LOGINساد الصمت أرجاء الصالة الكبرى في القصر بمجرد أن أُغلق الباب الخارجي الثقيل خلف رائد وليان، صمتٌ لم يكن هادئاً بقدر ما كان محشواً بصدى الصراخ المتلاشي ورائحة المطر الرطب التي تسللت من الفتحات الزجاجية ، كان القصر ينبض بطاقة غريبة، كأن جدرانه الرخامية العتيقة تتنفس التوتر الذي يخنق الجميع،وقفت سهام في منتصف القاعة، لم تتحرك شبرًا واحداً، بل ظلت مصلوبة العود بأناقتها الباردة، أزاحت شعرها المصفف بعناية إلى الخلف بلمسة حاسمة، وجالت بعينيها الحادتين في الفراغ الممتد، قبل أن تدير رأسها ببطء نحو شاهين، الذي كان يقف كعمود من الرخام عند بداية السلم الداخلي، تتصاعد من قميصه الهيبة، وعيناه النافذتان تتأملانها بنظرة تجمع بين الحقد القديم والشغف المكبوت،خلعت سهام قفازاتها الجلدية السوداء إصبعاً تلو الآخر، وألقتها فوق الطاولة الخشبيّة القريبة برعونة مدروسة، ثم قالت بصوت نقي، حاد، يتهادى في الصالة كشفرة حريرية:«تسرّع ابنك كالعادة يا شاهين ، أخذ الفتاة وركض بها وكأنه الفارس المنفذ، بينما أنت كعادتك، تكتفي بالمراقبة والوقوف في الظل، تنتظر أن تهدأ العاصفة لتجمع الغنائم.»خطى شاهين خ
مرّ أسبوع كامل ، سبعة أيام بطيئة بَنت خلالها الجدران حواجز جديدة من الصمت في القصر ، كان أسبوعاً هادئاً في ظاهره، لكنه حمل نوعاً ثقيلاً من الترّقب الذي يُجهِد النفس أكثر من المواجهة المباشرة،خلال تلك الأيام السبعة، اختفى كايان تماماً من المشهد، لم تظهر سيارات حراسته عند أطراف الحي، ولم ترتسم في عتمة الشرفة رائحة التبغ الفاخر التي طالما أرّقت ليل ليان، بل حُذفت أي إشارة إليه حتى من الصحف الاقتصادية التي كانت تتابع صفقاته ، كان الصمت الذي فرضه كايان كاملاً ومحسوباً، كأنه مسح وجودها من معادلته تماماً،حاولت ليان إقناع نفسها بأن هذا الاختفاء هو ما كانت تطالب به دائماً، وأن عودة حياتها إلى خطها الهادئ هي المكسب الحقيقي ، لكن التجاهل المطبق جعلها تخوض معركة يومية مع أفكارها؛ كانت تسأل نفسها بين الحين والآخر: هل كان تجاهله لها في الحفل ورقصته الاستعراضية بداية النهاية بالفعل؟ أم أن هذا الهدوء مجرد خطة خبيثة لإرهاق كبريائها وجعلها تأكل نفسها في الانتظار؟لتتهرب من هذه التساؤلات، كانت تقضي معظم أوقاتها بين جناحها والحديقة الخلفية القصر، تحاول القراءة أو مراقبة المطر الخفيف الذي
ترددت آخر نغمات السيمفونية الكلاسيكية في أرجاء القاعة الكبرى، وتلاشت ألحان الأوتار الهادئة لتفسح المجال لموجة خفيفة من التصفيق الدافئ الذي تبادله الحاضرون على أطراف حلبة الرقص،كانت ليان تقف على حافة الرخام المصقول، ويدها ما زالت تستقر بخفة فوق ذراع رائد ، كانت السخونة تسري في أسفل قدميها جراء الحركة، لكن أحشاءها كانت متجمدة تماماً ، رفعت عينيتها ببطء شديد، ورسمت على وجهها هدوءاً متصنعاً وهي تتراجع خطوة واحدة إلى الخلف، محاطة بكبرياء يرفض الانكسار،انتهت المعزوفة، وفي تلك اللحظة التفت كايان بمهل نحو تالين ، سحب يده من حول خصرها ببرود حاسم ومجرد من أي دفء، ورتب طرف سترة بدلته السوداء بلمسة خفيفة دون أن ينظر إلى وجهها المبتسم،«كانت رقصة رائعه» قالت تالين بصوت ناعم، وعلقت عيناها بملامحه الحادة وهي تحاول الحفاظ على تقارب المسافة بينهما،أجابها كايان بنبرة خفيضة وجافة، تتجاهل إطراءها كلياً:«المستثمرون الأجانب ينتظرون في الصالون الملحق، جهزي ملفات المرفأ وسألحق بكِ خلال دقائق.»لم تنتظر تالين منه مغازلة أو حديثاً جانباً؛ فقد كانت السيطرة الجليدية التي يتعامل بها
