All Chapters of أنياب القمر : Chapter 21 - Chapter 30

43 Chapters

الفصل الحادي والعشرون : السر الأول

الفصل الحادي والعشرونالسر الأولفي الصباح الباكر، قبل أن يبدأ التدريب وقبل أن يجيء نادر بكوبي الشاي المعتادين، طرق راكان باب غرفتها بهدوء.لم يكن هذا معتادًا. راكان لا يطرق أبواب الآخرين عادةً في أي وقت، الآخرون يطرقون بابه. لكنه كان هنا الآن في الممر، واقفًا بمعطفه الداكن وعيون تحمل شيئًا يشبه القرار المُتَّخذ للتو، قرار لم يكن موجودًا في الأمس.سألته ببساطة: هل أنت مستعد لقول شيء مهم الآن؟قال: إذا كان الوقت مناسبًا لكِ.فتحت الباب أوسع دون كلام إضافي. دخل. لم يجلس. وقف بالقرب من النافذة ونظر للخارج لحظة طويلة قبل أن يتكلم، كرجل يُرتّب ما سيقوله للمرة الأخيرة في رأسه قبل أن يُطلقه في الهواء بين الاثنين.قال ببطء وصوته ثابت كالمعتاد لكن بطبقة أعمق: جدّتكِ فاطمة لم تكن مجرد مستشارة لأبي كما قد يبدو للناظر من الخارج. كانت حارسة الذاكرة في القبيلة. اللقب الرسمي في تاريخنا القديم يعني أنها كانت المسؤولة عن صون التاريخ الشفوي والمكتوب كله دون استثناء، عن الأسرار التي لا تُكتب إلا بالترميز أو تُنقل شفاهًا من جيل لجيل بطريقة محددة. كل ما تعرفه القبيلة عن نفسها عبر القرون الطويلة كان في عهد
Read more

الفصل الثاني و العشرون: الدم

بعد أحداث ليلة «السر الأول»، حين اكتشفت ليلى أن جدتها فاطمة تركت وراءها أكثر من مفكرة واحدة، طلب منها طارق أن تخرج معه إلى حدود الغابة الشرقية لتتمرن على تتبع الأثر، وهي مهارة أساسية لكل من يحمل دمًا مزدوجًا مثلها. كان الصباح باردًا، والضباب لا يزال معلقًا بين الأشجار كأنه ستار رقيق يخفي ما وراءه.قالت ليلى وهي تتبع خطى طارق بحذر: «لماذا حدود الغابة الشرقية بالذات؟ ظننت أن أخطر المناطق هي الشمالية قرب أراضي قبيلة الظل.» أجابها طارق دون أن يتوقف عن السير: «الحدود الشرقية أهدأ ظاهريًا، لكنها الأقرب إلى القلعة، وهذا بالضبط ما يجعلها موضع اختبار جيد لحواسك الجديدة دون مخاطرة كبيرة، أو هذا ما كنا نظنه على الأقل.»بدآ التمرين، وطلب طارق من ليلى أن تغمض عينيها وتحاول تمييز الأصوات المحيطة بها واحدًا تلو الآخر: حفيف الأوراق، خرير جدول بعيد، خطى غزال يعبر بحذر. نجحت ليلى في المهمة بسهولة أكبر مما توقعت، وشعرت بفخر خفيف حين ابتسم طارق موافقًا على تقدمها السريع.لكن فجأة، توقف طارق عن الابتسام، وتجمّد في مكانه، وكأن حاسة أخرى بداخله التقطت شيئًا لم تلتقطه أذنا ليلى بعد. همس بصوت منخفض جدًا: «ابق
Read more

الفصل الثالث و العشرون: السؤال المحظور

لم يجفّ أثر الدم على كفّ ليلى بعد، رغم مرور ليلة كاملة على ما حدث عند حدود الغابة الشرقية. كانت تجلس على حافة نافذة غرفتها في قلعة راكان، تراقب الضباب الذي يتسلل بين الأشجار العارية، وتفكّر في اللحظة التي رأت فيها راكان يسقط أرضًا بعد أن تلقّى الضربة التي كانت موجّهة إليها هي. لم يكن الألم في عينيه هو ما أرعبها، بل الصمت الذي أعقب ذلك؛ صمتٌ ثقيل لم يفسّره أحد.طرقت سيرا الباب برفق، وحملت معها صينية شاي من أعشاب بريّة ورائحة قرفة خفيفة. جلست أمام ليلى دون أن تنطق بكلمة، وكأنها تمنحها الوقت الكافي لتستجمع أنفاسها. أخيرًا قالت ليلى بصوت متعب: «لماذا لم يخبرني أحد أن الرابطة تجعله يشعر بكل ما أشعر به؟ لو كنت أعرف، ما كنت اقتربت من تلك الحدود.»ابتسمت سيرا ابتسامة حزينة، ووضعت كوب الشاي أمامها. «هناك أسئلة في هذه القبيلة لا يُسمح بطرحها يا ليلى، ليس لأن الإجابة خطيرة فحسب، بل لأنها تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بعد ذلك. سؤالك عن الرابطة هو أحد تلك الأسئلة.»لم تكتفِ ليلى بهذا الجواب الغامض. نهضت واقفة، وشعرت فجأة أن جسدها أخفّ من المعتاد، وكأن شيئًا ما بداخلها بدأ يستيقظ منذ الليلة الماضية.
Read more

الفصل الرابع و العشرون: العلامه

استيقظت ليلى في منتصف الليل على وخز غريب في كتفها الأيسر، تمامًا في المكان الذي وضع فيه راكان يده قبل ساعات. أشعلت المصباح الصغير بجانب سريرها، وأزاحت طرف قميصها لترى ما يحدث، فتجمّد نفسها في صدرها.كان هناك رسمٌ رفيع يتشكّل تحت جلدها، خطوط فضية باهتة تلتف حول بعضها كأنها هلال داخل دائرة، تمامًا مثل الرمز الذي رأته منقوشًا على غلاف مفكرة جدتها فاطمة. لم يكن وشمًا، ولم يكن جرحًا، بل كأن شيئًا كان نائمًا تحت جلدها منذ سنوات، وقرر الآن أن يستيقظ.لفّت شالًا حول كتفيها وهرعت إلى غرفة طارق، مدربها، الذي كان لا يزال مستيقظًا يراجع بعض الأوراق القديمة على ضوء الشمعة. حين رأى وجهها الشاحب، نهض فورًا. «ماذا حدث؟ هل تأذيتِ؟»أرته العلامة دون أن تنطق بكلمة. توقف طارق طويلًا، ثم اقترب ببطء شديد، كأنه يخشى أن تختفي إن اقترب بسرعة. قال بصوت مرتجف قليلًا: «هذه هي علامة حارسة الذاكرة. رأيتها مرة واحدة فقط في حياتي، على ذراع فاطمة، في الليلة التي سبقت هروبها.»شعرت ليلى بالدوار. «تقصد أنني الآن... حارسة الذاكرة؟ لكنني لا أعرف حتى ما تعنيه هذه الكلمة بالضبط!»جلس طارق أمامها، وحاول أن يشرح لها بأبسط ما
Read more

الفصل الخامس و العشرون: الحارسه القديمة

قادت سيرا ليلى في الصباح التالي إلى جناح لم تزره من قبل، عميق في الطابق السفلي من القلعة، حيث الهواء أبرد وأثقل، وحيث تتراص رفوف حجرية قديمة محفورة برموز باهتة تشبه تلك الموجودة على قطعة القماش. قالت سيرا وهي تفتح بابًا حديديًا ثقيلًا: «هذا هو أرشيف حارسات الذاكرة. لم يدخله أحد من خارج دائرة الحكماء منذ عقود.»دخلت ليلى بحذر، وشعرت أن كل خطوة تأخذها أعمق في التاريخ، تاريخٍ لم تكن تعرف أنها جزء منه حتى أيام قليلة مضت. توسط القاعة تمثال حجري لامرأة تحمل ذئبًا صغيرًا بين ذراعيها، وتحت قدميها نُقشت كلمات بلغة قديمة لم تستطع ليلى قراءتها.قالت سيرا وهي تقف بجانبها: «هذا تمثال أول حارسة ذاكرة في تاريخ القبيلة، منذ أكثر من ثلاثمائة عام. كل من حملت العلامة بعدها أضافت جزءًا من ذاكرتها إلى هذا المكان، حتى صار هذا الأرشيف أشبه بذاكرة جماعية حية.»اقتربت ليلى من رف قديم، وسحبت كتابًا جلديًا رقيقًا كانت تعلوه طبقة خفيفة من الغبار. حين فتحته، وجدت خط يد مألوفًا جدًا، خط يد رأته من قبل في المفكرة التي عثرت عليها في الفصل الثامن. كان هذا خط يد جدتها فاطمة.قرأت بصوت مرتجف: «إن كنتِ تقرأين هذا يومًا،
Read more

الفصل السادس و العشرون: رساله من الظل

وجد نادر الرسالة عند الفجر، مثبتة بسهم أسود على باب القلعة الرئيسي، بلا حارس رآها تُلقى وبلا أثر خطى في الثلج المحيط بالبوابة. حملها إلى راكان فورًا، ويداه ترتجفان قليلًا، وهو ما لم يعتَد نادر أن يفعله أمام أحد.فتح راكان الرسالة في القاعة الكبرى، بحضور نادر وسيرا وطارق، بينما وقفت ليلى قرب النافذة تراقب وجهه وهو يقرأ. تغيّرت ملامحه ببطء من التركيز إلى الغضب الصامت، ذلك النوع من الغضب الذي لا يُترجم إلى صراخ بل إلى صمت أشد رعبًا.قرأ راكان بصوت جهوري ليسمع الجميع: «إلى ملك الذئاب الجديد: نعلم أن الذئبة البيضاء استيقظت أخيرًا بين جدرانكم. لن ننتظر جيلًا آخر لاستعادة ما هو حق لنا. أعطونا حارسة الذاكرة قبل اكتمال القمر القادم، وإلا فسنأخذها بأنفسنا، ومعها كل من يقف في طريقنا.»ساد صمت ثقيل في القاعة. كانت ليلى تسمع نبضات قلبها في أذنيها بوضوح. سألت بصوت متماسك بالكاد: «كيف عرفوا بأمر العلامة؟ لم يمرّ سوى يومين على ظهورها!»قال طارق بجدية: «هذا يؤكد ما كنا نخشاه. الخائن ما زال بيننا، وما زال يراقب كل شيء يحدث داخل هذه الجدران، وينقله للخارج بسرعة تفوق قدرتنا على التحرك.»أطبقت يد راكان عل
Read more

الفصل السابع و العشرون: الليله الحمراء

لم يمضِ سوى ثلاثة أيام على وصول رسالة قبيلة الظل حين استيقظت القلعة بأكملها على صوت نفير الإنذار يدوّي في الليل. قفزت ليلى من سريرها وقلبها يخفق بعنف، وركضت نحو الممر الرئيسي حيث كان الجميع يتحركون في فوضى منظمة، محاربون يحملون أسلحتهم، وحكماء يتوجهون نحو غرف الحماية.وجدت ريم عند مفترق الممرات، ترتدي درعها الخفيف وتحمل سيفين قصيرين. أمسكت بذراع ليلى وقالت بسرعة: «دورية حراسة رصدت مجموعة من قبيلة الظل عند الحدود الشمالية، يبدو أنهم يختبرون دفاعاتنا قبل الهجوم الكبير المرتقب مع اكتمال القمر.»سألت ليلى بقلق: «أين راكان؟»«في الطليعة، كما هي عادته دائمًا.» أجابت ريم وهي تجرّها نحو غرفة الحماية. «وأنتِ ستبقين هنا، لا نقاش في الأمر هذه المرة.»لكن ليلى لم تكن قادرة على الجلوس بلا حراك بينما يقاتل راكان من أجلها. شعرت بشيء يشتعل بداخلها، حرارة غريبة تنبع من موضع العلامة على كتفها، وكأن جسدها بدأ يستجيب لصوت المعركة البعيد قبل أن يستوعب عقلها ما يحدث.تسللت من غرفة الحماية بمجرد أن انشغل الحراس بترتيب الدفاعات، وركضت نحو السور الشمالي حيث كانت الأصوات أعلى. وصلت إلى شرفة مرتفعة تطل على ساحة
Read more

الفصل الثامن و العشرون: اكتشاف الشلال

وصل فريق نادر الصغير إلى الشلال الشمالي مع أولى خيوط الفجر، حين كان الضباب لا يزال يغلّف صخوره الملساء بغلالة رمادية باردة. ترجّل طارق من فرسه أولًا، وتفحّص المكان بعينيه الكهرمانيتين، محاولًا أن يتذكر أي تفصيل من الرسم القديم الذي وجدته ليلى في الأرشيف.قال أحد المحاربين المرافقين بحذر: «المكان يبدو هادئًا تمامًا يا سيدي، لا أثر لأي وجود حديث هنا.» لكن طارق لم يقتنع بسهولة، فتقدّم نحو الصخرة الكبرى التي يتساقط الماء من فوقها، وبدأ يبحث عن أي فراغ أو تجويف قد يكون مخبأً خلف ستار الماء الهادر.بعد نصف ساعة من البحث الدقيق، وجد نادر شقًا ضيقًا خلف الشلال مباشرة، بالكاد يتسع لجسد إنسان واحد. تسلل إليه بحذر شديد، وأشعل شعلة صغيرة أضاءت كهفًا صغيرًا محفورًا في الصخر، بدا وكأنه لم يُلمس منذ عقود طويلة.نادى نادر طارقًا بصوت متحمس: «تعال بسرعة، وجدت شيئًا!» دخل طارق مسرعًا، ووجد في عمق الكهف صندوقًا حجريًا صغيرًا، منقوشًا عليه الرمز نفسه الذي رأته ليلى على كتفها، هلال داخل دائرة، لكن هذه المرة محاطًا برموز أكثر تعقيدًا تشبه سلسلة من الأسماء المكتوبة بلغة قديمة.فتح طارق الصندوق بحذر شديد، خش
Read more

الفصل التاسع و العشرون: الإسم الناقص

قضت ليلى الأيام التالية منكبّة على الأوراق التي عثر عليها نادر وطارق في كهف الشلال، تحاول بمساعدة سيرا فك رموز الجزء المتبقي منها، والذي بدا مكتوبًا بلغة أقدم وأكثر تعقيدًا من بقية النصوص. جلستا لساعات طويلة في الأرشيف، تقارنان الرموز برسومات قديمة أخرى محفوظة على الجدران الحجرية.قالت سيرا وهي تفرك عينيها من الإرهاق: «هذه اللغة تسمى لغة الحراس القدامى، لم تُستخدم رسميًا منذ أكثر من قرن، ولا يجيد قراءتها الآن سوى قلة قليلة جدًا في القبيلة بأكملها.» سألتها ليلى بقلق: «من يجيدها إذن؟ ربما يمكنهم مساعدتنا في الترجمة بسرعة أكبر.»فكّرت سيرا مليًا قبل أن تجيب بتردد واضح: «في الحقيقة، حسام كان من أبرز من درسوا هذه اللغة القديمة في شبابه، إلى جانب فاطمة نفسها. وهذا تحديدًا ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا، لأننا لا نستطيع أن نطلب مساعدته دون أن نكشف عن اكتشافنا بالكامل.»شعرت ليلى بإحباط شديد، لكنها لم تستسلم. تذكرت فجأة أن جدتها ذكرت في مفكرتها اسم امرأة أخرى تُدعى «أم كلثوم»، كانت صديقة مقربة لها في شبابها. سألت سيرا عنها، فأومأت الأخيرة برأسها بتفاجؤ: «أم كلثوم ما زالت حية، تعيش بمعزل عن القبيل
Read more

الفصل الثلاثون: قبل اكتشاف القمر

دخلت ليلى القاعة الكبرى في تلك الليلة، وقلبها يخفق بعنف، تحمل معها الورقة المترجمة التي قد تغيّر مصير القبيلة بأكملها. وجدت راكان جالسًا وحيدًا أمام الموقد، يتأمل النار الهادئة بصمت طويل، وكأنه يشعر مسبقًا بثقل ما ستحمله هذه الزيارة.جلست بجانبه دون مقدمات طويلة، وقالت بصوت هادئ ومتماسك قدر استطاعتها: «وجدنا الاسم يا راكان، الاسم الذي كنا نبحث عنه منذ أسابيع.» رفع رأسه نحوها فورًا، وعيناه الذهبيتان تحملان مزيجًا من الترقب والخوف في آن واحد. سألها بصوت منخفض: «من هو؟»مدّت له الورقة بيد مرتجفة قليلًا، وانتظرت بصمت وهو يقرأ. تجمّدت ملامحه للحظة طويلة، ثم أطبق عينيه بألم واضح، وكأن كل عضلة في جسده تجمّدت دفعة واحدة. قال بصوت مخنوق: «هذا مستحيل... لا يمكن أن يكون هو، لقد كان بجانب والدي في أحلك الأوقات.»وضعت ليلى يدها على كتفه بلطف، وقالت: «أعرف كم هذا مؤلم يا راكان، لكن الأدلة واضحة، وأم كلثوم ترجمت النص بنفسها أكثر من مرة للتأكد. يجب أن نتصرف بحكمة الآن، لا بدافع الصدمة أو الغضب.»نهض راكان فجأة، وبدأ يسير جيئة وذهابًا في القاعة، وكأنه يحاول استيعاب الخبر واستعادة توازنه في آن واحد. قا
Read more
PREV
12345
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status