LOGIN# الفصل الثاني
## الرجل الذي عرفته الوصية ظلّت يد أوديت معلقة على مقبض الباب للحظة طويلة وكأن الزمن توقف داخل المكتبة لم تعد تسمع همسات الأقارب ولا صوت المطر خلف النوافذ ولا حتى أنفاسها. كل ما كانت تراه هو الرجل الواقف أمامها **لوسيان موريه.** الاسم الذي قلب حياتها قبل دقائق فقط والآن يقف أمامها وكأنه جزء من هذا المكان جزء من السر. وجزء من الوصية. رفعت ذقنها بعناد كانت تكره ذلك الشعور الغريب الذي انتابها منذ دخوله شعور بأنها متأخرة خطوة عنه وكأنه يعرف شيئًا لا تعرفه وأن الجميع يعرفون شيئًا لا تعرفه. قال المحامي بعد لحظات من التوتر: " بما أن السيد موريه وصل أخيرًا، أعتقد أن الاجتماع انتهى. " بدأ الحاضرون بالنهوض لكن أوديت لم تتحرك بقيت تنظر إلى لوسيان أما هو فكان ينظر إليها بهدوء أثار أعصابها أكثر اقترب منها ببطء." آنسة لوران." " لا تناديني هكذا."رفع حاجبه." كيف تريدين أن أناديك إذًا؟ " . . . "لا أريدك أن تناديني أصلًا." ظهرت ابتسامة خفيفة جدًا على طرف فمه اختفت بسرعة حتى كادت تظن أنها تخيلتها. " يبدو أن البداية ليست جيدة. " " البداية؟! " ضحكت بسخرية " أنت تتحدث وكأن هناك تكملة أصلًا." ثم أضافت بحدة: " من أنت؟ " ساد الصمت ثانية ثم قال: " لوسيان موريه." " أعرف اسمك." . . . " إذًا ماذا تريدين أن تعرفي؟ " ضيقت عينيها " كيف تعرف جدي؟ " لأول مرة اختفت ابتسامته بالكامل. بدا وكأنه يزن كلماته بعناية " كانت تربطني به علاقة عمل قديمة." . . . "فقط؟" " فقط." كاذب شعرت بذلك فوراً لا تعرف لماذا لكنها شعرت أنه يخفي شيئًا شيئًا كبيرًا. التقطت حقيبتها " حسنًا، أنا لا أهتم. " ثم تجاوزته واتجهت نحو الباب. لكن صوته أوقفها. " لن تهتمي؟ " استدارت نحوه. " ماذا؟ " قال بهدوء: " إذا كنتِ لا تهتمين حقًا، فلماذا ما زلتِ هنا؟ " شعرت بالانزعاج. لأنه أصاب الهدف كانت تريد المغادرة لكن فضولها كان أقوى من غضبها. كرهت ذلك اقترب منها خطوة." أوديت." كان وقع اسمها غريبًا عندما نطق به وكأنه يعرفها منذ زمن. " ماذا؟" "هل أخبرك جدك يومًا لماذا اختارك تحديدًا؟" تجمدت. سؤال بسيط لكن إجابته لم تكن موجودة هزت رأسها ببطء " لا." نظر إليها لثوانٍ ثم قال: " وأنا أيضًا لا أعرف." كذبة أخرى كانت متأكدة. --- غادرت القصر بعد دقائق لكن عقلها بقي هناك في المكتبة أمام ذلك الرجل. طوال الطريق كانت كلمات الوصية تدور داخل رأسها. *"عليكِ الزواج من لوسيان موريه خلال ستة أشهر..."* ما هذا الجنون؟ هل كان جدها يمزح؟ حتى وهو في قبره؟ وصلت إلى الحديقة الأمامية حيث كانت سيارة الأجرة تنتظرها لكن قبل أن تفتح الباب...سمعت صوتًا خلفها " أوديت." استدارت بانزعاج. كان لوسيان مرة أخرى وكأن هذا اليوم لن ينتهي أبدًا " ماذا تريد الآن؟" توقف على بعد خطوات منها." إلى أين ستذهبين؟"حدقت فيه غير مصدقة. " هل هذا سؤال جدي؟" " نعم." " إلى منزلي بالطبع." أومأ برأسه ثم قال: " لا أنصح بذلك." رفعت حاجبيها." عذرًا؟ ". " القصر أكثر أمانًا حاليًا." ضحكت ، ضحكة قصيرة خالية من المرح " وهل تتوقع مني أن أصدقك؟ " "لا." . . ." ممتاز." ثم فتحت باب السيارة لكن صوته جاء مجددًا هادئًا مختلفًا هذه المرة. " هل تعلمين لماذا لم يوزع جدك الميراث على بقية العائلة؟" توقفت يدها ببطء دون أن تستدير " لماذا؟" ساد الصمت لثانية ثانيتين ثم قال: " لأن هناك أشخاصًا يبحثون عن شيء موجود داخل هذا القصر." استدارت نحوه فورًا." ماذا تقصد؟" . . " لا أعرف التفاصيل كلها." " كاذب." ابتسم ابتسامة باهتة." ربما." اشتعل غضبها." توقف عن التحدث بالألغاز! " " وأنا أنصحكِ بالتوقف عن تجاهلها." قبل أن تتمكن من الرد... رن هاتفه نظر إلى الشاشة ثم تغيرت ملامحه للحظة كانت لحظة صغيرة جدًا لكن أوديت لاحظتها شخص مثله لا يبدو عليه التوتر بسهولة ومع ذلك... بدا متوترًا أغلق الهاتف دون أن يجيب. ثم رفع نظره إليها " ابقي في القصر الليلة." " مستحيل." " أوديت..." " قلت مستحيل. " استدارت ودخلت السيارة وأغلقت الباب بعنف طوال الطريق كانت تحاول إقناع نفسها بأنها اتخذت القرار الصحيح. لكن شيئًا ما كان يزعجها ذلك التحذير وتلك النظرة التي ظهرت على وجهه عندما رن الهاتف وكأن خطرًا ما يقترب. --- حلّ الليل وغرقت باريس في أمطار جديدة. دخلت أوديت شقتها وألقت مفاتيحها على الطاولة أشعلت الأنوار ثم خلعت معطفها أخيرًا هدوء بعيدًا عن الوصايا وبعيدًا عن لوسيان موريه توجهت نحو المطبخ لتعد كوبًا من الشاي. لكنها توقفت فجأة شيء ما كان مختلفًا نظرت حولها النافذة؟ لا الستائر؟ لا ثم رأت الأمر اتسعت عيناها كان باب غرفتها مفتوحًا رغم أنها متأكدة تمامًا من أنها أغلقته صباحًا. تسارعت نبضات قلبها تقدمت بحذر خطوة ثم أخرى حتى وصلت إلى الغرفة ودفعت الباب أكثر. تجمدت في مكانها كل الأدراج كانت مفتوحة الملابس مبعثرة الأوراق على الأرض وكأن شخصًا ما فتش المكان بالكامل شعرت ببرودة تسري في جسدها دخل أحدهم إلى شقتها. لكن الغريب... أنه لم يسرق شيئًا أخذت أنفاسها تتسارع ثم لاحظت شيئًا فوق مكتبها. ورقة بيضاء واحدة لم تكن هناك صباحًا اقتربت ببطء ورفعتها بيد مرتجفة كانت تحتوي على أربع كلمات فقط. **"ابحثي داخل القصر."** شهقت وفي اللحظة نفسها... رن هاتفها قفز قلبها من مكانه نظرت إلى الشاشة المتصل: **لوسيان موريه.** **نهاية الفصل الثاني.**##الفصل الثامن عشرظلّت أوديت تحدّق في الصورة بصمت، كأنها تخشى أن يبدّد أي صوت هشاشة تلك اللحظة. مرّرت إبهامها برفق على حافتها الباهتة، بحركة غريزية أشبه بملامسة ذكرى بعيدة، بينما كان الورق العتيق يحمل آثار الزمن بوضوح؛ ألوانه بهتت، وأطرافه اصفرّت، لكن ملامح الطفلين بقيت واضحة بما يكفي لتُعرَفا.حاولت أن تتذكر أغمضت عينيها لثوانٍ، مستسلمة لذلك الفراغ الذي يسبق انبثاق الذكريات. بحثت في أعماقها عن أي شيء... صوت ضحكة، رائحة الحديقة، خرير ماء النافورة، أو حتى ومضة عابرة من ذلك اليوم لكن لم يأتِ شيء.وحين فتحت عينيها مجددًا، لم تجد سوى الصورة بين يديها... وصمت ذاكرتها همست بصوت خافت، بدا أقرب إلى اعتراف مؤلم منه إلى إجابة:"لا أتذكرها..."ثم رفعت رأسها ببطء نحو مادلين، وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها."لا أتذكر أنني التقيت لوسيان عندما كنت صغيرة."أطرقت مادلين برأسها، وانعكست الحسرة في عينيها قبل أن تجيب برقة:"كان عمركما صغيرًا جدًا."توقفت لحظة، ثم أضافت بابتسامة شاحبة سرعان ما اختفت:"مرت سنوات طويلة منذ ذلك اليوم."عادت أوديت إلى الصورة، وكأنها تأمل أن تمنحها ما عجزت عنه ذاكرتها تأملت تف
##الفصل السابع عشر#ما أخفته مادلينأغمضت مادلين عينيها للحظة، كأنها تحاول أن تعود بذاكرتها إلى زمن كانت تتمنى لو استطاعت محوه من حياتها. بدا واضحًا أن كل كلمة ستنطق بها ستنتزع منها جزءًا من تلك الذكرى التي حملتها بصمت لسنوات طويلة. تنفست ببطء، ثم رفعت رأسها قليلًا. "قبل الحريق... بثلاثة أيام."انخفض صوتها عند الجملة الأخيرة، حتى كاد يضيع وسط السكون الذي خيّم على المكتبة لم تتعجلها أوديت وقفت في مكانها، وعيناها مثبتتان على وجه مادلين، تخشى أن تقاطعها فتضيع منها تفصيلة قد تكون مفتاحًا لكل ما تبحث عنه. أما لوسيان، فظل جالسًا بصمت، إلا أن نظرته لم تغادر مادلين لحظة واحدة. لم يكن في ملامحه ما يكشف عما يدور في داخله، لكنه بدا منصتًا إلى أبعد حد، وكأنه يعرف أن ما سيُقال الآن ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قطعة مفقودة من الحقيقة. تابعت مادلين بعد صمت قصير: "في ذلك اليوم... جاء رجل إلى القصر." خرجت الجملة ببطء، كأنها ما زالت ترى ذلك المشهد أمامها انعقد حاجبا أوديت قليلًا، لكنها لم تتكلم انتظرت كانت تعلم أن مقاطعة الذكرى قد تجعلها تتوقف. مرت لحظات قبل أن تسأل بهدوء: "من كان؟" هزت مادل
## الفصل السادس عشر# ما أخفته مادلين تسللت خيوط الصباح الأولى إلى المكتبة بخجل، بعدما انقشعت الغيوم التي غطت السماء طوال الليل. عبر الضوء الزجاج الطويل للنوافذ، وانعكس فوق الأرضية الخشبية اللامعة، ليرسم خطوطًا ذهبية امتدت بهدوء بين الطاولة والأريكة، بينما كانت آخر قطرات المطر تنساب ببطء على الزجاج قبل أن تسقط إلى الحديقة. لم يبقَ من المدفأة سوى جمرات متوهجة، تنبض بلون أحمر خافت، ترسل دفئًا خفيفًا يكفي لأن يمنع برودة الفجر من التسلل إلى أرجاء المكتبة. تحركت أوديت قليلًا عقدت حاجبيها وهي تشعر بثقل لطيف يستقر فوق كتفيها فتحت عينيها ببطء، ولم تستوعب في البداية أين هي. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ، تحاول أن تستعيد آخر ما تتذكره. المكتبة...الأوراق... دفتر يوميات جدها... وصورة الرجل السادس تذكرت أنها كانت تقرأ، ثم... انقطع كل شيء اعتدلت قليلًا في جلستها، فانزلقت البطانية عن أحد كتفيها. توقفت أنزلت بصرها إليها مررت أطراف أصابعها فوق نسيجها الصوفي الناعم، وكأنها تتحقق من أنها ليست جزءًا من حلم ما زالت عالقة فيه. لم تكن قد أحضرتها معها كانت متأكدة من ذلك رفعت رأسها ببطء، وأخذت تتأمل ال
## الفصل الخامس عشر # تقارب خفي ازدادت حدة المطر مع مرور الوقت لم يعد مجرد خلفية هادئة، بل صار جزءًا من المكان؛ يملأ الفراغات بين الكلمات، ويغسل بصوته الثقيل الصمت الذي عاد ليستقر في المكتبة. ارتفعت ألسنة اللهب داخل المدفأة، فأطلقت دفئًا لطيفًا امتزج برائحة الخشب المحترق والكتب القديمة، تلك الرائحة التي لا توجد إلا في الأماكن التي احتفظت بذكريات أكثر مما احتفظت بالبشر. لم يعد يُسمع سوى صوت تقليب الصفحات وصوت قلم أوديت وهو يتحرك فوق دفتر ملاحظاتها بين الحين والآخر، كانت تدون كلمة، ثم تشطبها بعد ثوانٍ، وكأنها حتى لم تعد تثق بأفكارها. أعادت ترتيب الصور أمامها للمرة العاشرة وضعت صورة الرجل السادس إلى جانب رسالة جدها الأخيرة، ثم بجوار قائمة الأسماء التي عثرت عليها قبل يومين. لا شيء. . . لا شيء يربط بينها بطريقة واضحة وذلك ما كان يقتلها لو كانت الأدلة متناقضة لوجدت سبيلًا لفهمها لكنها كانت تبدو... ناقصة كأن أحدهم تعمد أن يترك لها نصف الحقيقة فقط عضّت طرف قلمها وهي تحدق في الأوراق ثم همست لنفسها: "هناك شيء لا أراه..." رفعت صورة أخرى أمام الضوء قلبتها تفحصت ظهرها أعادت النظر في ا
# الفصل الرابع عشر## شكوك**اليوم السابع منذ قراءة الوصية**كان الليل قد ابتلع آخر خيوط المساء منذ ساعات، ولم يبقَ في الخارج سوى المطر.لم يكن يهطل بعنف، بل بإصرار هادئ، كأنه يعرف أن القصور القديمة تحتفظ بأسرارها أفضل حين ترافقها السماء بالبكاء. كانت قطرات الماء ترتطم بالنوافذ الزجاجية العالية بإيقاع منتظم، بينما كانت الرياح تداعب أغصان الأشجار العتيقة المحيطة بقصر لوران، فتطلق بين الحين والآخر أنينًا خافتًا يشبه همسات أشباح عالقة في الماضي.في الداخل، كانت المكتبة تغرق في دفء المدفأة الحجرية.لهيبها البرتقالي كان ينعكس على رفوف الكتب الممتدة حتى السقف، فيرسم ظلالًا متراقصة فوق المجلدات الجلدية القديمة، وكأن التاريخ نفسه يتحرك بين تلك الجدران.جلسَت أوديت وحدها إلى الطاولة الطويلة التي تتوسط المكتبة.أمامها كانت الفوضى تفرض سيادتها؛ رسائل صفراء أكل الزمن أطرافها، صور فوتوغرافية باهتة، قصاصات جرائد، ملاحظات كتبتها بخط يدها، ودفتر صغير امتلأت صفحاته بالأسئلة أكثر من الإجابات.منذ أسبوع كامل، لم يعد هذا المكان مجرد مكتبة بالنسبة لها بل أصبح غرفة تحقيق ومتاهة وساحة حرب تخوضها ضد ماضٍ يرف
# الفصل الثالث عشر ## الرجل السادس **اليوم السادس منذ قراءة الوصية** لم تنم أوديت تلك الليلة. في الحقيقة... لم تستطع. كلما أغلقت عينيها ظهر أمامها الجدار الحجري. والصورة. والوجه الممزق. والعبارة المكتوبة أسفله. > **"ابحثوا عن الرجل السادس."** كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما استسلمت أخيرًا لفكرة النوم مستحيل. نهضت من سريرها. وفتحت نافذة غرفتها. دخل هواء باريس البارد. حاملًا معه رائحة المطر. وقفت تنظر إلى حدائق القصر المظلمة. محاولة ترتيب أفكارها. لكن الأسئلة كانت أكثر من أن تُرتب. من هو الرجل السادس؟ ومن مزق وجهه من الصورة؟ ولماذا يريد شخص ما أن يجبرها على البحث عنه؟ والأهم... لماذا شعرت أن الجميع يعرفون شيئًا عنه عداها؟ --- في صباح اليوم التالي... اجتمع الجميع في مكتبة القصر. كانت الطاولة ممتلئة بالصور والرسائل واليوميات. وكأنها غرفة تحقيق حقيقية. جلست أوديت أمام الصورة الكبيرة. تحدق في المكان الذي كان يجب أن يظهر فيه الرجل السادس. لكن كل ما بقي كان تمزيقًا متعمدًا. كأن شخصًا ما أراد محو وجوده بالكامل. دخل لوسيان وهو يحمل فنجانين من القهوة. و