كانت زجاجات النافذة المظللة لسيارة "الروز رايز" تعكس أضواء واجهات الفندق الماسي المتلألئة وسط عتمة الليل العاصف ، في المقعد الخلفي، كانت ليان تجلس بين عمها شاهين وابنه رائد، وساقاها الملتفتان بقماش الحرير الأسود تلتصقان ببعضهما في ثبات مفتعل،كان الفستان الذي اختارته لهذه الليلة يعود لتصميم كلاسيكي محشوم؛ أسود بقصة مستقيمة تحيط بجسدها الممشوق، بفتحة عنق مربعة أظهرت بياض بشرتها الشاحبة دون تكلف ، رفعت شعرها الأسود الداكن بأكمله إلى الأعلى في كعكة مرتخية تثبتها مشابك صغيرة، تاركة بضع خصلات ناعمة تتساقط حول أذنيها وعنقها، لم تضع من الزينة سوى أقراط ألماسية صغيرة، وقليلاً من أحمر الشفاه الهادئ ليداري شحوب شفتيها الناجم عن أرق الليلة الماضية،كانت يداها المستقرتان على حقيبتها الصغيرة تبذلان جهداً لكي لا ترتجفا، كانت تعلم أن دخولها إلى هذا الحفل ليس مجرد حضور اجتماعي عابر؛ بل هو نزال صامت تُثبت فيه لنفسها، ولذلك الرجل، أنها لم تعد تلك الفتاة التي ترتعد خوفاً في غرفتها المغلقة،«ليان،» تحدث شاهين بنبرة خفيضة ورزينة، ملتفتاً نحوها وهو يضبط أزرار أكمامه الذهبية: «لا داعي للالتفات لأي همس ، نحن
انساب ضوء الصباح البارد عبر الشق الضيق للستائر الحريرية المغلقة، ليرسم خطاً فضياً باهتاً على أرضية الغرفة الخشبية ، كانت ليان تستلقي على طرف السرير الفاخر بكامل ثيابها السوداء التي لم تبدلها منذ الليلة الماضية، وعيناها معلقتان بالسقف الفخار في جمود تائم،لم تغمض لها عين طوال ساعات الليل الطويلة؛ فكلما أوشكت على الطفو في غيبوبة النوم، داهمها طيف ذلك التماس المحموم على بشرتها، وسرت في عروقها رائحة التبغ والعطر الخشبي الداكن التي أبت أن تتلاشى من أركان الغرفة ، كان أثر إبهامه الشديد فوق شفتها السفلى ينبض بحرارة مكتومة، وكأنه وشم قسري انغرس في أعمق طبقات جسدها ليدمر محاولات ثباتها،نهضت ببطء شديد، وشعرها الأسود المنسدل ينحدر على كتفيها بعشوائية ، وقفت أمام المرآة الطويلة، تتأمل حمرة عنقها الشاحب وعينيها المجهدتين اللتين تحيطان بهما هالات دكنة شفافة ، رفعت كفها المرتجف ولمست مجرى فكها؛ المكان الذي احتجز فيه كايان أنفاسها ليعيد تذكيرها بإنكاره المكابر وغيرتها المشتعلة،«لن أنتظر حتى يمزقني هذا التفكير» همست لنفسها بصوت خفيض ونبرة مشحونة بالحقد والكبرياء الجريح «يظن أنه بكلماته
وقفت ليان فجأة، مستندة بكفيها المرتجفتين على حافة الطاولة الخشبية، مما أحدث حفيفاً خفيفاً حاداً لفت انتباه حارسها المباشر القريب منها ، كانت الدماء تغلي في عروقها بكثافة، وقلبها ينبض بضربات متلاحقة وشديدة القسوة، كأنه يوشك على الاختناق والتوقف في صدرها،ارتسمت على وجهها علامات اضطراب حاد حاولت جاهدة تشكيلها في قالب من الغضب المشتعل والتجاهل الصارم ، لم تسحب نظارتها الشمسية، بل جمعت أمتعتها وحقيبة تسوقها بيدين تبذلان جهداً خرافياً لكي لا ترتجفا أمام الناظرين ، كانت تشعر بأن كل عين في هذا المقهى، بل في الساحة بأكملها، ترقب انكسارها المستتر وخيبة أملها القاتلة التي حاولت دفنها تحت طبقات المظهر الجذاب والكبرياء الزائف ،تحرك الحارس المباشر فوراً من طاولته وخطا نحوها باهتمام، متسائلاً بنبرة خفيضة ومستفسرة:«آنسة ليان ، هل هناك أي خطب؟ هل تريدين المغادرة الآن؟»لم تنظر إليه، بل ثبتت عينيها على الامتداد المؤدي لخارج الساحة، متجنبة بالكامل النظر نحو الطاولة المجاورة التي يجلس عليها كايان مع تلك المرأة ، أجابت بصوت متماسك بصعوبة، يحمل نبرة آمرية جافة وباردة:«نعم ، احضر السيارة فوراً ، لم أعد







