LOGINلم تكن ريح الشمال التي هبّت فجأة من وراء المنحدرات الغربية لـ نجع الراوي تحمل رطوبة الصيف المعتادة، بل كانت ريحاً شتوية مبكرة، قارسة، عوت بين فروع أشجار الرمان المحترقة كأنها أنفاسٌ باردة لـ وحش كوني يستعد لابتلاع ما تبقى من كبرياء السرايا. الغبار الرمادي الذي خلّفته الطائرات السوداء كان ما يزال معلقاً في الهواء، يكسو الضوء الباهت للشمس بـ غشاوة نحاسية كئيبة، بينما كانت المدرعات المصفحة التابعة لـ "شاهين السيوفي" تقف كأطياف من الفولاذ الداكن، محاصرةً الباحة الرئيسية بـ صمت مرعب يجمد الدماء في العروق.
في منتصف الساحة، كان "قاسم الراوي" يقف كـ عمود من الجرانيت الأسود الذي لا ينحني أمام العواصف. بـ رغم أن جسده العريض كان ينضح بـ دماء جراحه المفتوحة، وبـ رغم أن سم الخنجر الشناوي كان يغلي في عروق رقبة بارزة كحبال مشتعلة، إلا أن وقفته كانت مستقيمة كالسيف. عيناه الصقريتان لم تطرفا واصل؛ بل كانتا تثبتان على شقيقه الملعون، جلال، الراقد كجثة هامدة، ثم تتحولان نحو الطاغية الجديد "شاهين السيوفي" بـ نظرة وعيد تقطر بـ رغبة عارمة في التدمير والفتك.
تصلبت أصابعه الحديدية حول مقبض بندقيته الآلية الثقيلة، وعروق يده برزت من فرط التملك الشرس والجنون الأعمى الذي تملكه بمجرد أن سمع تهديد شاهين بـ سحبه إلى روما وخطف التوائم الثلاثة. غريزة السلطان تضاعفت في جوفه مائة مرة؛ فـ هو يرى أن أي يد تمتد لـ وردته ليلى أو لـ أرضه هي يدٌ يجب بترها من الجذور، حتى لو كانت مسلحة بـ قوانين المحاكم الدولية بـ إيطاليا.
خطا قاسم خطوة رعدية ثقيلة نحو الأمام، أحدثت صوتاً صاخباً على الرخام المكسور، وزأر بصوت رخيم عميق شق عنان السماء:
ـ "العدالة الدولية والجيوش اللي ع تتحدث عنها يا شاهين الكلب مش ع تعبر بوابات نجع الراوي واصل طالما فيا نَفَس عينبض!! أنا دمرت أسيادك في القاهرة بيدي، والنهار ده لو فكرت تلمس طرف ثوب لـ مرتي ليلى أو لشقيقاتها، فـ أنا ع أفرم رجالك وع أهدم مدرعاتك فوق راسك، وع يكون كفنك تراب الجبل ده للحال النهار ده واصل!!"
وفي ذات الثواني المشحونة بالبارود والترقب، اندفعت "ليلى" بـ خطوات ثابتة ومجلجلة من بين أدخنة النيران الخانقة. العباءة الكشميرية الخاصة بـ قاسم كانت تحيط بـ كتفيها بـ هيبة ملكية، وشعرها الأسود الطويل يطير وراءها كـ راية حرب غاسقة. لم يكن في عينيها الواسعتين أي أثر لـ ذعر أو استسلام واصل؛ بل كان فيهما بريق ثاقب ونور كاسر استمدته من تملك زوجها الشرس.
علمت ليلى بـ ذكائها الصعيدي الأصيل وعنادها أن مواجهة جيش دولي بـ البنادق التقليدية وسط الأنقاض ع تكون انتحاراً شاملاً يُبيد النجع بـ كامله؛ فـ قررت بـ لمح البصر أن تقلب الطاولة على شاهين بـ سلاح لم يحسب له الثعلب حساباً.. سلاح "المؤامرة القانونية المضادة".
وقفت مباشرة بجانب قاسم، ووضعت كفها الصغيرة الناعمة فوق يده القابضة على زناد البندقية لـ تخفضها بـ رفق حاسم أذهل رجال الكوماندوز المحترفين بالخارج. نظرت في عيني شاهين السيوفي الباردة بـ كبرياء زلزل ثقته، وسحبت من طيات ثوبها الأبيض المطرز بـ دماء التار "ملفاً جلدياً أسود مخفياً" كانت نورهان قد أحضرته معها من خزائن الباشا رفعت بـ القاهرة دون أن يلمحه أحد واصل!
ـ "أوراقك وأوامرك الدولية دي بلّها واشرب ميتها يا شاهين بيه واصل!!" هتفت ليلى بـ صوت قوي جهوري ملأ أركان الباحة بـ حسم هز كيان الحاضرين. "النيابة العسكرية العليا بـ مصر مأعندهاش خبر بـ وجودك اهنه، والملف اللي في يدي ده ع يقلي إن 'المنظمة الدولية بـ روما' كانت ع تسرق أموال الدولة المصرية بـ حسابات وهمية مسجلة باسمك واسم رفعت بـ أختام مزورة! أنا أرسلت النسخة الإلكترونية للملف ده للحال مع الحراس لـ مبنى الأمن القومي بالقاهرة بـ الفجر، ووزارة الدفاع بـ مصر ع تتحرك بـ طائراتها للحال لاعتقالك بـ تهمة الخيانة العظمى والتجسس الدولي! إنت مش جاي تأخذ قاسم.. إنت جاي تهرب من حبل المشنقة اللي لفيتوا حول رقبتك بيدك النهار ده!!"
شحب وجه شاهين السيوفي بالكامل لـ ثانية واحدة، وتلاشت ابتسامته الخبيثة الباردة أمام هذه المفاجأة الاستخباراتية القاتلة التي فجرتها البديلة بـ ذكاء فاق كل توقعات المنظمة! التفت نحو رجاله بـ ذعر مريب، وأدرك بـ مكر الأفاعي أن ليلى حطمت حصاره القانوني في ثوانٍ معدودة، وحولته من قاضٍ دولي إلى هارب ملاحق بـ تهمة الخيانة العظمى داخل الأراضي المصرية.
انتهز قاسم ثغرة الارتباك في عيون شاهين؛ وبـ حركة طاغية، مجنونة وسريعة كـ خطف الصقر، اندفع بـ بنيته العضلية الفارهة بـ رغم نزيف جراحه، وقبض بـ يده الحديدية على عنق شاهين السيوفي، وجذبه بـ عنف صاعق نحو الأرض لـ يسقط الطاغية تحت قدميه يتمرغ في التراب والرماد بـ ذل وانكسار أذهل رجال الكوماندوز الذين تجمدوا بـ مكانهم رعباً من زئير السلطان:
ـ "يا هوارة واصل!!" صرخ قاسم بـ صوت رعدي زلزل أركان الجبل الشرقي بالكامل. "المدرعات وال رجال يتحاصروا للحال بـ أسلحتنا الثقيلة! شاهين الكلب بقى أسير جوة داري، واللي ع يفكر يطلق رصاصة واحدة، ع أفرغ دمه في وسط الساحة بيدي للحال الليلة!!"
انقض مئات المقاتلين من رجال الراوي، وعمروا الرشاشات وقاذفات الدروع وصوبوها نحو سيارات المنظمة بـ صرامة لا تعرف الرحمة، مستغلين خطة ليلى التي جردت الأجانب من غطائهم القانوني والدولي في ثوانٍ. وجد رجال الكوماندوز أنفسهم محاصرين بـ طوق من نار وحديد وجبروت صعيدي لا يلين، فـ خفضوا أسلحتهم بـ استسلام وقهر.
التفت قاسم نحو ليلى، وكانت عيناه الصقريتان تشتعلان بـ بركان من العاطفة الجارفة والتملك الجنوني الشرس الذي تخطى كل حدود الكبرياء؛ بـ حركة مجنونة أمام الجميع، سحبها لـ حضنه العريض بـ قوة هائلة كادت تطحن عظام صدرها النحيل، ورفعها عن الأرض وهو يدفن وجهه الحاد في عنقها يستنشق ريح عطرها المخملي الطاغي الممتزج بـ ريحة البارود، وطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة عَمّدت تملكه الأبدي لـ كيانها الذي أنقذ العرين النهار ده بـ دهاء فاق الجبال.
ـ "إنتي مِلكي وسلطانة قلبي وروحي بعهد العشق والحق يا ليلى واصل!!" همس قاسم بـ صوته الرخيم العميق الذي لفحت أنفاسه الحارة وجنتيها بـ لوعة حنان لا يملكها بشر غيره. "النهار ده إنتي وقفتِ قدام المنظمة الدولية بـ عقلكِ وزلزلتي خشم شاهين الخائن.. ومن ليلتنا دي، مفيش قوة فوق الأرض ع تقدر تبعد وردتي عن أحضاني واصل!"
ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد، ووضعت كفيها فوق صدره المليء بالجروح والضمادات، وهمست بـ عشق جارف:
ـ "أنا ماليش عمر ولا مخرج بره حدود ضلوعك يا قاسم.. دارك داري، وعشقي ليك ع يفضل الدرع والسلاح اللي ع يحرق كل خديعة ومؤامرة في الدنيا بحالها."
وفي ذات الساعات المتأخرة من الظهر، حيث كانت خيوط المؤامرة الجديدة لـ بقايا المنظمة الدولية تتشابك في الخفاء البعيد عن النجع، كان المشهد داخل "المعقل السري الإقليمي" بـ مدينة أسوان يغلي فوق صفيح ساخن.
داخل قاعة اجتماعات تحت الأرض، غارقة في ظلال معتمة وتجهيزات تكنولوجية حديثة وشاشات رقمية تتابع حركة الطيران، كان يجلس راجل في الأربعينات من عمره، ذو ملامح أوروبية جافة كالتلج وعيون زرقاء تشع بـ مكر وشيطانية لا ترحم. إنه "الكونت.. ألبيرتو السيوفي".. الابن غير الشرعي لـ جلال السيوفي، والرجل الذي كان يدير خلايا المرتزقة والشركات البحرية لـ تهريب السلاح بـ البحر الأبيض المتوسط بـ إيطاليا، وهو الراس الحقيقي الحركي الباقي للمنظمة بعد سقوط أبيه وعمه شاهين.
كان ألبيرتو يمسك في يده جهاز اتصال لاسلكي عسكري مشفر، وحوله يجلس ثلاثة من كبار قادة المطاريد والمهربين الأجانب الذين يرتدون ثياباً قتالية داكنة.
ـ "شاهين السيوفي سقط بـ فخ البديلة ليلى في نجع الراوي" قال ألبيرتو بصوت هادئ، ناعم كالحرير لكنه حاد وقاطع كالشفرة وهو يتابع الإشارات الرقمية للشاشات بـ دم بارد. "وقاسم الراوي فرض سيطرته بـ القوة على الباحة.. قاسم فاكر إن المنظمة الدولية خلصت بـ موت العواجيز والأوراق القديمة، ما خابرش إن 'الجيش السري الثالث للمنظمة' لسه وافق على الحدود الجنوبية بـ أحدث الغواصات المائية والصواريخ الحرارية الكبرى!"
تقدم أحد القادة الأجانب وسأل بـ نبرة حاقدة:
ـ "وكيف ع تكون خطتك القادمة يا كونت؟ قاسم معاه ميتين مقاتل والتوائم الثلاثة بقوا يد واحدة في السرايا.. الاقتحام المباشر ع يكون انتحاراً لـ رجالنا!"
ابتسم ألبيرتو ابتسامة خبيثة باردة، ووضع دفتراً صغيراً فضياً يحمل شعار "العنقاء" على الطاولة بـ حسم:
ـ "اللعبة المرة دي مش ع تكون ضرب نار واصل في النجع.. اللعبة ع تكون بـ 'تسميم مياه النيل' التي تغذي النجع وبساتين أبو المجد بالكامل بـ مادة كيميائية بيولوجية حديثة هربناها من إيطاليا! المادة دي مأليهاش ريحة ولا طعم، وع تخلي رجال الراوي والتوائم يدخلوا في شلل كامل في ساعات معدودة بدم بارد! وبمجرد ما السرايا تسقط بـ المرض، رجالنا ع ينزلوا بـ الطائرات لـ أخذ ليلى ونورهان والعقود وتصفية قاسم بـ دون إطلاق رصاصة واحدة بكرة الصبح واصل!"
ضرب المهربون كفوفهم بـ شماتة وطاعة، وبدأت الأفاعي الدولية في حشد خلاياها لـ صب السّم البيولوجي في خزانات المياه الرئيسية المغذية لـ نجع الراوي بـ صمت مرعب.
وفي السرايا الكبيرة بـ نجع الراوي، كانت الأجواء غارقة في هدوء مخيف ومفخخ. أُقيمت الخيام الكبيرة في الباحة، وبدأ الحراس في إعادة ترميم الجدران الحجرية المهدومة بـ سواعد قوية، بينما كانت الحاجة نبيلة وفرحة ونورهان يجلسن في جناح الخيمة السفلي يتابعن جراح بعضهن بـ دموع صافية وعزيمة توائم تشابكت بعهد الدم.
داخل الخيمة الملكية الفاخرة لقاسم، كان ضوء الشموع الراقص يعكس ظلالاً ضخمة تعبر عن التملك والسيطرة. قاسم كان يجلس على فراشه العريض بـ جلبابه الأسود المفتوح، وصدره العضل الفاره يظهر الضمادات البيضاء المخضبة بـ دماء جراحه النازفة، وعيناه الصقريتان تشتعلان بـ غيرة شرسة وتملك أعمى بمجرد أن رأى ليلى تدخل إليه وهي تحمل صينية القهوة البكر والطعام الطازج.
كانت ترتدي ثوباً صعيدياً ناعماً من القطن الأبيض، وشعرها الأسود الطويل ينسدل كشلال ليلٍ غاسق فوق كتفيها، ليبرز صفاء بشرتها المخملية وعناد عينيها اللتين لم تنحنيا أمام عواصف النهار.
تقدمت نحوه بـ خطوات وئيدة ثقيلة، ووضعت الصينية جانباً، وجلست أمامها مباشرة فوق الفراش. وبـ أصابع مرتعشة رقيقة، بدأت تمسح العرق والدم عن جبهته وفكه العريض الحاد بـ لمسات حانية تفيض بـ الرومانسية الحارقة والولوع الجارف الذي يعشقه فيها.
ـ "جروحك ع توجعك واصل يا سلطاني؟" همست ليلى بـ نبرة متهدجة تقطر بـ عاطفة هزت كيان المكان. "أنا خايفة عليك من سّم الخنجر الشناوي.. الحكيم ع يقول إنك محتاج راحة، بس إنت عِندك أقوى من الحجر واصل!"
انتفض قاسم بـ جسده الضخم، وبـ حركة طاغية ومجنونة بـ غيرة تملك تغلغلت في أوصاله، قبض على معصمي يديها بـ قوة هائلة اعتصرت أضلعها الصغيرين، وجذبها لـ حضنه العريض بـ عنف جارف دفن معه وجهه الحاد في عنقها ليستنشق ريح عطورها النفاذة التي تمنحه الحياة، وضغط على وشم الوردة المرسوم على يدها بـ شفتيه، وهمس بصوته الرخيم العميق:
ـ "جروحي طابت من يوم ما بقيتِ ملكي وسلطانة داري بعهد العشق يا ليلى واصل!! بس خابرة؟ غيرة السلطان الليلة ع تقلي إن الوردة دي مابقاش ينفع تفكر في أي خطر أو أوراق بره حدود حضني.. إنتي مِلكي.. مِلك قاسم الراوي، وماريدش عين إنس ولا جان تلمح طرف ثوبك في غيابي! مكانك اهنه جوة ضلوعي وتحت حراسة قلبي وسلاحي ليوم الدين واصل!"
ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد يعشقه فيها، وقربت وجهها من شفتيه الحادتين وهمست بـ عشق حارق:
ـ "وأنا راضية بـ سجني وتملكك يا قاسم.. ماليش مخرج ولا حور بره عرينك طول ما فيا نَفَس ع يتنفس في الدنيا."
أنزل قاسم شفتيه ليطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة امتزج فيها طعم العشق بـ جنون الغيرة الشرسة والامتلاك الأعمى، غمرها بـ أحضانه الضخمة لـ ثوانٍ معدودة تلاشت معها برودة الليل وعاصفة الشمال بالخارج، لـ يغرق العاشقان في لحظة من الرومانسية الطاغية التي أنستهم وعيد الأفاعي الكامنة في الخفاء.
امتدت يد ليلى لـ ترفع كوب عصير الرمان الطازج والماء الطازج المخصص لـ قاسم من الصينية لـ تقدمه نحو شفتيه بـ عفوية لـ يشرب ويسترد قوته بعد تعب المعركة الطاحنة.
ولكن، في ذات الثواني الدقيقة والمحبوسة للأنفاس من منتصف الليل الموحش، وقبل أن يلمس الكوب شفتي قاسم بـ إنش واحد، دوت صرخة رعب واعتصار هستيرية وصاخبة من الخيمة المجاورة المخصصة لـ التوائم نورهان وفرحة، متبوعة بـ صوت تحطم القدور النحاسية وجلبة عنيفة زلزلت أركان الباحة بـ شكل مروع حبس الأنفاس!
سقط الكوب من يد ليلى من فرط المفاجأة والذعر، لينسكب الماء فوق الرخام المحطم ويتلون بـ أثر غريب يميل للزرقة النفاذة الخفية (أثر السّم البيولوجي الإيطالي الذي صبه الخونة في الخزانات دون أن يعلم أحد واصل!).
انتفض قاسم كالملسوع من فراشه، وتغيرت ملامحه الدافئة في ثانية واحدة ليحل محلها قناع من الصخر الصلد وعيون صقرية حمراء تقطر بـ رغبة عارمة في الفتك والتدمير لحماية حصنه وعائلته. سحب سلاحه الآلي الثقيل وعمّره بـ صوت حديدي مرعب زلزل كيان الخيمة، ونظر إلى ليلى بـ حسم وتملك أعمى زأر بـ صوت شق سكون الليل:
ـ "اقفلي باب الخيمة من جوة يا ليلى ومتتحركيش واصل!! فيه غدر ع يحصل جوة الدار، وأنا ع أطلع أقطع رقاب الخونة بيدي الليلة!!"
ـ "قاسم!! لاء!! خذني معاك ماريدش أسيبك واصل!" صرخت ليلى بـ رعب وعشق وهي تتشبث بـ جلبابه الأسود الممزق.
دفعها برفق حاسم خلف العمود الخشبي الضخم، وخرج كالإعصار الغاضب الموتور من الخيمة واندفع بـ خطوات رعدية ثقيلة نحو خيمة التوائم، وخلفه ركض العشرات من حراسه الثقات المسلحين بـ لمح البصر.
اقتحم قاسم خيمة التوائم بـ قدمه بـ قوة حطمت سواترها؛ ولـ تقع عيناه الصقريتان على مشهد مرعب وصادم جمد الدماء في عروقه وزلزل كيانه كـ بشر وكـ سلطان لم يختبر هذا الفزع من قبل واصل في حياته بـ أسرها!
كانت "نورهان" و"فرحة" و"الحاجة نبيلة" راقدات على الأرضية، وأجسادهن تتلوى بـ تشنجات عنيفة ومروعة، ووجوههن الفاخرة شحبت بـ لون أزرق قاتل وداكن يفيض بـ أثر المادة البيولوجية المسمومة! وكانوا يلهثون بـ قهر وصعوبة بالغة كأن أنفاسهم تُقطع بـ نصل خفي بدم بارد!
وفي زاوية الخيمة المعتمة، كان يقف أحد الحراس المقربين والثقات لـ عائلة الراوي.. راجل يدعى "عوض السواح".. كان يمسك في يده زجاجة كيميائية فارغة تلتمع بـ شعار "العنقاء" الإيطالي، وعيناه تقطران بـ مكر مسموم وغِل شيطاني بعد أن قبض ثمن خيانته ملايين من الكونت ألبيرتو!
وبـ أصابع ميتة لا تصدر صوتاً، كان عوض يمسك بـ يده الأخرى "جهاز تفجير صغيراً وموقوتاً لاسلكياً" وجهه مباشرة نحو جسد نورهان وفرحة بـ جنون وهستيرية صاخبة، وصاح بـ صوت مرعب شق عنان السماء وجمد القلوب في الصدور:
ـ "المنظمة الدولية بـ روما بعتت كفنكم الليلة يا سلطان الجبل واصل!! السّم البيولوجي دخل عروق أمك وشقيقات مرتك للحال، وجهاز التفجير ده متصل بـ 'عبوة غاز نيتروجين سائل طيار' مدفونة تحت الفراش.. وقدامك تلات ثوانٍ بـ الظبط.. لو مأطلقتش الرصاص على راسك وانتحرت بيدك حالا في وسط الخيمة، فـ أنا ع أضغط على الزر وعأفجر العبوة وعأمحي أمك والتوائم وفرحة من فوق الأرض، وعأخلي ليلى سلطانتك تبكي دم في عرينك المهجور في ثانية واحدة خاطفة للأنفاس!!"
تصلب جسد قاسم الراوي بـ شكل مروع لم يشهده الصعيد بـ أسرها، واشتعل البركان الصاعق والجنون الأعمى في عينيه الصقريتين بـ غيرة تملك شرسة وقاتلة هزت كيان الجبل بالخارج، وقبض على سلاحه بـ أصابع حديدية برزت عروقها كـ حبال مشتعلة بـ الجمر، والعداد التنازلي لـ ذبح روحه وعائلته والتوائم بـ واسطة الخيانة الداخلية وجهاز التفجير!
التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا
كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.
انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟







