Share

الفصل الثامن

Author: Samra
last update publish date: 2026-05-20 14:55:12

تأخر قاسم... وفي غرفتها، جافى النوم عينيها . كانت تتقلب في فراشها كمن يطأ جمراً، والأفكار تنهش عقلها.

في الخارج، شق قاسم عتمة الليل بسيارته متعباً، بعد أن أنهى ترتيبات جنازة الغد. غداً سيودع جثامين والديه ليدفنهما حيث أوصيا. يعزّ عليه فراقهما، لكنها إرادة الله وسنّة الحياة. استقرت في ذهنه كلمات والدته الأخيرة، تلك التي أعاد الله إليها الروح للحظات لتنطق بها، تاركةً إياه مذهولاً: فلم يكن قرار نفيه للخارج نابعاً من قسوتها وحدها.

عاد بذاكرته إلى ذلك اليوم، يوم نال الثانوية العامة بتفوق، حين صارحته والدته بمخاوفها قائلة بحزم:

* "ماذا تعني لك ماسة، يا قاسم؟"

أحس بالحرج، ولم يكن يعلم أن مشاعره مكشوفة إلى هذا الحد، فأجاب بنبرة مهتزة:

* "تعني لي كل شيء يا أمي... أشعر أنها حياتي، وإن اختفت سأموت."

التمعت عينا والدته بالإحباط، وأمسكت يديه بعزم:

* "مشاعرك هذه خطيئة! لا يجب أن تشعر نحوها هكذا. ماسة ليست إلا شقيقتك، ولا يجوز أن تفكر بها بطريقة أخرى."

رد قاسم بغضب مكتوم:

* "أمي، لم أعد طفلاً! شقيقتي (ميس) توفت في ذلك الحادث اللعين، ولن تستطيعي تغيير الحقيقة. لا أدري متى وكيف حدث، لكني أحب ماسة... أحبها كثيراً."

غلف الحزن صوت والدته وهي تجيبه بيأس:

* "الجميع اعترضوا على تبنيها... خالتك، أعمامك، وعمتك. نصحوني ورفضت، لم أستطع رؤيتها تعاني وأتجاهلها، فكل حركات سكناتها كانت تذكرني بميس. والوحيد الذي قبل وتحدى الجميع من أجلي كان والدك. والآن، كلهم ينتظرون سقوطي... فهل ستثبت لهم أنني كنت مخطئة؟"

لأول مرة يفهم قاسم سبب جفاء العائلة. قال بندفاع:

* "فلنرحل إذاً! دعنا نرحل جميعاً. سأتابع دراستي بالخارج، هناك لن يعرفنا أحد، وسأستطيع الزواج من ماسة دون تدخل من أحد."

صدمته والدته بصفعة قاسية أوقفت جنونه، وقالت بحدة:

* "أنت لا تفهم! الجميع هنا، الجيران، الأصدقاء، زملاؤكم في المدرسة يعرفون أنكم أشقاء! هل أنت مستعد لإخبار العالم عن ماضي ماسة؟ عن بيع والدها لها؟ هل ستجعلها تعيش العذاب مجدداً من أجل أنانيتك؟ كل ما حميتها منه تريد تدميره في لحظة؟ هل هذا ما تسميه حباً؟!"

تابع قاسم تذمره، لكنها قاطعتها بحسم:

* "لقد سجلت لك للدراسة في تركيا، وحجزت التذاكر لتسافر هذا الاسبوع."

* "لن أسافر! لن أذهب يا أمي، لن نخسر ماسة لأجل أحد."

تنهدت بأسى، وقالت مهددة بورقتها الأخيرة:

* "إن لم تفعل... سأعيد ماسة إلى والدها الحقيقي."

