LOGINاستيقظت ماسة مع أول خيوط الصباح، حين تسلل الضوء من بين الستائر واستقر على وجهها.فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في السقف قبل أن تلتفت إلى جانبها.كان قاسم قد غادر السرير.رفعت رأسها قليلًا، تبحث عنه بعينيها، ثم وصلها صوت الأواني من الأسفل، وتسللت إلى أنفها رائحة القهوة والطعام.نهضت، رتبت شعرها على عجل، ثم غادرت الغرفة.وحين وصلت إلى المطبخ، وجدته يقف أمام الموقد بأكمام قميصه المرفوعة، يعد الإفطار بهدوء، وكأن ليلة الأمس لم تترك بينهما أي ثقل.التفت إليها وابتسم.— صباح الخير.— صباح الخير.تأملها لحظة، ثم قال:— هل أوقظتك رائحة الطعام؟ابتسمت بخجل.— بل القهوة.ضحك وأشار إلى الطاولة.— اجلسي قبل أن تبرد.جلست، وما إن وضع الطعام أمامها حتى اتسعت عيناها.خبز طازج، بيض، جبن، فواكه، وعصير، إلى جانب كوب القهوة الذي تحبه.قالت بإعجاب:— أنت جيد جدًا في الطبخ.جلس أمامها بثقة مصطنعة.— يبدو أنني اكتشفت موهبة جديدة.ضحكت، فابتسم لها.بدأا تناول الإفطار وسط أجواء هادئة، حتى قال قاسم:— بالمناسبة، لدي الكثير من الأعمال المتراكمة. بعض الأمور تأجلت بسبب الأيام الماضية، وعليّ أن أنهيها اليوم.
كان يترقب خروجها من الحمام بصبرٍ ثقيل. يعرف أن ما أخّرها كل هذا الوقت لم يكن الاستحمام، بل ما ينتظرها بعد أن يُفتح ذلك الباب. وحين سمع صوت القفل، تأهبت حواسه كلها. ظهرت ماسة ببطء، والتوتر يسبق خطواتها. توقفت في منتصف الغرفة، تطوق جسدها بذراعيها، وكأنها تحاول أن تحمي نفسها من أطياف ماضٍ لم يغادرها بعد. كان الضوء خافتًا، ورائحة الورد والمسك تملأ المكان، وكل شيء حولها يوحي بليلة يفترض أن تكون جميلة. لكن قلبها لم يعرف كيف يصدق ذلك. نظر إليها قاسم طويلًا، ثم قال بهدوء: — تعالي. لم تتحرك. ابتسم ابتسامة صغيرة وربت إلى جواره فوق السرير. — اقتربي... ألا تثقين بي؟ رفعت عينيها إليه. كان في نظرته ما منحها الشجاعة لتخطو نحوه أخيرًا. جلست على حافة السرير، تاركة بينهما مسافة صغيرة، كأنها آخر ما تملك من أمان. لم يقترب قاسم أكثر. مد يده ببطء، ولمس أطراف أصابعها. — ماسة... التقت عيناها بعينيه. — أحبك. ابتلعت ريقها، ثم همست: — وأنا أيضًا. كانت كلمتين صغيرتين، لكنهما مرّتا في صدره كشيء يشبه النجاة. رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها ببطء، تاركًا لها دائمًا فرصة التراجع. لم تتراجع. اقترب من
راقبته حتى أُغلق الباب خلفه.وبمجرد أن اختفى عن عينيها، أطلقت ماسة نفسًا مرتجفًا لم تكن تعلم أنها تحبسه.وقفت بسرعة.نزعت ثوبها بتوتر، ثم فتحت الخزانة المخصصة لملابس النوم.وتوقفت.اتسعت عيناها.حدقت في الملابس الموضوعة في الواجهة.— هازال...تمتمت في سرها بغيظ.كان واضحًا أن هازال قررت أن تخوض معركة خاصة بها في هذه الليلة.قلبت قطعة تلو أخرى، وكل واحدة جعلت وجهها يزداد احمرارًا.عضت شفتها.— يا إلهي... ماذا يفترض بي أن أرتدي؟لم تجد أمامها خيارًا تشعر معه بالأمان.وبلا تردد، فتحت خزانة قاسم.كانت ملابسه مرتبة بعناية.حالما سمعت صوت تدفق الماء يتوقف سارعت لاختيار احد قمصانه الطويلة الواسعة ارتدته على الفور قبل خروجه من الحمام، ثم ركضت تجلس مقابل المرآة تسرح شعرها بهدوء لا تشعر به اطلاقاً .بدأت تمشط شعرها بهدوء مصطنع.كأن شيئًا لم يحدث.كأن قلبها لا يكاد يقفز من صدرها.انعكس باب الحمام في المرآة.ثم انفتح.خرج قاسم.توقفت يدها.حبست أنفاسها.كان قد أخذ حمامه، وشعره الرطب يقطر منه الماء، وخصلاته الداكنة التصقت قليلًا بجبهته. كانت قطرات الماء تنساب على بشرته البرونزية، فيما تفوح من جسد
