تسجيل الدخولتوقّف آدم عن الكلام للحظة، ثم رفع عينيه عن الطريق وأخذ ينظر حوله بهدوء. لم يكن هناك شيء واضح يمكن أن يفسّر ذلك الشعور المفاجئ الذي مرّ في صدره، ومع ذلك شعر بوضوح أن عينين تراقبانهما من مكان ما. لم تكن نظرة عابرة كتلك التي يلقيها المارة على شخصين يتحدثان أثناء جولة، بل كانت أثقل من ذلك، ثابتة أكثر مما ينبغي، وفيها شيء جعله يستشعر الخطر قبل أن يرى صاحبه. أدار رأسه نحو واجهة المكتبة، ثم إلى الشارع الممتد خلفهما، وبعدها إلى السيارات المتوقفة قرب الرصيف. لم يلمح أحدًا يتصرف بطريقة غير طبيعية. شخص يعبر الطريق، امرأة تقف أمام متجر، رجل يتحدث في هاتفه، وسيارة سوداء تبتعد ببطء عند نهاية الشارع. بقي آدم يحدق لثوانٍ إضافية، ثم ضيّق عينيه قليلًا قبل أن يتنفس بهدوء. لاحظت ليان تغير ملامحه، فتوقفت عن الكلام وقالت باستغراب: "ماذا حدث؟" نظر إليها آدم، ثم إلى الشارع من خلفها، قبل أن يعيد نظره إليها. لم يرد أن يخيفها بإحساس لم يتأكد منه أصلًا، لذلك اكتفى بهز رأسه وقال: "لا شيء، ظننت أنني رأيت شخصًا أعرفه." بقيت ليان تنظر إليه لثوانٍ، وكأنها تحاول معرفة إن كان يخفي شيئًا، لكنه ابتسم لها بهدوء وأضاف:
كانت ليان تواصل شرحها أمام واجهة المكتبة، تنتقل من غلاف إلى آخر، وتشير بأطراف أصابعها إلى المساحات والألوان والعناوين، بينما كان آدم يقف إلى جوارها ويحاول أن يبدو منتبهًا. في البداية كان يتابع حديثها فعلًا، لكن شيئًا في صوتها الهادئ بدأ يسحبه بعيدًا عن الكلمات نفسها. توقفت عيناه عند شفتيها دون أن يقصد. كانتا تتحركان مع كل كلمة؛ تنفتحان قليلًا عندما تشرح فكرة، ثم تنطبقان بهدوء قبل أن تبدأ جملة أخرى. لم يكن في الأمر شيء استثنائي، ومع ذلك وجد نفسه عاجزًا عن تحويل نظره. كانت ليان تتحدث عن التباين ومساحة اللون، بينما لم يبقَ في ذهن آدم سوى إيقاع شفتيها وهي تتكلم. شعر بأنه التقط تفصيلًا لا ينبغي له أن يراقبه بهذه الدقة، فحاول أن يرفع عينيه إلى الغلاف أمامه، لكنه عاد إليها بعد لحظات. لم يكن آدم يعرف متى توقف عن سماع الجملة كاملة. كان يسمع صوتها، يفهم نبرتها، لكنه لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بالتفاصيل. وكلما تحركت شفتاها أمامه، شعر بنبضة قوية تضرب صدره، كأن جسده انتبه إلى شيء لم يمنحه عقله اسمًا بعد. تسللت إلى ذاكرته
وضعت ليان القلم فوق المكتب، ثم بقيت تنظر إلى التصميم الذي اختاره آدم لثوانٍ طويلة. لم يكن التصميم سيئًا، بل كان متقنًا من الناحية التقنية؛ الألوان متناسقة، والصورة عالية الجودة، والعنوان واضح، وكل عنصر موضوع في مكانه بعناية. لكن المشكلة بالنسبة إلى ليان كانت في شيء آخر تمامًا؛ كان التصميم يحاول أن يكون جميلًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يخشى أن يترك فراغًا واحدًا دون أن يملأه. قالت ليان أخيرًا وهي تضيق عينيها: "أنت لا تفهم ما أقصده." رفع آدم نظره عن الشاشة، وبدا عليه الهدوء رغم أنه كان يعرف من نبرة صوتها أنها بدأت تغضب. قال: "أفهم أنك تريدين شيئًا أبسط." أجابته فورًا: "ليس أبسط فقط، بل أكثر هدوءًا. هناك فرق بين تصميم بسيط وتصميم فارغ، كما أن هناك فرقًا بين تصميم غني وتصميم مزدحم." تأمل آدم الملصق مرة أخرى، ثم أمال رأ
كانت ماريا تجلس خلف مكتبها في زاوية الاستوديو، وتضع سماعاتها حول رقبتها، ثم ترفع عينيها كل بضع ثوانٍ نحو الشاشة أمامها. كانت تراجع قائمة طويلة من الملاحظات، وتحذف سطرًا، ثم تعيده، ثم تتنهد وتكتب ملاحظة جديدة. وفي الجهة الأخرى كانت ليان تقف أمام الشاشة الكبيرة، وتحرك القلم الإلكتروني ببطء فوق التصميم، بينما وقف آدم إلى جوارها وهو يعقد ذراعيه ويتابع ما تفعله. قال آدم وهو يميل قليلًا نحو الشاشة ويشير بإصبعه إلى طرف الملصق"أظن أن اللون هنا داكن أكثر من اللازم." توقفت ليان عن تحريك القلم، ثم نظرت إلى المكان الذي أشار إليه قبل أن تنظر إليه مباشرة"أنا تعمدت أن أجعله داكنًا، لأن الخلفية فاتحة، وإذا خففته أكثر سيضيع." اقترب آدم من الشاشة، ثم وضع يده على حافة المكتب"لكن العنوان سيصبح أضعف، والعين ستتجه إلى هذه الزاوية بدلًا منه." رفعت ليان حاجبها، ثم حركت القلم مرة أخرى"وهذا هو سبب وجود المساحة الفارغة هنا، حتى يبقى العنوان واضحًا." تراجع آدم نصف خطوة، ثم وضع يده على ذقنه وهو يتأمل التصميم"لكنني ما زلت أعتقد أن درجة أفتح ستكون أفضل." نظرت ليان إليه لحظة، ثم عادت إلى الشاشة"وأنا ما ز
كان الاستوديو قد دخل في ذلك الهدوء الذي لا يشبه السكون، بل يشبه ورشة عمل تعمل بكامل طاقتها من دون ضجيج زائد؛ صوت لوحة المفاتيح يأتي من الزاوية، وحفيف الأوراق يتحرك بين المكاتب، وصوت القلم الإلكتروني يلامس سطح الجهاز اللوحي أمام ليان في نقرات متتابعة وخفيفة. كانت الشمس تدخل من النوافذ الكبيرة بزاوية مائلة، فتسقط على الأرض الخشبية وعلى أطراف المكاتب، بينما بقيت بعض الشاشات مضاءة بألوان مختلفة جعلت المكان يبدو كأنه يعيش بين عالمين؛ عالم العمل الواقعي، وعالم الصور والأفكار التي لم تولد بعد إلا على الشاشات. جلست ليان أمام جهازها، وقد رفعت شعرها إلى الخلف بطريقة عملية، وتركت بعض الخصلات القصيرة تنسدل قرب وجهها. كانت ترتدي قميصًا أخضر داكنًا بأكمام مطوية إلى ما فوق المعصمين، وبنطالًا أسود بسيطًا، وحذاءً مسطحًا مريحًا يناسب ساعات العمل الطويلة. لم تكن ملابسها تحمل شيئًا من المبالغة؛ كل ما فيها كان عمليًا وهادئًا، مثل طريقتها في العمل نفسها. كان أمامها غلاف كتاب على الشاشة، وقد وضعت بجواره ثلاث نسخ مختلفة للملصق الترويجي. في الأولى كان العنوان كبيرًا جدًا، وفي الثانية كانت الصورة أكثر وضوح
«بدأ الحب هادئًا كضوءٍ لا يُرى، ثم صار في القلب بابًا لا يُغلق.» لم يكن آدم قد اعتاد أن يرى العمل يتوقف أمامه بهذه الطريقة. كان مكتبه ممتلئًا بالأجهزة والملفات، وعلى الطاولة أمامه نسخة من الكتاب الذي قضى الفريق أسابيع طويلة في مراجعته وتجهيزه للنشر. كانت الصفحات مرتبة، والغلاف جاهزًا، والمواد الترويجية أُرسلت إلى الطباعة، وحتى خطة الإطلاق كانت قد حُددت بدقة. ثم وصل القرار. تأجيل نشر الكتاب. قرأ آدم الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها ببطء، كأن الكلمات قد تتغير إذا منحها فرصة أخرى. لم تتغير. وضع الجهاز اللوحي على المكتب، لكن أصابعه بقيت فوقه لحظة أطول مما ينبغي. كان التعب المتراكم من الأيام الماضية قد جعل أعصابه أضعف مما اعتاد، وكان في داخله شعور بأن كل ما بنوه بدأ يتداعى قبل أن يحصلوا حتى على فرصة لرؤية نتيجته. دخل ياسين، وكان يحمل بعض الأوراق. قال بهدوء: "وصلني القرار أيضًا. طلبوا تأجيل الموعد حتى تُراجع بعض الإجراءات." رفع آدم عينيه إليه. "أي إجراءات؟" "لم يوضحوا التفاصيل كاملة." ضحك آدم ضحكة قصيرة، خالية من المرح. "طبعًا لم يوضحوا." دخلت مريم بعده، وكانت تحمل حاسوبها تحت ذر