اتسعت عيناه بصدمة: "والدها السكير؟! هل ستعيدينها إلى الحاوية؟ كيف تصبحين بهذه القسوة؟"

مسحت دموعها وقالت بهدوء بارد: "أنا لا أريد ذلك، أنت من يجبرني... اختر يا قاسم: إما أن ترحل أنت، أو ترحل هي."

---

نفض قاسم عنه تلك الذكريات المريرة وهو يترجل من سيارته. نظر إلى نافذتها، حيث كان النسيم يحرك الستائر بخفة، والضوء ينبعث من غرفتها. تنهد: "هل بكت كثيراً؟ هل تناولت عشائها ؟ لقد كنت قاسياً معها..."

صعد بخطوات منهكة متمتماً: " صبراً جميلاً يا ماسة، فالغد أجمل."

في غرفتها، كانت ماسة قد انتهت للتو من صياغة رسالة لوالدتها تطمئنها فيها أنها بخير، وأنها على وفاق مع قاسم، متعهدة بالتفوق لتنتزع منها وعداً بالرضا. فجأة، أضاءت الغرفة باللون الأحمر معلنةً أن أحداً بالباب.

نظرت إلى الساعة: إنها الثانية بعد منتصف الليل!

تجاهلت الوميض الملحّ، متمنية أن يرحل ذلك "الأحمق المغرور" الذي غيرته الغربة. لكن مقبض الباب تحرك، لتتذكر برعب أنها لم تقفله. دثرت نفسها تحت الغطاء وهي تشتم غباءها.

أحست به يجلس على حافة السرير. أغمضت عينيها بشدة، لكنه أزاح الغطاء عن وجهها. كتمت أنفاسها لتدعي النوم، إلا أن أصابعه امتدت برفق لتخلص شفتها السفلى من بين أسنانها قبل أن تدميها.

فتحت عينيها ببطء لتلتقي عيناها بابتسامته الساخرة المكبوتة.

قال بصوت أجش وأمر:

* "تنفسي!"

زفرت بحرج، ورفعت الغطاء إلى ذقنها، بينما انحدرت نظراته إلى شفتيها:

* "لقد أدميتِ شفتيكِ."

حاول لمسها مجدداً، فأمالت رأسها معترضة، وأشارت بيديها متسائلة:

* "أنا بخير... ماذا هناك؟ ولماذا أيقظتني؟"

غرق قاسم في تفاصيل وجهها الفاتن، متجاهلاً أنه أمضى خمس سنوات يتعلم لغة الإشارة لأجلها، إذ لن يخبرها بذلك حتى لا تشعر بالنقص.

أجابها مدعياً الهدوء:

- أكنت نائمة حقاً ... لم يبدو هذا لي وانتي تقضمين شفتيك بهذه القوة .

شعرت ماسة بالخجل ... رفعت كفها لشفتيها مشيرة ببرود ظاهري :

- انها عادة قديمة ... لا تهتم !

التفت نحو الباب هرباً من رغبته في دفن وجهه بين خصلات شعرها، وقال قبل أن يخرج:

-  "لقد أعددت وجبة عشاء خفيفة، سأكون بانتظارك في الأسفل."

انسحب وأغلق الباب، ليستند بكامل ظهره عليه في الممر، ملتقطاً أنفاسه المتسارعة وهو يهمس بشغف: "أعشقك... يا إلهي كم أحبك."

ظلت ماسة متجمدة. نظراته اخترقت روحها وكشفتها. ارتدت على عجل ثوباً طويلاً وفضفاضاً بأكمام ممتدة وقبة عالية ــ ثوباً كانت قد أهدته لها خالتها البغيضة ولم تكن تطيقه ــ لكنها وجدته اليوم خياراً مناسباً للاحتشام أمام "شقيقها الغريب" الذي تنتظره عروساً في الخارج.

نظرت إلى دب الباندا الخاص بها و فكرت مشيرة بيديها نحوه متظاهرة بأنه قاسم :  "سأتغلب عليك بالتأكيد يا قاسم."

نزلت الدرج بحذر ممسكة بأطراف ثوبها المضحك. لمحها قاسم، فارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة كتمها بصعوبة. تظاهرت باللامبالاة ونظرت إلى الطاولة فلم تجد سوى طبقين من الباستا. جعدت أنفها واشارت بضيق:

- "أنا لا أحب الباستا، كان بإمكانك تناولها وحدك دون إزعاجي في هذا الوقت."

استند قاسم إلى كرسيه ببرود، وقال بعتاب مبطن:

-  "حينما عدت، أملت أن أجدك بانتظاري لنتعشى سوياً. يفترض أنك سيدة هذا المنزل حالياً، وعليك الاعتناء بي كما أوصتك والدتي."

ارتفع حاجباها بدهشة، وأشارت مستفهمة:

-  " أنت لستَ طفلاً  تحتاج للعناية، ومما أرى فأنت يمكنك الاعتناء بنفسك جيداً."

رد بنبرة هادئة:

- "أحقا لا تحبين الباستا؟ هل تريدين أن آخذك إلى مطعم لتناول العشاء؟"

هزت رأسها نفيًا بسرعة تفادياً لمخططاته، وأشارت وهي تسحب كرسيها:

-  "لا داعي لهذا، فأنا لست جائعة على أي حال، كما أنني لست مجبرة على انتظارك وإطعامك."

ابتسم قاسم بمرارة، مراقباً إياها وهي تبدأ في تناول الباستا بنهم رغم ادعائها. أدرك أنها تكذب.

وهي انتهزت الفرصة لتتخذ من طبقها درعا واقيا يحميها منه .

اذ تجنبت نظراته تماما و تظاهرت باستمتاعها بوجبة العشاء .

ادرك قاسم تصرفها و اشتعلت عيناه بغضب مكتوم ووخز مؤلم في قلبه؛ لن يسمح لها أبداً باستبعاده من حياتها... فلا حياة لها بدونه.

نظر الى شعرها المشدود والذي يصرخ مطالبا بالرحمة واطلاق سراحه ... نهض عن مقعده والتف خلفها وبحركة واحدة من اصابعه فك عقدة شعرها وحله كي يسترسل فوق ظهرها بنعومة وكأنها احدى اميرات الخيال .

كتم قاسم انبهاره بصعوبة بينما استدارت ماسة نحوه بنظرات مرتابة متسائلة .

قال متظاهرا بالبرود :

- هكذا تبدين أجمل

ثم تابع وعيناه تنحدر فوق قوامها الجميل :

- لم تعودي طفلة ... كما أظن !

شعرت ماسة بالحرج والارتباك ، بينما استدار قاسم عائدا الى مقعده أمامها ونظراته لا تفارقان وجهها .

غصت ماسة بطعامها وراحت تسعل بقوة ... اعطاها كوبا من الماء فشربت محتواه بسرعة .

وادركت بأن هذه الليلة لن تنتهي دون ان تنهي الطبق امامها .

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • همسات محرمة    الفصل المئة والرابع والثلاثون

    ليست كل السجون جدرانًا من حجر...بعضها يُشيَّد من الحرير والرخام والحدائق المزهرة.وبعض الأقفاص تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ومع ذلك يعجز السجين عن الهرب.فحين يصبح مصيرك ملكًا لغيرك، لا يهم إن كان السوط في يده...أو كانت الوردة.كلاهما قادر على سلب حريتك بالطريقة ذاتها.⭐⭐⭐عادت ماسة بذاكرتها إلى أرض الواقع وهي تتأمل ليان، وشعرت بغصة من الفخر وهي تتأكد من صحة قرارها؛ فعلى الأقل استطاعت أن تنتشلها من ذلك الجحيم. لكن قلبها همس بمرارة:«ولكنكِ أدخلتها جحيمًا آخر».انقبض صدرها، وتمنت بكل ما تملك أن تكون مخطئة. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح؛ فدخل البارون بخطوات هادئة واثقة، تحيطه سلطة صارخة تُعلن أن المكان كله ينتمي إليه.رفعت ليان رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وانعقد الخوف داخل عينيها الصغيرتين.قال بصوته العميق:صباح الخير."Good morning."انحنت ماسة نحو ليان وأشارت إليها بلطف:اذهبي إلى الحديقة، سألحق بكِ بعد قليل.لم تنتظر ليان أكثر من ذلك، بل قفزت من مكانها وانطلقت نحو الباب بفرح واضح. وظلت ماسة تراقبها حتى اختفت عن الأنظار، وعندها فقط التفتت إلى

  • همسات محرمة    الفصل مئة وثلاثة و ثلاثون

    أحيانًا يكون الجحيم مزخرفًا بالذهب والحرير... لكنه يظل جحيمًا.منذ أن خطت "ماسة" خطواتها الأولى داخل هذه الفيلا، وهي مبهورة بكل ما تراه. حتى هذه اللحظة، لم تستوعب أنها هنا لليوم الخامس على التوالي دون تعذيب، أو ترهيب، أو إذلال.كانت تعلم يقينًا بأن "البارون" ليس ذلك الرجل الطيب الذي يدعيه، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يكشر عن أنيابه؛ لذا لم تثق به ثقة عمياء، ولم تأخذ راحتها ولو للحظة واحدة.كانت تأكل بتردد وحذر، بالكاد تتكلم مع أحد أو ترى أحدًا؛ فكل من كانت تراهم حولها ليسوا سوى خدمٍ من شتى الأجناس والأعراق، وهي بينهم كأميرة داخل قصر ممتلئ بالجواري.لم تكن تخرج من غرفتها، ولكنها كانت تحسب الأيام والليالي بانتظار اللحظة التي تتعافى فيها تمامًا وتسترد قوتها، وحينها ستعود لمقاومة جحيمها الجديد...ذلك الجحيم الذي لم يكن هدوؤه يبشر بخير إطلاقًا، بل كان أشبه بالسكون الذي يسبق الزوبعة.اندفعت "ليان" داخل غرفتها بابتسامة خلابة، ملابسها نظيفة فاخرة، وشعرها الأسود الحريري ينساب بنعومة على ظهرها.كانت ليان قد بدأت في التعافي والتأقلم مع المكان أكثر من ماسة، وكأن الروح قد رُدَّت إليها بعد رحلة طوي

  • همسات محرمة    الفصل مئة و اثنان وثلاثون

    بحلول نهاية الأسبوع الثاني، كان الرشيد قد أصبح أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. جلس ذات مساء في جناحه الفاخر بالفندق، مسترخياً فوق الأريكة الجلدية، وأمامه زجاجة ويسكي باهظة الثمن شارفت على الانتهاء. بدا تأثير الكحول واضحاً على ملامحه، فخفّت حذريته المعتادة وبدأ يتحدث بصراحة أكبر. قال وهو يدور الكأس بين أصابعه: — أنا أتعامل مع السيد مباشرة. هو الذي يستلم الفتيات بنفسه، وهو الذي يقرر مصير كل واحدة منهن. لديه شبكة واسعة جداً... بعض الفتيات يأتين من دول مجاورة، وبعضهن محليات يبحثن عن فرصة أو يهربن من ظروف قاسية. لكل واحدة استخدام مختلف... بعضهن للخدمة المنزلية، وبعضهن للمرافقة والترفيه... وبعضهن لأمور أكثر خصوصية. توقف قليلاً، ثم رفع عينيه نحو قاسم وحدق فيه بنظرة فاحصة. — تبدو رجلاً جاداً يا خالد. إن كان لديك طلب محدد، أستطيع ترتيب زيارة لك. لكن السيد لا يثق بالغرباء بسهولة. هو يثق بي ثقة عمياء لأنني أعرفه منذ سنوات طويلة. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتي قاسم بينما أخفى اضطرابه الداخلي ببراعة. قال بلامبالاة متعمدة: — إذا كان ما تقوله صحيحاً... فطلبي بسيط جداً. مال الرشيد نحوه

  • همسات محرمة    الفصل المئة و واحد وثلاثون

    أما في الجهة الأخرى، فقد كانت خيوط اللعبة تتشابك بسرعة أكبر مما توقع الجميع. بينما كان الرشيد يظن أنه يقترب أخيراً من كشف حقيقة الرجل الغامض الذي ظهر في حياته باسم "خالد الزين"، كان شخص آخر يراقب المشهد بأكمله من خلف الستار. معتز. ذلك الشبح الإلكتروني الذي اعتاد التسلل إلى أكثر الأنظمة تحصيناً دون أن يترك أثراً. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الرشيد رحلة البحث عن هوية قاسم، كان معتز يتابع خطواته بصمت، يجمع المعلومات ويربط الخيوط المتناثرة. ولم يكتفِ بالمراقبة فقط، بل تمكن خلال الأيام الماضية من اختراق هاتف الرشيد والوصول إلى مكالماته ورسائله وتحركاته كافة. لذلك، عندما التقط قاسم هاتفه ودعا الرشيد إلى العشاء في الفندق، لم يكن ذلك الخبر قد وصل إلى الرشيد وحده. كان معتز قد سمع المكالمة كاملة. جلس أمام شاشاته المضيئة في غرفة العمليات السرية، وعيناه مثبتتان على البيانات المتدفقة أمامه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد بدأت القطع تتحرك أخيراً نحو أماكنها الصحيحة. ارتدى قاسم بدلة أنيقة بلون رمادي داكن، واعتلت وجهه ابتسامة هادئة صُنعت بدقة لتخفي توتره الداخلي العاصف. في ا

  • همسات محرمة    الفصل المئة وثلاثون

    صدحت الأصوات في الخارج فجأة.لم تكن أصوات حديثٍ عادي ، بل صرخات حادة ممزقة، ترتفع ثم تنقطع، قبل أن تعود أشد وأقرب، كأن الجدران الخرسانية تعجز عن حبس الرعب الذي يدور خلفها.انتفضت ماسة من مكانها.لكن جسدها المنهك لم يطاوعها .بقيت جالسة على الأرض الباردة لثوانٍ طويلة، تلتقط أنفاسها بصعوبة بينما كانت تلك الصرخات تتردد في أذنيها كالسياط.لم تعرف ماذا يحدث في الخارج.لكن شيئاً واحداً فقط قفز إلى ذهنها.ليان.تلك الطفلة الصغيرة.وجهها البريء.يدها الصغيرة التي تشبثت بها يوم وعدتها أنها لن تتركها.انقبض قلبها بعنف ماذا فعلوا بها؟هل كانت تناديها لتنقذها؟هل صدقت أنها ستعود من أجلها؟أغمضت عينيها بقوة.لا تريد التفكير.لكن الأفكار كانت تتسلل إلى رأسها كالسكاكين.منذ دخولها هذا المكان لم ترَ بشراًأو نوراً .لم تعرف إن كان الوقت صباحاً أم مساءً.كل ما عرفته هو الظلام.في البداية حاولت حساب الساعات.تقدير عدد المرات التي وُضع فيها الطعام عند الباب.لكنها فقدت الإحساس بكل شيء سريعاً.أصبحت الأيام والساعات متشابهة.كانت تشعر أحياناً أن الجدران تضيق عليها فتستيقظ مفزوعة لعدم تأكدها إن كانت

  • همسات محرمة    الفصل مئة وتسعة وعشرون

    انزلقت عجلات الطائرة على المدرج بصوت حادّ، وتلألأت الأضواء المتناثرة خارج النوافذ وسط ظلام المساء الدامس.جلس قاسم في مقعده بهدوء ظاهر، بينما كان عقله يغلي. عليه أن يوقع الرشيد في الفخ. فلن تتكرر هذه الفرصة. إن أضاعها، ضاع معها كل شيء: كل كلمة قالها، كل نظرة تبادلها، كل حركة حسبها بدقة متناهية.وحين فُتحت أبواب الطائرة أخيرًا، بدأ الركاب بالنزول. وقف قاسم أولاً، عدّل أكمام بدلته السوداء بهدوء، ثم حمل حقيبته الجلدية وسار نحو المخرج بخطوات واثقة دون أن يلتفت خلفه. كان يعلم أن عيني الرشيد تتابعانه بيقظة شديدة.★★★داخل صالة الوصول المزدحمة، وقف قاسم قرب أحد الأعمدة الرخامية الضخمة. أخرج هاتفه ونظر إلى الساعة. مرت خمس دقائق، ثم عشر، ولم يظهر السائق الذي كان من المفترض أن ينتظره.تظاهر بالضيق والغضب الواضح، مدركًا تمامًا أن الرشيد يراقبه من الجانب الآخر بفضول ظاهر.تجاهله قاسم تمامًا، وكأن لا وجود له. أمسك هاتفه وأجرى اتصالاً بمعتز، وحالما سمع صوته من الطرف الآخر، صاح بحنق بلغة تركية طليقة:— ماذا؟! تعطلت السيارة ؟! اللعنة ... لا يهم ابق مكانك ... سأتدبر أمري .ضغط على أسنانه في انزعاج

  • همسات محرمة    الفصل الرابع والستون

    على الجانب الآخر، وعلى قدر ما كان الحزن والهم يثقلان صدر "ماسة" المتعب، إلا أنها رحّبت بكل جوارحها بلقاء "ميرنا"... فقد اشتاقت إليها كثيرًا، وتاقت روحها للاجتماع بها مجددًا، لإحياء ذكرياتهما القديمة ، ولمشاركتها أفراحها وأتراحها كالسابق. شعر قصي بخجلٍ كبير وضيق في نفسه حينما شاهد تردد ماسة وحيرتها

  • همسات محرمة    الفصل الثالث والستون

    كان جالسًا في عقر غرفتها، يحتضن وسادتها بملء قوته، ويغرق أنفاسه المثقلة في بقايا رائحتها الذكية، وكأنها الملاذ الأخير وآخر خيط واهن يربطه بوجودها. لم يكن مستعدًا إطلاقًا للاعتراف بخسارتها ... ليس بعد. لن يهدأ له بال، قبل أن يعثر عليها؛ قلبه المعذب كان يهمس في أعماقه بإصرارٍ مؤلم ونبض عنيد أنها ق

  • همسات محرمة    الفصل الثاني و الستون

    مستحيل يا قصي ما تفكر به ... أمي لن تحتمل هذا النبأ ... لما لا تنسى امر زواجك منها ... حتى الامس ما زال لديها املا ان تعود الى صوابك وتتراجع عن قرارك ... كيف تطلب مني حمل هذا الخبر اليها . هتفت ميرنا بكلماتها بحنق ... لا يمكنها تخيل ردة فعل والدتها ... يا الهي ... لا تريد حتى التفكير في ردة فعلها

  • همسات محرمة    الفصل الواحد و الستون

    كان يقلب الأوراق التي أعطاها إياها محامي عمته الوحيدة، يقرأ ما كُتب فيها بذهول وصدمة ثقيلتين. والده لم يكن بكامل وعيه حين وافق على هذه الصيغة... أو ربما لم يقرأها أصلًا، ووقّع عليها دون أن يطّلع على محتواها. كانت البنود الواردة في الوثائق تنص على أن تمتلك عمته العزباء، طوال فترة عزوبيتها، حق الان

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status