ما إن أُغلق باب الغرفة خلفهما، حتى شعرت ماسة بأن ضجيج العالم كله قد انطفأ دفعة واحدة.حلّ الليل بثقله الهادئ فوق المنزل، وتسللت أضواء المدينة من بين ستائر النافذة، ترسم خيوطًا فضية على أرض الغرفة. كان كل شيء من حولها هادئًا بصورة أربكتها أكثر؛ السرير المرتب، والزهور البيضاء المتناثرة فوقه، ورائحة العطر الخافتة التي بقيت عالقة في الهواء منذ أن أعدّت هازال الغرفة لهما.لم يبقَ سوى الصمت.وصوت أنفاسها المتسارعة.وقاسم... يقف أمامها.رفعت عينيها إليه للحظة، ثم أسرعت تخفضهما، ونهضت عن حافة السرير بتوتر واضح، كأنها لا تعرف أين تضع يديها ولا كيف ينبغي لها أن تتصرف الآن.كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي.انتظرتها.حلمت بها.لكنها حين أصبحت حقيقة، لم تجد في داخلها ذلك الاطمئنان الذي ظنت أنها ستشعر به.وجدت خوفًا.خوفًا لا علاقة له بقاسم نفسه، بل بكل ما سبقه.بكل يد امتدت إليها دون رحمة.بكل لحظة أُجبرت فيها على شيء لم تختره.وبذلك السؤال المرعب الذي ظل يلاحقها منذ أن بدأت تتعافى:ماذا لو لم تكن كما يتوقعها؟ماذا لو رأى آثار ما حدث لها، أو شعر بعجزها، أو لم يستطع أن يفهم لماذا يرتجف جسدها أحيانًا
كانت ميرنا تتقدم نحوها بسعادة ممزوجة بالخجل، وخلفها كانت والدتها تسير جنبا الى جنب مع خالة قاسم ( شقيقة حنان ) . التفتت ماسة إلى قاسم بذهول. لم تتوقع أن ترى أحدًا من ماضيها في هذه الليلة. لكن هؤلاء كانوا أجمل ما تركه ذلك الماضي في قلبها. اغرورقت عيناها بالدموع، وفتحت ذراعيها لتستقبل ميرنا في أحضانها. — اشتقت لك كثيرًا... همست ميرنا بصوت مخنوق بالبكاء: — إياكِ والبكاء... ستفسدين زينتك! ضحكت ماسة من بين دموعها، التي لم تستطع منعها من الانهمار. ثم انتقلت إلى والدة ميرنا، التي بدت خجلة ومترددة قليلًا، قبل أن تفتح ماسة ذراعيها وتأخذها في حضنها دون تردد . همست المرأة قرب أذنها: — سامحيني يا ابنتي... لم أقصد أن اقسو عليك ... شدت ماسة على يديها برفق، وهزت رأسها. — لم أغضب منك يومًا... كنتِ دائمًا كأم ثانية لي. اغرورقت عيناها بالدموع، و ارتسمت على وجهها ابتسامة امتنان. قبل أن تفسح المجال لخالة قاسم. وما إن رأتها ماسة حتى شعرت بشيء دافئ يغمر قلبها. كانت ملامحها تحمل شيئًا من والدتها حنان... دفء احتضانها، وابتسامتها، والطريقة التي نظرت بها إليها. استكانت ماسة بين ذراعيها، وهمست:
كانت ليلة الزفاف مختلفة عن كل ما حلمت به ماسة يومًا. لم تكن صاخبة كما تخيلت حفلات الزفاف في طفولتها، ولا مزدحمة بالوجوه التي لا تعرفها. كانت أشبه بحلم هادئ... جميل أكثر مما ينبغي. منذ ساعات العصر، بدأت القاعة تتلألأ تحت أضواء ذهبية ناعمة، تتدلى من السقف كنجوم صغيرة، بينما اصطفت الورود البيضاء على جانبي الممر الطويل المؤدي إلى المنصة. لم يكن في المكان شيء مبالغًا فيه. كل تفصيلة بدت مختارة بعناية، كأن شخصًا ما حفظ أمنياتها الصغيرة واحدةً واحدة، ثم قرر أن يحولها إلى ليلة كاملة. وقفت ماسة أمام المرآة، تحدق في انعكاسها بصمت. كان الفستان الأبيض ينساب حول جسدها برقة، تتخلله خيوط ذهبية دقيقة تلتقط الضوء مع كل حركة. أما شعرها الأسود الطويل، فصُفف بعناية، وانسدلت بعض خصلاته الناعمة حول وجهها، بينما زينت أذنيها أقراط صغيرة لامعة. لم تتعرف إلى نفسها للحظات. رفعت يدها إلى صدرها. كان قلبها يخفق بسرعة. لكنه لم يكن خوفًا هذه المرة. كان شيئًا آخر... شيئًا يشبه رهبة الوصول بعد رحلة طويلة. اقتربت هازال منها، وابتسمت عبر المرآة. — جميلة. ابتسمت ماسة بخجل. — أشعر أنني امرأة أخرى. ضحكت هاز
أمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة. اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريق
منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء
كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال
كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل







