تسجيل الدخولمرّت ثلاثة أيام ثقيلة وكأنها ثلاثة أعوام كاملة.
وخلال تلك الأيام لم يغادر أحد من أفراد العائلة المستشفى إلا للضرورة القصوى، فقد كان الحزن على آسر يخيّم على الجميع، بينما ينهش القلق قلوبهم خوفًا على ياسين الذي ما زال يصارع الموت. كانت حالته غير مستقرة على الإطلاق، يستعيد وعيه لدقائق معدودة ثم يعود من جديد إلى غيبوبته، وكأن روحه عالقة بين عالمين لا تعرف أيهما تختار. جلس الجد في ركن هادئ من الممر، يسند رأسه فوق مقبض عصاه، وقد أثقلت السنوات كاهله أكثر مما فعلت من قبل. بدا وكأنه شاخ عشر سنوات إضافية خلال تلك الأيام القليلة. إلى جواره جلس أبناؤه إبراهيم وعبدالله، بينما كانت رقية تجلس بصمت وعيناها لا تفارقان باب غرفة العناية المركزة. أما محمد، والد آسر وعمر، فكان يبدو كالرجل الذي فقد جزءًا من روحه. لم يعد يتحدث كثيرًا، واكتفى بالجلوس صامتًا يحدق في الفراغ وكأنه ما زال عاجزًا عن استيعاب رحيل ابنه. وقف يوسف إلى جوار عمر الذي كان يحاول التماسك أمام الجميع رغم الألم الذي يعتصر قلبه، بينما كان طارق يحتضن زوجته ليلى بحنان وقلق، بعدما بدأت علامات الإرهاق والتعب الشديد تظهر عليها بوضوح. وفي غرفة أخرى كانت فرح وكوثر ورحمة يجلسن بالقرب من والدة آسر. كانت الأم ممددة فوق سريرها الأبيض بلا حراك، لا تزال غائبة عن الوعي منذ أن تلقت نبأ وفاة ابنها. يتصل بذراعها أنبوب المحاليل، بينما تصدر الأجهزة الطبية حولها أصواتًا منتظمة تزيد المشهد كآبة. لم يكن أحد يتخيل أن المرأة التي كانت تملأ المكان حيوية وفرحًا ستصبح بهذه الصورة خلال أيام معدودة. أما هي... فكانت في عالم آخر تمامًا. منذ دخولها المستشفى لم تتحدث مع أحد تقريبًا، وكأنها فقدت القدرة على التواصل مع من حولها. كانت تنظر إليهم كغرباء لا تربطها بهم أي صلة. حتى عندما كانوا يطلبون منها الذهاب للاطمئنان على ياسين، كانت ترفض بهدوء بارد لا يشبهها، ثم توكل صديقتها بالمهمة بدلًا منها لتتابع أخباره وتنقل لها ما يحدث. لم يجرؤ أحد على لومها. فالجميع يعلم أن ما تمر به أكبر من أن تحتمله روح بشرية. ففي أقل من أسبوعين فقط، كانت تحتفل بزفاف ابنها وتغمره بدعواتها وسعادتها. واليوم... ترقد بين جدران المستشفى بعد أن اختطفه الموت منها دون سابق إنذار، بينما يصارع ياسين مصيره في غرفة العناية المركزة. وكان السؤال الذي يخشاه الجميع يفرض نفسه على القلوب في صمت: هل ستستيقظ لتواجه الحقيقة؟ وهل سينجو ياسين أم أن القدر لم يكتفِ بعد بما أخذه من هذه العائلة؟ ....... كانت جالسة وحدها داخل الغرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها بينما تنهمر الدموع من عينيها بصمت. لم تعد تملك القدرة على البكاء بصوت مرتفع، وكأن الحزن تجاوز مرحلة الصراخ وأصبح وجعًا ساكنًا يستقر في أعماق الروح. رفعت رأسها قليلًا ونظرت إلى الوجوه المحيطة بها خارج الغرفة من خلال الباب الموارب. إنها نفس الوجوه... لم يتغير أصحابها. لكن الزمن مر فوقها تاركًا آثاره. بعض الخصلات البيضاء، والتجاعيد التي حفرتها السنوات حول الأعين، ونظرات الإرهاق التي لم تكن موجودة من قبل. تنهدت بألم وأغمضت عينيها. وفجأة... عاد بها الزمن سنوات طويلة إلى الوراء. إلى ذلك اليوم المشؤوم. كانت لم تكمل عامها السابع عشر بعد. فتاة صغيرة لم تعرف من الدنيا سوى أحلامها البسيطة. لكن القدر كان يخبئ لها يومًا غيّر حياتها بأكملها. رأت نفسها من جديد وسط الزحام. الناس يحيطون بها من كل جانب. والبكاء يملأ المكان. أما هي فكانت تحتضن النعش وكأنه آخر ما تبقى لها في هذه الدنيا. أبوها... حبيبها الأول وسندها الوحيد. كان مسجى داخل ذلك الصندوق الخشبي الذي سيُنقل إلى العاصمة ليوارى الثرى هناك. تذكرت كيف كانت أصابعها الصغيرة ترتجف وهي تلمس الخشب البارد، وكأنها تحاول أن تشعر بوجوده للمرة الأخيرة. كانت تبكي بصمت. تبكي حتى كادت روحها تخرج مع كل دمعة. لكن الألم الحقيقي لم يكن رحيله فقط... بل الكلمات التي تركها خلفه. كلمات ظلت عالقة في ذاكرتها حتى اليوم. كلمات مسمومة مزقت قلب فتاة صغيرة لم تكن تعرف الحقيقة. سمعت صوته يتردد داخل رأسها وكأنه يقف أمامها الآن: "أمك خاينة... أوعي تبقي زيها." أغلقت عينيها بقوة. لكن الصوت لم يتوقف. "أمك طول عمرها كانت بتاخد حبوب منع حمل." ارتجف جسدها وهي تستمع إلى الذكريات التي حاولت دفنها سنوات طويلة. "ما كانتش عاوزة تخلف مني." اختنقت أنفاسها أكثر. ثم جاءت الطعنة الأقسى... "ويوم ما عرفت بحملها كانت عاوزة تقتلك... أمك بتكرهك لأنك مني." فتحت عينيها فجأة وقد انهمرت دموعها بغزارة. لا تعلم حتى الآن أيهما كان أشد قسوة... فقدان والدها في ذلك العمر الصغير... أم تلك الكلمات التي زرعت بداخلها كراهيةً وألمًا لم تستطع التخلص منهما مهما مرت السنوات. ورغم مرور العمر كله... ما زالت تلك الفتاة ذات السبعة عشر عامًا تعيش داخلها، تبكي في ركن مظلم من قلبها، وتبحث عن إجابة لسؤال واحد: هل كانت أمها حقًا كما وصفها والدها... أم أنها عاشت عمرها كله أسيرة كذبة؟ دخلت والدتها إلى الغرفة وهي ترتدي السواد من رأسها حتى قدميها، وقد ارتسمت على وجهها علامات حزن حقيقي لم تستطع إخفاءه. لكن دليدة لم ترَ شيئًا من ذلك. فقد أعمت كلمات والدها المسمومة عينيها عن رؤية أي شيء آخر. كلما نظرت إلى أمها، كانت تسمع صوته يتردد داخل رأسها: "أمك خاينة..." "أمك بتكرهك..." "أمك عمرها ما كانت عاوزاك..." لهذا لم تعد ترى دموعها ولا انكسارها. خرج صوت رقية مبحوحًا من أثر البكاء: — عمك إبراهيم ابن عم باباكي عاوز يدخل يشوفه... وعاوزك معاه. نهضت دليدة متجاهلة وجود أمها تمامًا، وكأن الكلمات لم تخرج من فمها. وما إن رأت إبراهيم حتى أسرعت نحوه وارتمت بين ذراعيه وهي تبكي بحرقة: — بابي مات يا أنكل... بابي خلاص مش هعرف أشوفه تاني... بابي سابني لوحدي. احتواها إبراهيم بحنان أبوي، وربت على ظهرها محاولًا تهدئتها. ثم أبعدها قليلًا وأمسك وجهها بين كفيه قائلاً: — اهدي يا حبيبتي... إنتِ مش لوحدك. إحنا كلنا معاكي. إحنا عيلتك وسندك ورجالتك. انفجرت بالبكاء مجددًا وارتمت على صدره. كانت تتشبث به وكأنها تتشبث بآخر ذكرى من والدها. حتى رائحته كانت تحمل شيئًا يشبه رائحة أبيها. أما حنانه فكان صادقًا لا تشوبه مصلحة أو كذب. ابتعدت عنه على مضض عندما قالت رقية بصوت مختنق: — العربية اللي هتنقله وصلت. أومأ إبراهيم برأسه واتجه نحو النعش. وقف أمامه للحظات طويلة، ثم كشف الغطاء عن وجه ابن عمه. تأمل ملامحه بصمت، وكأن عقله يرفض تصديق أنه يراه للمرة الأخيرة. انحنى وقبّله على جبينه. ثم قرأ الفاتحة بصوت خافت قبل أن يغطي وجهه من جديد. بعدها التفت إلى الرجال وأشار لهم بحمل النعش استعدادًا للعودة به إلى أرض الوطن. وبعد ساعات طويلة من السفر ومراسم الدفن والعزاء... كانت رقية تجلس في باحة الفيلا الواسعة. امتلأ المكان بالنساء اللاتي ارتدين السواد، وجئن لتقديم واجب العزاء. كلمات المواساة تتردد من كل جانب. ودموع الحزن لا تتوقف. لكن وسط تلك الوجوه الحزينة، كانت هناك امرأة تراقبها بنظرات مختلفة تمامًا. نظرات يملؤها الغيظ والحقد. كانت كوثر تحدق بها في صمت وهي تتمتم داخلها: "لسه زي ما إنتِ يا رقية... السنين ما غيرتكيش. ولا الغربة قدرت تطفي جمالك." ضيقت عينيها أكثر عندما لاحظت إحدى الخادمات تقترب من رقية وتهمس لها: — ست رقية... الأوضة اتجهزت زي ما الباشا الكبير أمر. ابتسمت رقية ابتسامة خفيفة شاكرة لها. ثم استأذنت من الحاضرات وصعدت إلى غرفتها. وما إن دخلت حتى أغلقت الباب خلفها. أزاحت حجابها ورباط شعرها، وأطلقت زفرة طويلة شعرت معها أن الدنيا كلها فوق كتفيها. كانت على وشك دخول الحمام حين سمعت طرقًا سريعًا على الباب. ولم تنتظر الطارقة الإذن. فُتح الباب ودخلت كوثر مباشرة. التفتت إليها رقية وضاقت عيناها قليلًا. — كوثر؟ في حاجة؟كان عمر ويوسف يجلسان إلى جواره، يتبادلان الحديث بصوت خافت، بينما تتجه أنظارهما بقلق نحو ملامحه الشاحبة التي ازدادت إرهاقًا مع مرور الوقت.وفجأة، بدأ ياسين يتململ فوق الفراش، يحرك رأسه بعنف وكأنه غارق في كابوس مؤلم.خرج صوته مبحوحًا ومضطربًا:أسر... ما تروحش... أسر!ثم ارتفع صوته أكثر وهو يحاول النهوض:هتبقى كويس... والله هتبقى كويس... أســــــــــر!انتفض عمر من مكانه واقترب منه بسرعة، ممسكًا بذراعه التي كان يحركها بعشوائية خشية أن يؤذي نفسه، وقال بقلق واضح:اهدى يا ياسين... اهدى.ثم التفت إلى يوسف بلهفة:يوسف... بسرعة نادي الدكتور!لم يتردد يوسف لحظة، بل اندفع إلى الخارج مسرعًا بحثًا عن الطبيب خالد.وبعد دقائق قليلة، دخل خالد الغرفة بخطوات سريعة، متفحصًا حالة ياسين الذي ما زال يهذي باسم أخيه.عقد الطبيب حاجبيه وقال بجدية:من فضلكم، بلاش تتكلموا هنا دلوقتي. أنا مش عايزه يفوق حاليًا، النوم أفضل له عشان ما يحسش بالتعب أو يدخل في أي انفعال جديد.أومأ الاثنان بصمت.أما خالد، فألقى نظرة أخيرة على ياسين قبل أن يغادر الغرفة متجهًا إلى مكتبه.وبمجرد وصوله، أمر إحدى الممرضات قائلًا:ابعتيلي مد
في هذا الوقت كان ابراهيم يتحاشي التواجد مع رقيه وكان يتعامل معها برسميه حتي انتهت شهور عدتها وتقدم للزواج منها ولكنها رفضت في بادئ الامر ولكن بعدها وافقت بشرط ان لا تعلم داليدا بالامر لتعلقها بابيها ولم يعلم احد سوي عمها فتحي وعمها محمد ابو عمرو واخيها رائف ونقلت اعمال سامي الي العاصمه وبدأت بالعمل كان في بادى الامر صعب عليها ولكن بمساعده إبراهيم هون عليها كل صعب عند بداء العام الدراسي الجديد عادت داليدا والتحقت بالمدرسه كانت في بدايه العام متفوقه جدا الا ان لاحظت علي امها عده ملاحظات كالسهر والعمل لساعات طويله وكانت في بعض الاحيان تستمع اليها وهي تتكلم بخفوت وحدث اكثر من مرة بعض المشادات الكلاميه بينهم تبدل حال داليدا وقتها وتعرفت علي مجموعه من الشباب والبنات الفاشله وبدات السهر بخارج البيت لمنتصف الليل واهملت دروسها هذا غير ملابسها الفاضحة ظل الحال هكذا حتي جاء يوم كانت فيه داليدا بالخارج وهي مع اصحابها فاقترح احدهم السفر هنا قفزت داليدا بفرح قائله ايوه انا جايه معاكم فقالت احدي الفتيات ضاحكة ومامتك هتسمحلك دا اخر مرة جت لنا الديسكو كانت هتطلب لنا البوليس ف
التفتت إليها رقية وضاقت عيناها قليلًا.— كوثر؟ في حاجة؟اقتربت الأخرى وقالت بوجه متجهم:— أيوة... في. أنا عاوزة أتكلم معاكي.تنهدت رقية بعدم ارتياح.— اتفضلي.قالت كوثر دون أي مقدمات:— إنتِ ناوية تقعدي هنا؟رفعت رقية حاجبها متصنعة عدم الفهم.— مش فاهمة.ابتسمت كوثر بسخرية وقالت:— لا... إنتِ فاهمة كويس أنا أقصد إيه.ثم أضافت بحدة:— أنا من حقي أحافظ على بيتي وعلى جوزي.تجمدت ملامح رقية للحظة.ثم قالت ببرود:— بيتك وجوزك؟وأنا جيت جنب بيتك وجوزك في إيه؟نفد صبر كوثر فقالت:— بلاش لف ودوران.وجودك هنا مش مرحب بيه.وياريت ما تكونيش سبب في خراب بيتي.ضحكت رقية ضحكة قصيرة خالية من المرح.ضحكة خرجت محملة بسنوات طويلة من القهر والخذلان.ثم قالت بهدوء مؤلم:— بيتك وجوزك دول كانوا من حقي أنا...ولا نسيتي إنتِ اتجوزتي إبراهيم إزاي؟ولا نسيتي إنتِ ووالدتك عملتوا إيه؟قلبت كوثر عينيها بتأفف.— أوف بقى يا رقية.حقي ومش حقي إيه؟أنا اتجوزته وخلفت منه.وإنتِ كمان اتجوزتي وخلفتي.وخلص الموضوع.أنا مش هسمح لأي حد يخرب حياتي.نظرت إليها رقية مطولًا.ثم قالت بنبرة تحمل الكثير من المعاني:— وعلى كده بقى
مرّت ثلاثة أيام ثقيلة وكأنها ثلاثة أعوام كاملة. وخلال تلك الأيام لم يغادر أحد من أفراد العائلة المستشفى إلا للضرورة القصوى، فقد كان الحزن على آسر يخيّم على الجميع، بينما ينهش القلق قلوبهم خوفًا على ياسين الذي ما زال يصارع الموت. كانت حالته غير مستقرة على الإطلاق، يستعيد وعيه لدقائق معدودة ثم يعود من جديد إلى غيبوبته، وكأن روحه عالقة بين عالمين لا تعرف أيهما تختار. جلس الجد في ركن هادئ من الممر، يسند رأسه فوق مقبض عصاه، وقد أثقلت السنوات كاهله أكثر مما فعلت من قبل. بدا وكأنه شاخ عشر سنوات إضافية خلال تلك الأيام القليلة. إلى جواره جلس أبناؤه إبراهيم وعبدالله، بينما كانت رقية تجلس بصمت وعيناها لا تفارقان باب غرفة العناية المركزة. أما محمد، والد آسر وعمر، فكان يبدو كالرجل الذي فقد جزءًا من روحه. لم يعد يتحدث كثيرًا، واكتفى بالجلوس صامتًا يحدق في الفراغ وكأنه ما زال عاجزًا عن استيعاب رحيل ابنه. وقف يوسف إلى جوار عمر الذي كان يحاول التماسك أمام الجميع رغم الألم الذي يعتصر قلبه، بينما كان طارق يحتضن زوجته ليلى بحنان وقلق، بعدما بدأت علامات الإرهاق والتعب الشديد تظهر عليها بوضوح. وفي غ
لفصل الثانيبين الحياة والموت— مستحييييل...!خرجت الكلمة من فم داليدا كهمسة مرتجفة، بينما كانت تحدق في الرجل الممدد على السرير المتحرك.حتى والدماء تغطي وجهه، وحتى ملامحه مشوهة من أثر الانفجار، لم تخطئه.تعرفه.تعرف كل تفصيلة فيه.تعرف ذلك الجرح الصغير فوق حاجبه الأيسر، وذلك الخط الخافت بجانب شفتيه، وحتى نبرة أنفاسه المتقطعة التي كانت تسمعها الآن عبر جهاز التنفس.هو...هو نفسه.الرجل الذي أقسمت منذ أكثر من خمسة أعوام ألا تراه مجددًا.الرجل الذي أحبته حد الجنون... ثم تركها ورحل.لكن لم يكن هناك وقت للصدمة.هدر الطبيب خالد:— دكتورة داليدا! إنتِ واقفة كده ليه؟ المريض بينزف!انتفضت من مكانها.الطبيبة بداخلها انتصرت على المرأة.سحبت نفسًا عميقًا، ثم تقدمت بخطوات سريعة.— ضغطه؟— بينزل بسرعة.— النبض؟— ضعيف.— جهزوا غرفة العمليات فورًا.---بعد دقائق...كانت تقف داخل غرفة العمليات بكامل ملابس التعقيم.جسدها متوتر.وقلبها يخبط بعنف داخل صدرها.أما هو...فكان ساكنًا بصورة مخيفة.كم مرة تخيلت لقاءهما؟مئات المرات.لكن ليس هكذا.لم تتخيل يومًا أن تراه بين الحياة والموت.قال الطبيب خالد بحدة:
الفصل الأوليوم الزفاف— أنا بحب أخوك... مش أنت.تجمد أسر في مكانه.كانت الكلمات أشبه برصاصة استقرت مباشرة في قلبه.حدق في رحمة غير مصدق، بينما كانت تقف أمامه بفستانها الأبيض، وجهها غارق بالدموع، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.منذ أن دخل الغرفة وهي تبكي.ظنها خائفة.ظنها متوترة لأنها تترك بيت أهلها وتبدأ حياة جديدة.حتى إنه حاول التخفيف عنها، وأخبرها أن والدته ستعاملها كابنتها، وأنها لن تشعر بالغربة يومًا.لكن...لم يتخيل قط أن تبكي لأنها تزوجته هو.ارتجف صوته وهو يردد:— قولتي إيه؟شهقت رحمة وهي تبكي أكثر.— سامحني... والله ما كان بإيدي.قبض على كتفيها بقوة.— انطقي... إيه معنى الكلام ده؟أغمضت عينيها وكأنها تلقي بنفسها من فوق هاوية.ثم خرج صوتها مكسورًا:— أبويا غصبني أتجوزك... وأنا بحب أخوك يوسف.ساد الصمت.صمت مخيف.شعر أسر وكأن الهواء اختفى من الغرفة.يوسف؟أخوه الأصغر؟هو؟ابتعد عنها ببطء، كمن تلقى صفعة أفقدته القدرة على الحركة.منذ طفولته وهو يحبها.كانت حلمه الوحيد.كل دعواته كانت تنتهي باسمها.كل خططه للمستقبل كانت تبدأ بها.انتظر هذه الليلة سنوات طويلة...ليكتشف أن المرأة







