LOGINلم تستطع رهف أن تبعد عينيها عن الصورة.
كأن الزمن توقف. وكأن كل الأصوات من حولها اختفت فجأة. لم تعد تسمع الانفجارات. ولا صوت الرياح. ولا حتى دقات قلبها. فقط تلك المرأة. المرأة التي تحمل الطفلة بين ذراعيها. امرأة لم ترها من قبل. ومع ذلك... شعرت بشيء غريب يجذبها إليها. شيء عميق. ومؤلم. همست بصوت مرتجف: "مين دي؟" --- الرجل الغريب لم يجب فورًا. ظل يراقب ملامحها. وكأنه ينتظر رد فعل معين. شيئًا يعرفه هو ولا تعرفه هي. ثم قال بهدوء: "سؤال جميل." "بس السؤال الأهم..." اقترب خطوة. "...هو ليه محدش قالك عنها؟" --- شعرت رهف ببرودة تسري في جسدها. أما الفتاة الغامضة فكانت ترتجف. وكأنها تعرف هذا الرجل جيدًا. وتخافه أكثر مما تخاف كمال نفسه. --- قالت بسرعة: "ما تسمعيش كلامه." --- لكن الرجل ضحك. ضحكة قصيرة. باردة. ثم نظر إليها. "ما زلتي غبية زي زمان." --- تغير وجه الفتاة. وكأن الجملة أعادتها إلى ذكرى مؤلمة. --- أما رهف... فبدأت تشعر أن كل شخص حولها يعرف شيئًا عنها. كل شخص... إلا هي. --- في هذه الأثناء... على الجانب الآخر من الحطام. --- كان يوسف يضرب القطع الخرسانية بيديه. غير مبالٍ بالدماء التي تغطي أصابعه. ولا بالألم الذي يشتعل في كتفه. --- محسن أمسكه من ذراعه بعنف. "يوسف!" --- استدار إليه. وعيناه حمراوان من الغضب والخوف. --- "سيبني!" --- "إنت هتموت كده!" --- صرخ يوسف لأول مرة: "وأعمل إيه؟!" "أقف أتفرج عليها وهي هناك؟!" --- ساد الصمت للحظة. --- حتى إبراهيم توقف عن محاولة فتح الممر الجانبي. ونظر إليه. --- كانت هذه هي الحقيقة. الحقيقة التي لم يعد أحد يستطيع إنكارها. --- يوسف لم يكن مستعدًا لخسارة رهف. مهما كان الثمن. --- تنهد إبراهيم ببطء. ثم قال: "في مخرج تاني." --- التفتت إليه الأنظار فورًا. --- "فين؟" سأل يوسف بسرعة. --- أشار إبراهيم نحو نفق قديم نصف مدفون خلف الحطام. --- وقال: "النفق ده كان جزء من المشروع." --- تجمد الجميع. --- حتى الآن... ما زالت الأسرار تخرج من كل زاوية. --- لكن يوسف لم يهتم. --- إذا كان هناك طريق يوصل إلى رهف... فسيسلكه. حتى لو قاده إلى الجحيم نفسه. --- أما في الجهة الأخرى... --- كانت رهف لا تزال تحدق في الصورة. --- ثم رفعت رأسها. ونظرت إلى الرجل الغريب. --- "إنت مين؟" --- ابتسم. --- وقال: "أنا الشخص اللي ضاع عمره كله بسبب اللي حصل ليلة ولادتك." --- ارتجف قلبها. --- "إيه اللي حصل؟" --- اختفت الابتسامة من وجهه. لأول مرة. --- ثم قال: "اتسرقت طفلة." --- شعرت رهف أن الدم تجمد في عروقها. --- "واتدفنت الحقيقة." --- ابتلعت ريقها بصعوبة. --- أما الفتاة الغامضة... فأغلقت عينيها بيأس. وكأنها تعرف ما سيأتي بعد ذلك. --- اقترب الرجل خطوة أخرى. --- "والطفلة دي..." --- رفع الصورة أمام وجه رهف. "كانت إنتِ." انكمشت أنفاسها. شعرت وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميها. لا. مستحيل. هذا جنون. هذا كذب. هذا... لكن قبل أن تنطق بكلمة واحدة... انطلقت رصاصة من مكان مجهول. واخترقت الهواء بسرعة مرعبة. ثم استقرت في صدر الرجل الغريب. اتسعت عيناه بصدمة. وترنح للخلف. وسقطت الصورة من يده. صرخت رهف. بينما انهار الرجل على الأرض. وقبل أن يفقد وعيه... رفع يده المرتجفة. ووضع شيئًا صغيرًا داخل كف رهف. ثم همس بكلمات بالكاد سُمعت: "ابحثي... عن ليلى." وأغلق عينيه. في اللحظة نفسها... تردد صوت خطوات قادمة من الظلام. خطوات بطيئة. واثقة. ثم خرج صاحبها إلى الضوء. وعندما رأت الفتاة الغامضة وجه القادم... شهقت. أما رهف... فشعرت أن قلبها توقف. لأن القادم لم يكن سوى... كمال. لكن هذه المرة... لم يكن وحده. كانت بجانبه امرأة أنيقة في الخمسينات من عمرها. امرأة كانت تشبه رهف بشكل صادم. أكثر من أي شخص رأته في حياتها. ابتسمت المرأة وهي تنظر إلى رهف. ثم قالت والدموع تلمع في عينيها: "كبرتِ يا ابنتي." سقطت الكلمات على رهف كالصاعقة. تجمدت في مكانها. لم تستوعب ما سمعته. ولم تستطع تصديق ما تراه. كانت المرأة تقف أمامها بثبات، وعيناها ممتلئتان بشيء يشبه الشوق القديم. شوق سنوات طويلة. شوق شخص فقد شيئًا عزيزًا وظل يبحث عنه عمرًا كاملًا. أما رهف فكانت تنظر إليها وكأنها ترى انعكاسًا مشوهًا لنفسها. نفس شكل العينين تقريبًا. نفس الابتسامة الخفيفة. حتى طريقة الوقوف كانت مألوفة بشكل غريب. تراجعت خطوة للخلف. ثم خطوة أخرى. وقالت بصوت مرتجف: "لا..." لكن المرأة لم تتحرك. لم تحاول الاقتراب. اكتفت بالنظر إليها. وكأنها تخشى أن تهرب إذا اقتربت أكثر. قالت بهدوء: "عارفة إنك مش هتصدقيني." "وعارفة إن عندك ألف سؤال." "لكن أقسم لك إن أول مرة شفتك فيها بعد السنين دي كانت من دقائق." شعرت رهف أن رأسها يدور. كل دقيقة تمر كانت تضيف صدمة جديدة فوق التي قبلها. منذ ساعات فقط كانت تظن أن أكبر أسرار حياتها تتعلق بمشروع القلب. أما الآن... فهي لا تعرف حتى من تكون. رفعت عينيها نحو كمال. كان يراقب المشهد بصمت. بهدوء مستفز. وكأنه يستمتع بالفوضى التي صنعها. قالت بغضب: "إنت عامل كل ده ليه؟" ابتسم كمال ابتسامة خافتة. وقال: "لأن الحقيقة لا يمكن دفنها للأبد." قاطعه صوت حاد من الخلف. "ولا يمكن استخدامها كسلاح." التفت الجميع. وفي نهاية الممر ظهر يوسف. وجهه شاحب من النزيف. وكتفه المصاب مغطى بالدماء. لكنه كان واقفًا. وعيناه مثبتتان على رهف فقط. في اللحظة التي رأته فيها شعرت رهف بشيء ينفك داخل صدرها. شيء كان مشدودًا بقوة منذ انفصالهما خلف الحطام. اقترب يوسف بسرعة. غير مبالٍ بالسلاح الموجه نحوه. ولا برجال كمال. ولا بالخطر المحيط بهم. حتى وصل إليها. نظر إلى وجهها. ثم لمس خدها برفق. وكأنه يتأكد أنها حقيقية. وأنها بخير. همس: "إنتِ كويسة؟" لم تعرف رهف لماذا امتلأت عيناها بالدموع فجأة. لكنها أومأت بصمت. تنفس يوسف أخيرًا. كأنه كان يحبس أنفاسه طوال الفترة الماضية. ولم يترك يدها. بل شد عليها أكثر. كأنه يخشى أن تختفي مرة أخرى. راقبت المرأة ذلك بصمت. ثم ظهرت ابتسامة حزينة على وجهها. وقالت: "هو بيحبك فعلًا." نظر إليها يوسف بحدة. لكن المرأة لم تبدُ منزعجة. بل قالت: "والظاهر إنك بتحبيه بنفس القدر." احمر وجه رهف فورًا. أما يوسف فبقي صامتًا. لأن الحقيقة كانت واضحة أكثر مما يجب. قطع كمال اللحظة بصوت بارد: "للأسف، المشاعر مش هتغير اللي جاي." تحولت الأنظار إليه. فأخرج جهازًا صغيرًا من جيبه. ثم ضغط زرًا عليه. في اللحظة نفسها اهتز هاتف مصطفى الموجود في الجهة الأخرى من المبنى. وبعد ثوانٍ قليلة دوى صوت انفجار بعيد. تلاه آخر. ثم ثالث. تبادل الجميع النظرات بقلق. قال إبراهيم بحدة: "إنت عملت إيه؟" رفع كمال نظره إليه. وأجاب بهدوء: "بدأت المرحلة الأخيرة." شعر مصطفى بأن الدم انسحب من وجهه. وقال بصوت خافت: "مستحيل..." نظر إليه كمال مباشرة. ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء: "الخزنة اتفتحت." ساد الصمت. لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة. بل صمت رعب. رعب حقيقي. لأن الجميع يعرف ما تعنيه تلك الكلمات. الخزنة. السر الذي ظل مخفيًا أكثر من عشرين عامًا. الشيء الذي مات أشخاص كثيرون لمنع الوصول إليه. اقترب كمال خطوة. وقال: "وأخيرًا... هتعرفوا الحقيقة الكاملة عن ليلة الميلاد." شعرت رهف بأن قلبها توقف. أما يوسف فشد على يدها بقوة أكبر. في حين أغمض مصطفى عينيه وكأنه تلقى حكمًا بالإعدام. لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد. لأن الهاتف سقط من يد أحد رجال كمال أثناء الفوضى. وأضاءت شاشته للحظة. التقطت رهف الصورة الظاهرة دون قصد. صورة قديمة. فيها طفلان صغيران. يوسف... ورهف. لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقها لم يكن الصورة نفسها. بل التاريخ المكتوب أسفلها. الصورة التُقطت قبل أن تتعرف على يوسف بسنوات طويلة. قبل أول لقاء بينهما. وقبل أن يفترض أنهما التقيا أصلًا. رفعت الهاتف بيد مرتجفة. ونظرت إلى يوسف. ثم إلى الصورة. ثم همست: "إحنا... كنا نعرف بعض قبل كل ده؟" اتسعت عينا يوسف بصدمة. أما كمال... فابتسم. وقال بهدوء مخيف: "لا." ثم توقف لحظة. وأكمل: "أنتم كنتم مع بعض من البداية." وانتهى الفصل على نظرات الذهول التي سيطرت على الجميع، بينما بدأت قطعة جديدة من الماضي تخرج أخيرًا إلى النور."يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"دي بداية تفعيل المشروع داخلك."سقطت الكلمات كالصاعقة.لكن هذه المرة...لم تكن الصدمة بسبب ما قيل.بل بسبب الطريقة التي نظر بها الرجل إلى رهف.وكأنه لا يرى فتاة.بل يرى سرًا دفن منذ عشرين عامًا.---ظهر العد التنازلي على جميع الشاشات.04:1204:1104:10وكانت الثواني تنزلق بسرعة مخيفة.بينما اهتزت أرضية القاعة من جديد.وتساقطت أجزاء صغيرة من السقف.---تقدمت رهف خطوة للأمام.ورغم الخوف الذي ينهش قلبها، رفعت رأسها بعناد.وقالت:"أنا تعبت."ساد الصمت.فأكملت بنبرة مرتجفة:"كل واحد بيقول نص حقيقة.""كل واحد بيخبي جزء.""وأنا اللي بدفع التمن."ثم أشارت إلى الشاشات حولها."قولوا الحقيقة كاملة."---نظر الرجل الذي يشبه يوسف إليها طويلًا.ثم ابتسم ابتسامة غريبة.ليست ساخرة.وليست باردة.بل حزينة.وكأنه يرى شخصًا يعرفه منذ زمن بعيد.---قال بهدوء:"الحقيقة كاملة هتوجعك."---ردت رهف بسرعة:"أنا عشت عمري كله في وجع.""مبقاش فارق."---في تلك اللحظة...شعر يوسف بشيء يتحرك داخله.ألم غريب.لأن كلماتها لم تكن موجهة للرجل فقط.كانت موجهة للحياة كلها.---نظر إليها.ورأى الإرهاق المختبئ خلف قوتها.س
تم إيقاظ الأصل.كانت العبارة الحمراء تومض على الشاشات المحيطة بهم كنبضات قلب عملاق يحتضر.صفارات الإنذار مزقت السكون.الأضواء الزرقاء تحولت إلى حمراء.والمنشأة بأكملها بدأت تهتز بعنف.لكن رهف لم ترَ شيئًا من ذلك.كل ما رأته كان يوسف.أو بالأحرى... الرجل الذي جلست إلى جواره، وثقت به، وخافت عليه، وتعلقت به دون أن تشعر.كان جاثيًا على ركبتيه وسط القاعة، يضغط رأسه بقوة وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار.ركضت نحوه دون تفكير.هبطت بجواره على الأرض.وأمسكت وجهه بين كفيها."يوسف... بص لي."كان جسده يرتجف.وأنفاسه متقطعة.أما عيناه فكانتا مليئتين بالألم.ألم لم ترَه فيه من قبل.رفع نظره إليها بصعوبة.وقال بصوت مبحوح:"أنا مش عارف أنا مين."كانت الجملة بسيطة.لكنها أصابت قلبها مباشرة.لأنها خرجت من رجل يقف فوق أرض تتهاوى تحت قدميه.رجل اكتشف في دقائق أن حياته كلها قد تكون كذبة.وأن ذكرياته ربما ليست ذكرياته.وأن اسمه نفسه قد لا يكون اسمه.شعرت رهف بغصة مؤلمة.ثم هزت رأسها بقوة."لا."نظر إليها.فأكملت وهي تقترب أكثر:"أنا أعرف إنت مين."ارتجفت شفتاه.كأنها قالت شيئًا لا يصدق.أما هي فأكملت دون ت
بقّى عشر دقائق على بدء المرحلة الأخيرة.تردّد الصوت الآلي في أنحاء المنشأة كأنه حكم نهائي لا يمكن التراجع عنه.وقفت رهف للحظات تحدق في الممرات السفلية حيث اختفى الرجال الذين حملوا آدم.شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها.آدم كان دائمًا أقوى شخص بينهم.الأكثر قدرة على النجاة.فإذا تمكنوا من القبض عليه...فهذا يعني أن خصومهم أقوى مما تخيلوا.إلى جوارها، كان يوسف يراقب المكان بعينين حادتين.ثم قال بصوت منخفض:"لازم نتحرك."أومأت رهف.لكنها لم تبعد نظرها عن الأسفل."مش هنسيبه."التفت إليها يوسف.ورأى الإصرار في عينيها.ذلك الإصرار الذي أصبح يعرفه جيدًا.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم خطورة الموقف.وقال:"عارف."ثم أضاف:"علشان كده لازم نوصل لغرفة الأصل."تحركا بسرعة عبر الممر المعدني.وكانت الاهتزازات تزداد مع كل دقيقة تمر.في بعض الأماكن ظهرت شقوق جديدة في الجدران.وفي أماكن أخرى كانت أنظمة الإضاءة تتعطل تدريجيًا.بدت المنشأة وكأنها تحتضر.وكأنها تستعد لدفن أسرارها معها.بعد دقائق من السير، وصلا إلى بوابة ضخمة لم تكن موجودة على الخرائط التي شاهداها سابقًا.باب معدني هائل.يمتد من الأرض إلى السقف.وفي
ما هو السر الذي يربط رهف ويوسف منذ الطفولة؟ظل السؤال يتردد داخل القاعة حتى بعد اختفاء الصورة.كان الظلام يحيط بهما من كل جانب، بينما بقيت الشاشة السوداء أمامهما كأنها تتعمد تركهما وسط دوامة من الاحتمالات.شعرت رهف بأن قلبها يخفق بسرعة.ليس بسبب الرجل الغامض.ولا بسبب ظهور آدم.بل بسبب ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يكبر داخلها كلما اقتربت من الحقيقة.كأن جزءًا من روحها يعرف الإجابة...لكن ذاكرتها ما زالت ترفض البوح بها.اشتعلت الأضواء الاحتياطية أخيرًا.بخفتوتها المعتادة.فعاد المكان إلى الظهور تدريجيًا.التفتت رهف نحو يوسف.فوجدته شاردًا.ملامحه متجهمة أكثر من المعتاد.وعيناه غارقتان في التفكير.همست:"بم تفكر؟"انتبه إليها فورًا.وكأنه كان بعيدًا جدًا وعاد في اللحظة الأخيرة.تنهد ببطء.ثم قال:"في حاجة مش مريحة."عقدت حاجبيها."إيه هي؟"أجاب وهو ينظر إلى الشاشة المنطفئة:"كل اللي بيحصل حاسس إنه متخطط له."ساد الصمت بينهما.ثم أومأت رهف ببطء.لأنها شعرت بالأمر نفسه.منذ بداية الأحداث وهناك من يدفعهم خطوة بعد خطوة نحو مكان معين.حقيقة معينة.أو ربما مصير معين.---واصلا السير عبر الممر
الضوء داخل المبنى القديم لم يكن ضوءًا عاديًا.كان خافتًا… لكنه ثابت.كأنه لا يأتي من مصباح، بل من مكان أعمق.من ذاكرة المكان نفسه.---رهف خطت خطوة داخل الباب الحديدي.ثم خطوة أخرى.وبمجرد ما دخلت بالكامل…انغلق الباب خلفها بصوت ثقيل.صوت أقرب للحسم منه للإغلاق.---تجمدت في مكانها.التفتت بسرعة.ل
في اللحظة التي انطفأت فيها الأنوار داخل بيت البحيرة…لم يكن الظلام مجرد غياب ضوء.بل كان إعلان بداية.---ارتدت أعين يوسف ومحسن على الصوت القادم من الطابق السفلي.خطوات.سريعة.منظمة.ليست خطوات أشخاص عاديين… بل أشخاص يعرفون المكان جيدًا.يوسف همس:"دول مش جايين يدوروا… دول جايين عارفين هما داخلين
شعرت منار وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.حدقت في المرأة التي جلست أمامها تبكي، غير قادرة على استيعاب الكلمات التي سمعتها منذ لحظات."أنا مش أمك الحقيقية."ترددت الجملة داخل رأسها مرات لا تحصى.لا... هذا مستحيل.هذه المرأة هي التي ربتها، سهرت بجوارها عندما مرضت، احتضنتها عندما بكت، وشجعتها في كل خط
لم يكن الخوف الذي ظهر على وجه مصطفى خوف رجل سمع خبرًا سيئًا.بل خوف رجل كان ينتظر هذا الخبر منذ عشرين عامًا.---ظل يحدق في فؤاد.كأن عقله يرفض استيعاب الكلمات.---ـ مستحيل...خرجت منه بصوت أجش.---أغلق فؤاد باب الغرفة جيدًا.ثم اقترب أكثر.---ـ كنت أتمنى يكون مستحيل.---ـ شفته بنفسك؟---ـ لا.







