All Chapters of أنياب القمر : Chapter 11 - Chapter 20

51 Chapters

الفصل الحادي عشر: الاعتراف

الفصل الحادي عشرالاعترافلم يَنَم راكان تلك الليلة. جلس على حافة سريره في الظلام ويداه على ركبتيه، عيناه مفتوحتان على النافذة الواسعة التي لا ترى منها إلا الغابة الصامتة والقمر المائل ببطء نحو الأفق في رحلته الليلية المعتادة. الساعة كانت تقترب من الثالثة فجرًا والمجمع كله نائم بعيون مغلقة إلا هو. لم يكن هذا جديدًا عليه بالكامل، فقد اعتاد على ليالٍ طويلة بعيون مفتوحة وعقل يأبى الهدوء ويرفض الاستسلام للنوم، لكن هذه الليلة بالذات كانت الأثقل منذ أشهر طويلة مضت دون أن يشعر بمثلها.الصورة لم تتركه منذ أن عاد إلى غرفته في المساء: ليلى في الحديقة الداخلية، تلك الحركة التي خرجت من جسدها قبل أن يسبقها عقلها بلحظة كاملة. لم يكن مجرد مهارة مكتسبة من تدريب سابق أو ردّ فعل محسوب. كان شيئًا آخر أعمق وأقدم من أي تدريب، شيئًا يعرفه الذئب في داخله تمامًا وبوضوح بينما لا يجيد العقل البشري تسميته بكلمات واضحة ومقبولة. الدم لا يكذب أبدًا. قالتها فاطمة في مفكّرتها بأحرف واضحة وثابتة كأنها تكتب حكمًا نهائيًا لا رأيًا قابلاً للجدل والنقاش. وقالتها سيرا بطريقتها الهادئة المعتادة التي لا تنطق بشيء إلا حين تك
Read more

الفصل الثاني عشر: القرار

الفصل الثاني عشرالقرارفي المساء، قبل أن تنام، فتحت ليلى دفترها وكتبت. لم تكن تكتب يوميات عادةً في حياتها السابقة. كانت تُصوّر دائمًا. الصورة عندها كانت تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله بنفس الدقة والعمق. لكن ما في رأسها الليلة كان يحتاج مكانًا يُوضع فيه بالكلمات قبل أن يثقل أكثر مما تستطيع حمله وحيدة في الصمت المظلم.كتبت ببطء مقصود: ست أيام فقط لا أكثر. في ست أيام لا أكثر اكتشفت أن جدّتي كانت ذئبة تحمل دمًا غير بشري خالص. أن القبيلة التي تركتها قبل ثلاثة وثلاثين عامًا تركتها هربًا من خائن مجهول الهوية حتى الآن. أن في دمي شيئًا ليس بشريًا خالصًا يُفسّر أشياء كثيرة ظللت أتجاهلها وأتجاوزها طوال حياتي دون أن أفهم لماذا أشعر بها أصلاً. وأن ملك هذه القبيلة يحمل سرًا لم يقله بعد لكن عيناه الذهبيتان تقولانه في كل مرة تلتقيان بعيني دون أن يتفادى النظر.توقفت عن الكتابة. نظرت إلى ما كتبت. ثم أضافت بثبات لا تردد فيه: لا أعرف ما الذي سيحدث في الأيام القادمة. لكنني أعرف شيئًا واحدًا يقيناً: لو خرجت الآن من هنا وعُدت لحياتي ولشقّتي الصغيرة ولكاميرتي وأصدقائي، فإن السؤال سيبقى معي للأبد الحقيقي. وا
Read more

الفصل الثالث عشر : القواعد

الفصل الثالث عشرالقواعدبدأ راكان بالقواعد في الصباح الباكر. جلسا في مكتبه قبل أن يبدأ المجمع يومه. على الطاولة بينهما ورقة كتبها بخطّه الواضح الثابت. ليلى نظرت إلى الخط قبل أن تقرأ المحتوى: حروف منتظمة لا زيادة فيها ولا نقصان، مثل صاحبها تمامًا. رجل لا يُزخرف ما لا يحتاج زخرفة.— هذه ليست قواعد للتحكم فيكِ. — بدأ راكان وهو يدفع الورقة نحوها. — هذه قواعد تحفظ سلامتكِ في بيئة تختلف عن كل بيئة عشتِ فيها. لكل بيئة لغتها وقوانينها غير المكتوبة. هذه هي المكتوبة منها لكِ أنتِ تحديدًا.قرأت ليلى. ست نقاط مُرقَّمة بدقة واضحة. الأولى: لا تدخلي الغابة الشمالية بمفردكِ في أي وقت من الليل أو النهار. الثانية: في حال شعرتِ بأي تغيّر جسدي مفاجئ غير مألوف، أخبري أقرب شخص فورًا دون تأخير ولو ثانية واحدة. الثالثة: جلسات التدريب ثلاث مرات أسبوعيًا والحضور إلزامي تمامًا لا يقبل الاعتذار. الرابعة: أي سؤال عن القبيلة أو تاريخها أو عاداتها يُوجَّه لي أو لنادر مباشرة. الخامسة: لا إفصاح عن أي معلومة من مفكّرة فاطمة لأي شخص آخر قبل الاتفاق معي على ذلك. السادسة: إذا شعرتِ بأي خطر في أي وقت، الكلمة قمر لأي فرد
Read more

الفصل الرابع عشر: المدرب

الفصل الرابع عشرالمدرّبالمدرّب الذي اختاره راكان لم تتوقعه ليلى على الإطلاق.توقّعت رجلاً ضخمًا صارمًا بصوت عالٍ وأوامر قصيرة لا تقبل النقاش. جاءها رجل في الخمسين من عمره، نحيف بطريقة تُخفي قوة واضحة لمن يعرف أين ينظر، شعره رمادي مائل للفضة وعيناه خضراوان بهدوء عميق من يعرف أنه لا يحتاج إثبات شيء لأحد في هذا العالم أو في أي عالم آخر. اسمه طارق. جلس أمامها في أول لقاء على الأرض مباشرة بسهولة تامة وتكلّم خمس دقائق كاملة دون أن يقف أو يتحرك، جالسًا بطريقة تليق بمن يعيش في جسده تمامًا ويثق به.— أنا لن أُعلّمكِ القتال. — قال بصوت هادئ ثابت لا ارتفاع فيه.— إذن ماذا ستُعلّمني تحديدًا؟ — سألت.— كيف تسمعين جسدكِ. — قالها ببساطة تامة لا تكلّف فيها. — ما عندكِ موجود بالفعل منذ ولادتكِ. مهمّتي الوحيدة أن أُساعدكِ على الاستماع إليه بدلاً من الخوف منه أو تجاهله كأنه ليس موجودًا أصلاً.* * *الجلسة الأولى لم تكن تدريبًا بالمعنى المعتاد الذي تعرفه ليلى من أي تجربة سابقة في حياتها.طلب منها طارق أن تجلس على الأرض في وسط القاعة الواسعة، تُغمض عينيها، وتُركّز على تنفّسها فقط. دون تفكير في أي شيء آخ
Read more

الفصل الخامس عشر: الذاكره

الفصل الخامس عشرالذاكرةالذاكرة خادعة. هذا ما أدركته ليلى في اليوم الثاني من تدريبها مع طارق بشكل لم تتوقعه.ليس لأن الذاكرة تكذب بالضرورة، بل لأنها تُقدّم فقط ما كنّا مستعدين لرؤيته في وقته بالضبط. والأشياء التي لم نكن مستعدين لها تجلس هادئة صامتة منتظرة في الذاكرة كقطع أحجية متناثرة لم ندرك أننا نملكها حتى نجد اللوحة الكاملة التي تنتمي إليها وتُكمّلها.طلب منها طارق اليوم أن تُغمض عينيها وتتذكّر جدّتها. ليس بشكل عام وضبابي مريح. بالتفاصيل الصغيرة الدقيقة التي لا يتذكرها الناس عادةً لأنهم لا يعرفون قيمتها.— تذكّري يدها. — قال. — كيف كانت تمشي. كيف كانت تُحرّك رأسها حين تسمع شيئًا مفاجئًا. أي تفصيل يأتي تلقائيًا دون جهد ودون بحث.أغمضت عينيها وأطلقت للذاكرة العنان الكامل.يد جدّتها: أصابع طويلة نحيفة، مفاصل بارزة قليلاً تدل على سنوات طويلة من العمل والحياة، جلد ناعم بطريقة لا تتناسب مع عمرها الحقيقي. كانت دائمًا دافئة بشكل لافت لا يُفسَّر بأي تفسير عادي. حتى في أشد أيام الشتاء برودة وثلجًا، يد جدّتها كانت دافئة كأن فيها نارًا صغيرة هادئة لا تنطفئ في أي فصل. كانت ليلى الصغيرة تمسك بي
Read more

الفصل السادس عشر: الليله الممطره

الفصل السادس عشرالليلة الممطرةانقطع التيار الكهربائي في السابعة مساءً.لم يكن مفاجئًا تمامًا. المطر كان يهطل منذ الظهيرة بغزارة نادرة حتى لهذه الغابة التي اعتادت الثلج والمطر جزءًا من هويتها، وريح قوية تضرب الجدران الحجرية الثقيلة بطريقة تجعل المبنى يبدو أصغر من الخارج وأكثر عزلةً عن العالم وأكثر حميميةً من الداخل. انقطع الكهرباء وخيّم الظلام على الممرات لدقيقتين كاملتين. بعدها أُضيئت مصابيح الطوارئ المثبّتة في الجدران، ضوء أصفر خافت دافئ يجعل كل شيء يبدو أقدم مما هو عليه وأكثر قدسية بطريقة ما لا تُفسَّر بسهولة.كانت ليلى في المكتبة الصغيرة في الطابق الأول حين حدث ذلك. مكتبة أحبّتها منذ اليوم الأول الذي اكتشفتها فيه: جدران من الكتب الكثيفة القديمة، كرسيّن مريحان مقابل مدفأة صغيرة أُشعلت في الصباح لأن الطقس كان يستدعي ذلك، ورائحة خشب محترق هادئة تملأ المكان. قرأت بالضوء الأصفر الخافت ولم تتحرك من مكانها. كانت قد اكتشفت أن المطر والنار معًا يخلقان نوعًا من الهدوء لا يتوفر في أي يوم عادي مهما حاولت.ثم سمعت خطوات تتوقف عند الباب.عرفتها فورًا. بعد أسابيع من الحياة في هذا المجمع والمشي
Read more

الفصل السابع عشر: العدو

الفصل السابع عشرالعدوفي اليوم الثالث عشر جاءت الأخبار التي غيّرت كل شيء.كان راكان في اجتماع مع مجلس القبيلة حين دخل أحد الحراس بوجه متغيّر يحمل خبرًا عاجلاً. همس بشيء في أذن نادر بسرعة محسوبة. خرج نادر بسرعة هادئة لا تُثير انتباه الغرفة المجتمعة. راكان لاحظ كل هذا دون أن يُظهر أنه لاحظه على الإطلاق، ورفع يده لإيقاف الاجتماع مؤقتًا بحركة بسيطة.الخبر كان مختصرًا لكنه ثقيل: آثار حديثة على الحدود الشمالية. حديثة جدًا لدرجة تثير القلق.* * *وجدت ليلى نادر في الممر الرئيسي بوجه مختلف تمامًا عن معتاده الهادئ. الابتسامة المحسوبة المعتادة غائبة تمامًا. مكانها شيء يشبه التركيز المشدود لرجل يُعالج معلومات كثيرة في وقت قصير جداً ويزن ما يقوله وما يُخفيه بدقة.— ما الذي حدث؟ — سألت مباشرة دون مقدمات.— دورية الحدود الشمالية وجدت آثارًا حديثة جدًا قبل ساعات قليلة.— آثار ماذا بالتحديد؟تردّد لثانية واحدة لا أكثر قبل أن يجيب. ثم: — قبيلة الظل.— قبيلة الظل؟ من هي بالضبط؟— منافسونا القدامى منذ أجيال طويلة. — وقفة قصيرة. — والخطر الذي جعل فاطمة تهرب في يوم ما قبل ثلاثة وثلاثين عامًا كاملة.توقفت
Read more

الفصل الثامن عشر: الحمايه

الفصل الثامن عشرالحمايةفي اليوم التالي لأخبار الآثار الشمالية المقلقة، تضاعفت الحراسة حول ليلى بشكل لافت للنظر لم يُخبَر به صراحةً بكلمات مباشرة، لكنه كان واضحًا لعيون باتت أكثر تدريبًا على الملاحظة الدقيقة للتفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الناس عادةً.نادر صار يظهر في أوقات غريبة لم يكن يظهر فيها من قبل، حاملاً دائمًا مبررًا منطقيًا لكن المبررات تراكمت حتى أصبحت كثيرة جداً لدرجة أنها لم تعد مقنعة لعقل يقظ. حارس إضافي وقف عند مدخل القسم الذي تسكنه دون أي إعلان أو تفسير مسبق. وعند كل جلسة تدريب مع طارق كان هناك وجه غير مألوف يجلس في طرف القاعة كأنه يستريح، لكنه لا يرتاح أبداً ولا تغمض له عين واحدة في أي لحظة من اللحظات.لاحظت ليلى كل هذه التفاصيل واحدةً تلو الأخرى. لم تقل شيئًا في اليوم الأول. راقبت وانتظرت وجمعت الأدلة. في اليوم الثاني قالت لنادر في الصباح الباكر بنبرة هادئة واضحة لا تقبل التأويل: أخبر راكان أنني لاحظت كل شيء.سأل نادر عمّا لاحظت بالتحديد بأسلوبه المحايد المعتاد الذي لا يكشف ولا يُخفي. فقالت: الحراسة المضاعفة من حولي في كل مكان أذهب إليه. أنا لا أمانع الحماية أبداً يا
Read more

الفصل التاسع عشر: الرقصة

الفصل التاسع عشرالرقصةحفل القبيلة لم يكن في خطط ليلى على الإطلاق لهذه الليلة تحديدًا.كان مناسبة سنوية ثابتة في تقويم القبيلة، ذكرى تأسيس المجمع في هذه الغابة قبل مئتي عام، لم تُلغَ حتى في أصعب الأوقات والأزمات التي مرّت على القبيلة عبر تاريخها الطويل. لأن راكان يؤمن إيمانًا راسخًا بشيء واحد ثابت: ما يجمع الناس على سرور مشترك وذاكرة مشتركة يُقوّيهم أكثر بكثير مما يُقوّيهم التحذير المشترك من خطر خارجي وحده. والقبيلة التي لا تحتفل لا تتذكر أنها تستحق ما تحميه.أخبرها نادر في الصباح ببساطة: الليلة حفل في الساحة الكبيرة. حضورك مطلوب.سألت: مطلوب بمعنى ماذا بالضبط؟أجاب: بمعنى أن راكان يريدكِ هناك بشكل واضح. وبمعنى أن القبيلة تحتاج أن تراكِ وتتعرف عليكِ بشكل طبيعي هادئ بعيدًا عن الشائعات المتداولة في الممرات. الغموض يُولّد التخيّل دائمًا. والتخيّل في القبائل أحيانًا أسوأ بكثير من الحقيقة مهما كانت صعبة أو مفاجئة أو معقدة.ترددت ليلى للحظة. ثم قرّرت. ستذهب. ليس لأنه مطلوب منها فقط. بل لأنها أدركت أن الناس الذين يعيشون هنا ليسوا مجرد حراس وذئاب وقواعد. هم قبيلة. وإذا كانت ستبقى في هذا المك
Read more

الفصل العشرون:الغيره

الفصل العشرونالغيرةالغيرة شعور لا يستأذن ولا يطرق الباب قبل الدخول. يدخل مباشرةً ويجلس في صدرك وكأنه كان هناك دائمًا ينتظر اللحظة المناسبة فقط.هذا ما أدركته ليلى في اليوم التالي للحفل حين رأت سارة لأول مرة بهذه الطريقة التي جعلت شيئًا ما ينقبض في داخلها دون إذن.سارة كانت ذئبة من القبيلة في الثامنة والعشرين من عمرها، جميلة بطريقة تعرف نفسها جيدًا وتعرف أثرها على من حولها تمامًا. طويلة القامة بشعر أسود قصير يُناسب ملامحها الحادة الجميلة، وعيون عسلية دافئة تبدو دائمًا كأنها تعرف شيئًا إضافيًا عمّا تقوله. وقفت بجانب راكان في الممر الرئيسي تتحدث إليه بأريحية لافتة تدل على صداقة قديمة راسخة اختبرتها السنوات الطويلة، يدها لمست ذراعه للحظة خفيفة طبيعية تمامًا، ابتسامتها موجّهة إليه بطريقة تعرف تأثيرها.مرّت ليلى من الممر المقابل بخطوات عادية لا تتغير في سرعتها أو إيقاعها. لم تتوقف. لم تتباطأ. لم تنظر أكثر من اللازم بأي شكل من الأشكال.لكن شيئًا في صدرها احترق بطريقة مفاجئة لم تكن تتوقعها ولم تكن مستعدة لها في تلك اللحظة على الإطلاق.جلست في غرفتها بعد ذلك مباشرةً وأمضت عشر دقائق كاملة تُق
Read more
PREV
123456
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status