جميع فصول : الفصل -الفصل 170

216 فصول

160

تلاشت الضوضاء الصاخبة من حولهما، وصار إيقاع الطبول يتردد في أذني سى اوزير كنبضات قلبه المضطربة التي توشك أن تخرج من بين أضلعه. كانت ساحة المعبد قد تحولت إلى فضاء ملتهب بالمشاعر، حيث اختلطت رائحة البخور الممزوجة بعبير الأبدية مع أنفاس الراقصين التي تتصاعد في هواء الليل الرطب. وسط هذا الحشد المهيب، بدت أناتيرا كأنها كائن من نور استلّته السماء لتضعه وسط عالم من الحجر والتقاليد الصارمة. اقتربت الأميرة الشمالية منه بخطوات بدت وكأنها تطفو فوق الأرض، وعندما أصبحت في مواجهته، انحنت برأسها قليلاً لتوارِي نظراتها الخجولة، ورفعت يدها لترتب خصلة من شعرها الأسود الذي داعبه النسيم. قالت بصوت منخفض، يملؤه التردد والرقة التي تأسر القلوب، وكأنها تخشى من وقع كلماتها على مسامعه: "يا سيدي الأمير... كلما اقتربتُ من عالمكم، أشعر برهبة تلامس روحي. لا أدري إن كان هذا العيد هو السبب، أم أن السحر الذي يملأ المكان يجعل قلبي لا يستقر على حال. قل لي، أليس من الطبيعي أن تشعر النفس ببعض الاضطراب في مثل هذه اللحظات؟ أخبرني، هل وجودي بجانبك يبعث في نفسك شيئاً من هذا الهدوء... أم أنني مجرد ضيفة أثقلت عليك بحضوري؟"
last updateآخر تحديث : 2026-07-16
اقرأ المزيد

161

شعر سى اوزير وكأنها تحاول استنزاف كل ما تبقى من طاقته. كانت كلماتها كالنسيم العليل الذي يفكك حصون قلبه، ورغم ردوده التي حاول أن يصبغها بصبغة الواجب، كان يرى في عينيها تحدياً لا يملك إلا أن يحترمه. التفت بعيداً، نحو تمثال آمون العظيم الذي ينتصب في وسط الفناء، محاولاً الاستنجاد بالصمت الأبدي للآلهة. "إلهي.. امنحني القوة لأظل على ثباتي،" تمتم في سره. ثم التفت إليها، وبذل جهداً جباراً لتبدو ملامحه خالية من أي إحساس، وقال بلهجة آمرة، لكنها مليئة بالشفقة التي لم يستطع إخفاءها: "الزمن ليس وسيلة للإثبات، بل هو امتحانٌ للصبر. إن رغبتِ في الانتظار، فهذا شأنك، ولكن لا تتوقعي مني أن أترك مسار حياتي لأجل أوهامٍ قد تكون عابرة. إن احتفالات الأوبت تتطلب حضوراً لائقاً وانضباطاً في السلوك، لا وقوفاً لتبادل الكلمات التي تزيد النفس حيرة. غداً، في محراب المعبد، سيكون لنا حديثٌ آخر حول دروسكِ، بعيداً عن صخب المهرجانات. انصرفي الآن إلى حيث يُطلب منكِ الوقوف، فهذا هو الأنسب لكِ وللمعبد." كان سي اوزير لايفهم بعد ماهى حقيقة مابداخله هل هو عشق ام مجرد شهوة جسديه لاحقته منذ ان راها عاريه تسبح في النيل فكان يدرك
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد

162

انقضت أيام عيد الأوبت العظيمة، وهدأت صخب الطبول التي كانت تزلزل ساحات طيبة، وغابت الأضواء الذهبية التي زينت معبد الأقصر لتترك المكان تحت ظلال الهدوء المهيب. في تلك اللحظات الأخيرة من الاحتفال، كان الشعب يعود إلى دياره مشحوناً بالبركة، بينما كانت النخبة الكهنوتية والأمراء يلملمون شتات أنفسهم بعد طقوس استنزفت الكثير من الطاقات الروحية والبدنية. في غرفتها الخاصة، كانت أناتيرا -الإلهة عنات- تقف أمام نافذتها المطلة على النيل، تخلع أثوابها المطرزة بالذهب الواحدة تلو الأخرى، لتكشف عن جسد يتوهج في عتمة الغرفة بجمال لا يمت للبشر بصلة. لم تكن الابتسامة التي تعلو شفتيها ابتسامة فتاة مغرمة، بل كانت بسمة صياد محترف يرى فريسته قد اقتربت من السقوط في الفخ. شعرت بأن قناع "الفتاة الرقيقة المستضعفة" قد أدى غرضه، لكنها أدركت أيضاً أن الأمير "سى اوزير" ليس صيداً سهلاً؛ فهو يملك عقلية حصينة وإرادة فولاذية تستمد قوتها من تقاليد عائلته العريقة. "إنه يحاول أن يتظاهر بالقوة والتباعد،" همست لنفسها بصوت مسموع ملأ الغرفة ببرودة ثلجية. "يظن أن حصونه الأخلاقية ستحميه، لكنه لا يعلم أنني لست بحاجة إلى اقتحام أسوار
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد

163

مع بزوغ شمس اليوم التالي، انقشع صخب احتفالات الأوبت الذي ملأ آفاق طيبة لأيام، وعادت الحياة إلى وتيرتها المعهودة داخل جدران المعبد الكرنكي العتيق. خفت أصوات الترانيم، وأُعيدت التماثيل المقدسة إلى مقصوراتها، وانصرف الكهنة والطلاب إلى واجباتهم اليومية المعتادة بين البرديات وأدوات التطهير. كان الصمت الذي حلّ في أرجاء المعبد ثقيلاً، مشحوناً بتفاصيل الليلة السابقة التي تركت في نفس سى اوزير شرخاً لا يندمل، وفي نفس "عنات" نيران رغبة لا تطفئها إلا السيطرة المطلقة. كانت الأميرة تفنوت، بحدسها الأمومي الفذ ونظراتها التي كانت تسبر أغوار النفوس، قد قررت أن هذا هو الوقت الأمثل للقيام بخطوتها التي خططت لها في مجلس العائلة. كانت تعلم أن قلب ابنها سى اوزير قد سُرق، وأن الخطر يكمن في عدم معرفة هوية السارق. وبينما كانت "أناتيرا" تسير في أروقة حديقة المعبد، تلملم زهور اللوتس التي تساقطت من إكليل العيد، اعترضت طريقها تفنوت بخطواتها الوئيدة التي تفوح منها رائحة البخور الممزوجة بالوقار الملكي. تفنوت (بابتسامة هادئة ورقيقة، تخفي خلفها تيقظاً حاداً): "صباحكِ مبارك يا ابنتي أناتيرا. أرى أن العيد قد انتهى، ول
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد

163

مع بزوغ شمس اليوم التالي، انقشع صخب احتفالات الأوبت الذي ملأ آفاق طيبة لأيام، وعادت الحياة إلى وتيرتها المعهودة داخل جدران المعبد الكرنكي العتيق. خفت أصوات الترانيم، وأُعيدت التماثيل المقدسة إلى مقصوراتها، وانصرف الكهنة والطلاب إلى واجباتهم اليومية المعتادة بين البرديات وأدوات التطهير. كان الصمت الذي حلّ في أرجاء المعبد ثقيلاً، مشحوناً بتفاصيل الليلة السابقة التي تركت في نفس سى اوزير شرخاً لا يندمل، وفي نفس "عنات" نيران رغبة لا تطفئها إلا السيطرة المطلقة. كانت الأميرة تفنوت، بحدسها الأمومي الفذ ونظراتها التي كانت تسبر أغوار النفوس، قد قررت أن هذا هو الوقت الأمثل للقيام بخطوتها التي خططت لها في مجلس العائلة. كانت تعلم أن قلب ابنها سى اوزير قد سُرق، وأن الخطر يكمن في عدم معرفة هوية السارق. وبينما كانت "أناتيرا" تسير في أروقة حديقة المعبد، تلملم زهور اللوتس التي تساقطت من إكليل العيد، اعترضت طريقها تفنوت بخطواتها الوئيدة التي تفوح منها رائحة البخور الممزوجة بالوقار الملكي. تفنوت (بابتسامة هادئة ورقيقة، تخفي خلفها تيقظاً حاداً): "صباحكِ مبارك يا ابنتي أناتيرا. أرى أن العيد قد انتهى، ول
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد

164

بينما كانت "تفنوت" تعود إلى جناحها الخاص، كان شعورٌ بارد كأنه وخز إبر جليدية يتسرب إلى عظامها. لم يكن قلقاً عادياً، بل كان شعوراً بالانزعاج من "الكمال". توقفت عند إحدى المرايا البرونزية الكبيرة ونظرت إلى انعكاس صورتها، ثم همست لنفسها: "الكمالُ في الطبيعة البشرية مستحيل.. لا أحد يولد بكل هذا التوازن، ولا أحد يمتلك هذا الهدوء الذي يطغى على الفوضى المحيطة به". كانت تشعر بأن أناتيرا مثل تمثالٍ منحوتٍ بدقة متناهية، خاوٍ من العيوب التي تجعل البشر بشراً. هذا "الكمال" في ملامح الفتاة، في ردودها، في حركاتها، كان هو نفسه الفخ الذي يثير الريبة في قلب أمٍ خبرت دهاليز القصور. بمجرد وصولها، استدعت الكاهن الأكبر "حور-محب"، الرجل الذي أفنى عمره في تتبع حركات النجوم وتحليل الطاقات الغامضة. جلست تفنوت على مقعدها المذهب، وقالت بصوت خافت لم يخلُ من الحدة: "يا حور-محب، عيني لا تخطئ، لكن قلبي يرفض أن يصدق ما أراه. تلك الفتاة.. الشمالية.. ليست كما تبدو. هناك هدوء يحيط بها وكأنها تعيش في عالمٍ موازٍ لعالمنا. لا أريد تهمةً باطلة، ولا أريد ظلماً، لكنني أريدك أن تضعها تحت نظرك. أريد رقابةً لا تُشعرها بأنها مُ
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد

165

انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م
last updateآخر تحديث : 2026-07-18
اقرأ المزيد

166

ساد الصمت المطلق أرجاء المعبد، ولم يقطعه سوى خرير مياه النيل الهادئ الذي ينساب ببطء وكأنه يحمل أسرار العصور القديمة. كان "سى اوزير" واقفاً في شرفته العالية، يراقب المشهد وكأنه مسحور بتعويذة قديمة لا تملك عيناه الفيروزيتان الفكاك منها. كانت ليلة مقمرة، حيث بدا ضوء البدر وكأنه يسكب الفضة السائلة فوق سطح النهر، محولاً المياه إلى بساط متلألئ يعكس هيبة السماء. في تلك اللحظة، ظهر طيف "أناتيرا" من شرفتها المقابلة، وبدت كأنها حورية خرجت لتوها من قصص الخيال التي كان يقرؤها في صباه. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيداً للرقة والغموض. كانت تتحرك بتناغم شديد، وكل حركة من حركاتها كانت تزيد من حدة الاضطراب الذي يغلي في صدره. كان الأمير يراقبها وهي تتجول في شرفتها، يرى كيف يداعب النسيم ثوبها الحريري الشفاف، وكيف ينساب شعرها الأسود الطويل على كتفيها كأنه ليلٌ سرمدي. لم يكن "سى اوزير" يراها كطالبةٍ في المعبد، بل كان يراها كأعجوبةٍ إلهية تفوق منطق الكهنة. كان يتابع تفاصيل جسدها الممشوق تحت ضوء القمر، يرى انحناءات خصرها، وبروز صدرها، وتلك الرشاقة التي لا تكاد تلمس الأرض. وفي تلك اللحظة، اتخذت "أناتيرا" قر
last updateآخر تحديث : 2026-07-20
اقرأ المزيد

167

مع استمرار المشهد، بدأت الحركات تصبح أكثر غرابة في عيني "سى اوزير". "أناتيرا" لم تكن تسبح بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تندمج مع الماء بشكلٍ مريب. كانت حركاتها انسيابية إلى درجةٍ تفوق قدرة أي سباحٍ مهر. غاصت تحت السطح، وبقيت مدة طويلة، مما أثار دهشة الأمير، لكنه ظل يبتسم بضعف، معتقداً أنها تختبر قدرتها على البقاء تحت الماء، أو أنها تمارس نوعاً من التدريب الذي تعلمته في بلاد الشمال الباردة. كان يراقب السطح وهو يضطرب، ينتظر خروجها وهي تضحك أو تمسح الماء عن وجهها. كانت الابتسامة لا تزال مرتسمة على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالتوتر الخفي. لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الإعجاب بقدرتها على التكيف مع هذا العنصر المتغير. كان يرى في ذلك الغوص رغبةً في الانفصال عن العالم الخارجي، تماماً كما كان يفعل هو عندما يتأمل النجوم في ليالي السكون. أحس الأمير بأنها كانت تتلاعب بالزمن، وبالماء، وحتى بوعيه هو. كل حركةٍ تقوم بها كانت تثير فيه فضولاً لا يرتوي. "أين تذهبين يا أناتيرا؟ وماذا ترين في تلك الأعماق التي لا أراها؟" كان يتساءل في عقله، دون أن يصدر أي صوت. ظلت غائبة لفترة أطول، وهنا بدأت شجا
last updateآخر تحديث : 2026-07-20
اقرأ المزيد

168

لم يعد "سى اوزير" قادراً على تحمل الصمت المريب، فبعد أن تأخر ظهور طيفها على السطح، انقشع قناع الانبهار ليحل محله رعبٌ وجوديٌّ جمد الدماء في عروقه. في لحظةٍ خاطفة، تلاشت كل الحكمة الكهنوتية، ولم يبقَ سوى غريزة الرجل الذي يرى معبودته تبتلعها الغياهب. اندفع من شرفته كالسهم المنطلق، وبقفزةٍ بهلوانية اخترق هواء الليل، لترتطم قدماه ببرودة مياه النيل التي شعرت وكأنها سكاكين تغرز في جسده. لم يكترث لعمق النهر أو لظلام قاعه؛ كان يغوص بجنون، وعيناه الفيروزيتان تمسحان القاع ببحثٍ محموم. وفجأة، رأى طيفاً شاحباً يغوص ببطءٍ نحو القاع السحيق، وكأن قوةً خفية تجذبها إلى الأسفل. زفر في الماء زفرةً مكتومة، واندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة بدنية اكتسبها من سنوات تدريبه وقوته البدنية التى توارثها من ابيه وجده رمسيس العظيم . وما إن وصلت يده إلى معصمها، حتى جذبها بقوةٍ نحو صدره، وشعر ببرودة جسدها التي صدمت كل ذرةٍ في كيانه. بدأ في الصعود بكل ما لديه من طاقة، والماء يضغط على رئتيه، لكنه لم يكترث، كان هدفه الوحيد هو ملامسة الهواء الذي تحتاجه. خرج من الماء كغريقٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاملاً جسدها الذي بدا كت
last updateآخر تحديث : 2026-07-20
اقرأ المزيد
السابق
1
...
1516171819
...
22
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status