LOGINليست كل السجون جدرانًا من حجر...بعضها يُشيَّد من الحرير والرخام والحدائق المزهرة.وبعض الأقفاص تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ومع ذلك يعجز السجين عن الهرب.فحين يصبح مصيرك ملكًا لغيرك، لا يهم إن كان السوط في يده...أو كانت الوردة.كلاهما قادر على سلب حريتك بالطريقة ذاتها.⭐⭐⭐عادت ماسة بذاكرتها إلى أرض الواقع وهي تتأمل ليان، وشعرت بغصة من الفخر وهي تتأكد من صحة قرارها؛ فعلى الأقل استطاعت أن تنتشلها من ذلك الجحيم. لكن قلبها همس بمرارة:«ولكنكِ أدخلتها جحيمًا آخر».انقبض صدرها، وتمنت بكل ما تملك أن تكون مخطئة. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح؛ فدخل البارون بخطوات هادئة واثقة، تحيطه سلطة صارخة تُعلن أن المكان كله ينتمي إليه.رفعت ليان رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وانعقد الخوف داخل عينيها الصغيرتين.قال بصوته العميق:صباح الخير."Good morning."انحنت ماسة نحو ليان وأشارت إليها بلطف:اذهبي إلى الحديقة، سألحق بكِ بعد قليل.لم تنتظر ليان أكثر من ذلك، بل قفزت من مكانها وانطلقت نحو الباب بفرح واضح. وظلت ماسة تراقبها حتى اختفت عن الأنظار، وعندها فقط التفتت إلى
أحيانًا يكون الجحيم مزخرفًا بالذهب والحرير... لكنه يظل جحيمًا.منذ أن خطت "ماسة" خطواتها الأولى داخل هذه الفيلا، وهي مبهورة بكل ما تراه. حتى هذه اللحظة، لم تستوعب أنها هنا لليوم الخامس على التوالي دون تعذيب، أو ترهيب، أو إذلال.كانت تعلم يقينًا بأن "البارون" ليس ذلك الرجل الطيب الذي يدعيه، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يكشر عن أنيابه؛ لذا لم تثق به ثقة عمياء، ولم تأخذ راحتها ولو للحظة واحدة.كانت تأكل بتردد وحذر، بالكاد تتكلم مع أحد أو ترى أحدًا؛ فكل من كانت تراهم حولها ليسوا سوى خدمٍ من شتى الأجناس والأعراق، وهي بينهم كأميرة داخل قصر ممتلئ بالجواري.لم تكن تخرج من غرفتها، ولكنها كانت تحسب الأيام والليالي بانتظار اللحظة التي تتعافى فيها تمامًا وتسترد قوتها، وحينها ستعود لمقاومة جحيمها الجديد...ذلك الجحيم الذي لم يكن هدوؤه يبشر بخير إطلاقًا، بل كان أشبه بالسكون الذي يسبق الزوبعة.اندفعت "ليان" داخل غرفتها بابتسامة خلابة، ملابسها نظيفة فاخرة، وشعرها الأسود الحريري ينساب بنعومة على ظهرها.كانت ليان قد بدأت في التعافي والتأقلم مع المكان أكثر من ماسة، وكأن الروح قد رُدَّت إليها بعد رحلة طوي
بحلول نهاية الأسبوع الثاني، كان الرشيد قد أصبح أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. جلس ذات مساء في جناحه الفاخر بالفندق، مسترخياً فوق الأريكة الجلدية، وأمامه زجاجة ويسكي باهظة الثمن شارفت على الانتهاء. بدا تأثير الكحول واضحاً على ملامحه، فخفّت حذريته المعتادة وبدأ يتحدث بصراحة أكبر. قال وهو يدور الكأس بين أصابعه: — أنا أتعامل مع السيد مباشرة. هو الذي يستلم الفتيات بنفسه، وهو الذي يقرر مصير كل واحدة منهن. لديه شبكة واسعة جداً... بعض الفتيات يأتين من دول مجاورة، وبعضهن محليات يبحثن عن فرصة أو يهربن من ظروف قاسية. لكل واحدة استخدام مختلف... بعضهن للخدمة المنزلية، وبعضهن للمرافقة والترفيه... وبعضهن لأمور أكثر خصوصية. توقف قليلاً، ثم رفع عينيه نحو قاسم وحدق فيه بنظرة فاحصة. — تبدو رجلاً جاداً يا خالد. إن كان لديك طلب محدد، أستطيع ترتيب زيارة لك. لكن السيد لا يثق بالغرباء بسهولة. هو يثق بي ثقة عمياء لأنني أعرفه منذ سنوات طويلة. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتي قاسم بينما أخفى اضطرابه الداخلي ببراعة. قال بلامبالاة متعمدة: — إذا كان ما تقوله صحيحاً... فطلبي بسيط جداً. مال الرشيد نحوه
أما في الجهة الأخرى، فقد كانت خيوط اللعبة تتشابك بسرعة أكبر مما توقع الجميع. بينما كان الرشيد يظن أنه يقترب أخيراً من كشف حقيقة الرجل الغامض الذي ظهر في حياته باسم "خالد الزين"، كان شخص آخر يراقب المشهد بأكمله من خلف الستار. معتز. ذلك الشبح الإلكتروني الذي اعتاد التسلل إلى أكثر الأنظمة تحصيناً دون أن يترك أثراً. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الرشيد رحلة البحث عن هوية قاسم، كان معتز يتابع خطواته بصمت، يجمع المعلومات ويربط الخيوط المتناثرة. ولم يكتفِ بالمراقبة فقط، بل تمكن خلال الأيام الماضية من اختراق هاتف الرشيد والوصول إلى مكالماته ورسائله وتحركاته كافة. لذلك، عندما التقط قاسم هاتفه ودعا الرشيد إلى العشاء في الفندق، لم يكن ذلك الخبر قد وصل إلى الرشيد وحده. كان معتز قد سمع المكالمة كاملة. جلس أمام شاشاته المضيئة في غرفة العمليات السرية، وعيناه مثبتتان على البيانات المتدفقة أمامه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد بدأت القطع تتحرك أخيراً نحو أماكنها الصحيحة. ارتدى قاسم بدلة أنيقة بلون رمادي داكن، واعتلت وجهه ابتسامة هادئة صُنعت بدقة لتخفي توتره الداخلي العاصف. في ا
صدحت الأصوات في الخارج فجأة.لم تكن أصوات حديثٍ عادي ، بل صرخات حادة ممزقة، ترتفع ثم تنقطع، قبل أن تعود أشد وأقرب، كأن الجدران الخرسانية تعجز عن حبس الرعب الذي يدور خلفها.انتفضت ماسة من مكانها.لكن جسدها المنهك لم يطاوعها .بقيت جالسة على الأرض الباردة لثوانٍ طويلة، تلتقط أنفاسها بصعوبة بينما كانت تلك الصرخات تتردد في أذنيها كالسياط.لم تعرف ماذا يحدث في الخارج.لكن شيئاً واحداً فقط قفز إلى ذهنها.ليان.تلك الطفلة الصغيرة.وجهها البريء.يدها الصغيرة التي تشبثت بها يوم وعدتها أنها لن تتركها.انقبض قلبها بعنف ماذا فعلوا بها؟هل كانت تناديها لتنقذها؟هل صدقت أنها ستعود من أجلها؟أغمضت عينيها بقوة.لا تريد التفكير.لكن الأفكار كانت تتسلل إلى رأسها كالسكاكين.منذ دخولها هذا المكان لم ترَ بشراًأو نوراً .لم تعرف إن كان الوقت صباحاً أم مساءً.كل ما عرفته هو الظلام.في البداية حاولت حساب الساعات.تقدير عدد المرات التي وُضع فيها الطعام عند الباب.لكنها فقدت الإحساس بكل شيء سريعاً.أصبحت الأيام والساعات متشابهة.كانت تشعر أحياناً أن الجدران تضيق عليها فتستيقظ مفزوعة لعدم تأكدها إن كانت
انزلقت عجلات الطائرة على المدرج بصوت حادّ، وتلألأت الأضواء المتناثرة خارج النوافذ وسط ظلام المساء الدامس.جلس قاسم في مقعده بهدوء ظاهر، بينما كان عقله يغلي. عليه أن يوقع الرشيد في الفخ. فلن تتكرر هذه الفرصة. إن أضاعها، ضاع معها كل شيء: كل كلمة قالها، كل نظرة تبادلها، كل حركة حسبها بدقة متناهية.وحين فُتحت أبواب الطائرة أخيرًا، بدأ الركاب بالنزول. وقف قاسم أولاً، عدّل أكمام بدلته السوداء بهدوء، ثم حمل حقيبته الجلدية وسار نحو المخرج بخطوات واثقة دون أن يلتفت خلفه. كان يعلم أن عيني الرشيد تتابعانه بيقظة شديدة.★★★داخل صالة الوصول المزدحمة، وقف قاسم قرب أحد الأعمدة الرخامية الضخمة. أخرج هاتفه ونظر إلى الساعة. مرت خمس دقائق، ثم عشر، ولم يظهر السائق الذي كان من المفترض أن ينتظره.تظاهر بالضيق والغضب الواضح، مدركًا تمامًا أن الرشيد يراقبه من الجانب الآخر بفضول ظاهر.تجاهله قاسم تمامًا، وكأن لا وجود له. أمسك هاتفه وأجرى اتصالاً بمعتز، وحالما سمع صوته من الطرف الآخر، صاح بحنق بلغة تركية طليقة:— ماذا؟! تعطلت السيارة ؟! اللعنة ... لا يهم ابق مكانك ... سأتدبر أمري .ضغط على أسنانه في انزعاج
على الجانب الآخر، وعلى قدر ما كان الحزن والهم يثقلان صدر "ماسة" المتعب، إلا أنها رحّبت بكل جوارحها بلقاء "ميرنا"... فقد اشتاقت إليها كثيرًا، وتاقت روحها للاجتماع بها مجددًا، لإحياء ذكرياتهما القديمة ، ولمشاركتها أفراحها وأتراحها كالسابق. شعر قصي بخجلٍ كبير وضيق في نفسه حينما شاهد تردد ماسة وحيرتها
كان جالسًا في عقر غرفتها، يحتضن وسادتها بملء قوته، ويغرق أنفاسه المثقلة في بقايا رائحتها الذكية، وكأنها الملاذ الأخير وآخر خيط واهن يربطه بوجودها. لم يكن مستعدًا إطلاقًا للاعتراف بخسارتها ... ليس بعد. لن يهدأ له بال، قبل أن يعثر عليها؛ قلبه المعذب كان يهمس في أعماقه بإصرارٍ مؤلم ونبض عنيد أنها ق
مستحيل يا قصي ما تفكر به ... أمي لن تحتمل هذا النبأ ... لما لا تنسى امر زواجك منها ... حتى الامس ما زال لديها املا ان تعود الى صوابك وتتراجع عن قرارك ... كيف تطلب مني حمل هذا الخبر اليها . هتفت ميرنا بكلماتها بحنق ... لا يمكنها تخيل ردة فعل والدتها ... يا الهي ... لا تريد حتى التفكير في ردة فعلها
كان يقلب الأوراق التي أعطاها إياها محامي عمته الوحيدة، يقرأ ما كُتب فيها بذهول وصدمة ثقيلتين. والده لم يكن بكامل وعيه حين وافق على هذه الصيغة... أو ربما لم يقرأها أصلًا، ووقّع عليها دون أن يطّلع على محتواها. كانت البنود الواردة في الوثائق تنص على أن تمتلك عمته العزباء، طوال فترة عزوبيتها، حق الان







