، وربما ثمانية إن كان أحدهم ما يزال مختبئًا خلف المرتفع. الطريق ضيق، والتلال على ا
لبضع لحظات بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وسألت بشكلٍ درامي أيّ نوعٍ من الأقدار لعننا برفقة أشخاص مثل ماغنوس وفيسبيرا، ساد صمتٌ غريب في فناء قلعة لونيث. لم يكن صمتًا فارغًا حقًا، بل كان ممتلئًا بردود أفعالٍ غير منطوقة تنتظر أن تنفلت. مرّ النسيم بخفة فوق الأرضية الحجرية، حاملًا معه رائحة خفيفة من الغبار والحديد العتيق من رفوف التدريب القريبة، بينما تمايلت الرايات الطويلة المعلّقة على جدران القلعة ببطء فوق رؤوسنا.حاولت—صدقًا حاولت—ألا أضحك.لكن تعبير تيفا جعل ذلك شبه مستحيل.وقفت هناك، وعيناها البنفسجيتان ضيقتان وهي تحدّق في السماء وكأنها تتوقع من الكون نفسه أن يعتذر عمّا نحن فيه. كانت يداها على خصرها بثبات، وكتفاها منحدرتين قليلًا في إحباطٍ مبالغ فيه، وجعلها هذا الموقف كله تبدو كشخصٍ اكتشف للتو أن الكون قرر شخصيًا إزعاجه.أدرت رأسي قليلًا بعيدًا عنها، وغطّيت جزءًا من فمي بيدي وأنا أحاول كتم ضحكتي.«تعلمين،» قلت أخيرًا، محاولًا الحفاظ على هدوء صوتي، «لو دخل أحدهم الآن دون سياق، لظن أنك تعرضتِ لخيانةٍ شخصية من القدر نفسه.»أنزلت تيفا ذراعيها ببطء والتفتت نحوي، ونظرت إليّ بنظرةٍ تجمع
ساد صمتٌ قصير في هواء الليل بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وتمتمت بشكل درامي:«أيّ نوعٍ من الأقدار هذا؟»كانت المشاعل على جدران القلعة تومض مع النسيم الخفيف، وبدا الفناء هادئًا بشكل غريب رغم كل ما حدث خلال الساعات القليلة الماضية. فركتُ مؤخرة عنقي، محاولًا ألا أضحك على بؤس تيفا، وفي الوقت نفسه أتساءل كيف انتقلنا بطريقةٍ ما من كوننا سجناء في الزنزانة إلى الوقوف خارج القلعة مع شقيقة الكونت نفسها، نتحدث عن أطلال قديمة وتنانين.أما تيفا، فلم يكن لديها أي نية للهدوء. أنزلت يديها ببطء من السماء، وضاقت عيناها البنفسجيتان قليلًا وهي تحدّق في فيسبيرا بشكٍ مبالغ فيه.«لا، بجدية،» تابعت وهي تشير بين القلعة خلفنا والمرأة الواقفة أمامنا بهدوء، «أريد فقط أن أفهم منطق هذا الكون. أحد الأشقاء يدير المملكة وكأنه كتاب قوانين منحوت في الحجر، والآخر يتسلل إلى الزنازين ليلًا لإنقاذ مجرمين حتى يتمكن من إجراء مقابلات معهم حول أطلال سحرية. بدأت أظن أن القدر يحمل لنا ضغينة شخصية.»لم تبدُ فيسبيرا منزعجة. بل إن لمحة خفيفة من التسلية لمعت على وجهها. بدّلت وقفتها قليلًا وضمّت ذراعيها، وكأنها تفكّر في شكوى تيفا
كانت الزنزانة الواقعة أسفل القصر أكثر هدوءًا مما توقعت.لم يكن هدوءًا باعثًا على الراحة—أبدًا—بل كان هدوءًا ثقيلًا خانقًا، من ذلك النوع الذي لا يوجد إلا في الأماكن تحت الأرض. كانت الجدران الحجرية تحتفظ بالبرودة كأنها ذكرى عنيدة ترفض الرحيل، وكان الهواء يحمل رائحة خفيفة من الحديد الرطب والغبار العتيق. كل صوت كان يتردد بصورة مبالغ فيها، حتى إن أبسط حركة بدت أعلى مما ينبغي.أسندت ظهري إلى الجدار الخشن وأطلقت زفيرًا بطيئًا، محاولًا تجاهل البرودة التي تتسلل عبر ملابسي.على الجانب الآخر من الزنزانة، كانت تيفا تفشل تمامًا في فعل الشيء نفسه.كانت تتحرك بلا توقف منذ نصف ساعة، تدور في دوائر غير منتظمة كحيوان محبوس لا ينوي أبدًا تقبّل قفصه. ومع كل بضع خطوات، كانت تقفز بخفة، وطاقة مضطربة تشع منها، بينما انعكس ضوء المشاعل الخافت على عينيها البنفسجيتين اللتين بدتا أكثر انزعاجًا من المعتاد.تمتمت قائلة:"أقسم، إن أبقونا هنا مدة أطول، فسأفقد صوابي."جلست ليورا بهدوء على المقعد الضيق قرب الجدار، مستقيمة كما هي دائمًا، وكأن وجودها في السجن أسفل القصر ليس سوى أمر مزعج بسيط في يومها. لم ترفع نظرها حين تح
كانت الزنزانة الواقعة أسفل القصر أكثر هدوءًا مما توقعت.لم يكن هدوءًا باعثًا على الراحة—أبدًا—بل كان هدوءًا ثقيلًا خانقًا، من ذلك النوع الذي لا يوجد إلا في الأماكن تحت الأرض. كانت الجدران الحجرية تحتفظ بالبرودة كأنها ذكرى عنيدة ترفض الرحيل، وكان الهواء يحمل رائحة خفيفة من الحديد الرطب والغبار العتيق. كل صوت كان يتردد بصورة مبالغ فيها، حتى إن أبسط حركة بدت أعلى مما ينبغي.أسندت ظهري إلى الجدار الخشن وأطلقت زفيرًا بطيئًا، محاولًا تجاهل البرودة التي تتسلل عبر ملابسي.على الجانب الآخر من الزنزانة، كانت تيفا تفشل تمامًا في فعل الشيء نفسه.كانت تتحرك بلا توقف منذ نصف ساعة، تدور في دوائر غير منتظمة كحيوان محبوس لا ينوي أبدًا تقبّل قفصه. ومع كل بضع خطوات، كانت تقفز بخفة، وطاقة مضطربة تشع منها، بينما انعكس ضوء المشاعل الخافت على عينيها البنفسجيتين اللتين بدتا أكثر انزعاجًا من المعتاد.تمتمت قائلة:"أقسم، إن أبقونا هنا مدة أطول، فسأفقد صوابي."جلست ليورا بهدوء على المقعد الضيق قرب الجدار، مستقيمة كما هي دائمًا، وكأن وجودها في السجن أسفل القصر ليس سوى أمر مزعج بسيط في يومها. لم ترفع نظرها حين تح







