مشاركة

الفصل التاسع عشر

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-07-10 22:04:35

مر يوم...

ثم جاء الذي يليه.

ولأول مرة...

أدركت أروى أن الزمن داخل السجن لا يسير كما يسير خارجه.

كانت الأيام متشابهة.

الأبواب نفسها.

الجدران نفسها.

والأصوات نفسها.

حتى الوجوه...

بدت وكأنها تحفظ أماكنها.

استيقظت أروى مع أول صوت لفتح الأبواب.

جلست فوق سريرها.

ثم رتبت فراشها كما رأت هناء تفعل في اليوم السابق.

راقبتها هناء من بعيد.

ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.

ــ يبدو أنك بدأت تتعلمين بسرعة.

أجابت أروى بهدوء:

ــ ليس أمامي خيار.

لم تعلق هناء.

واكتفت بهز رأسها.

بعد الإفطار...

جلست السجينات الأربع داخل الزنزانة.

كانت سلمى تروي موقفًا مضحكًا حدث قبل أشهر مع إحدى السجانات.

تحركت يداها بحماس وهي تقلد طريقة حديثها.

ثم انفجرت بالضحك.

ابتسمت هناء.

حتى سهام أغلقت كتابها للحظة وهي تخفي ابتسامة صغيرة.

أما أروى...

فاكتفت بالنظر إليهن.

قالت سلمى وهي تلتفت إليها:

ــ لماذا لا تبتسمين؟

الحياة هنا صعبة...

ولو لم نسرق منها بعض الضحكات...

لسرقت أعمارنا.

خفضت أروى رأسها.

ثم قالت بهدوء:

ــ نسيت كيف أبتسم.

ساد الصمت لثوانٍ.

لكن سلمى لم تستسلم.

ابتسمت وقالت:

ــ إذًا سنتكفل نحن بتذكيرك.

لم تستطع أروى منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهها.

كانت خفيفة...

لكنها كانت حقيقية.

صفقت سلمى بيديها وهي تضحك.

ــ رأيتن؟

قلت لكن إنها تعرف الابتسام.

هزت أروى رأسها بخجل.

فاختفت ابتسامتها سريعًا.

لكن شيئًا دافئًا...

تحرك داخل قلبها.

مع اقتراب الظهيرة...

بدأت السجينات بترتيب الزنزانة.

حملت أروى بعض الأغطية.

وأثناء سيرها...

تعثر طرف الغطاء بقدمها.

فسقط من بين يديها.

انحنت لتلتقطه.

لكن يدًا سبقتها إليه.

رفعت رأسها.

كانت سهام.

ناولتها الغطاء بهدوء.

وقالت لأول مرة منذ دخول أروى الزنزانة:

ــ انتبهي.

أخذت أروى الغطاء.

ثم قالت بابتسامة خفيفة:

ــ شكرًا.

اكتفت سهام بإيماءة صغيرة.

ثم عادت إلى مكانها.

راقبتها سلمى بطرف عينها.

ثم همست لهناء:

ــ يبدو أن الجليد بدأ يذوب.

ابتسمت هناء دون أن تجيب.

في المساء...

جلست أروى بجوار هناء.

كان الصمت يملأ الزنزانة.

ثم سألتها هناء برفق:

ــ هل لديك والدان؟

هزت أروى رأسها بالنفي.

ــ توفيا منذ سنوات.

ساد الصمت.

ثم أكملت بصوت منخفض:

ــ عمي هو من رباني.

هو من علمني...

ومن وقف بجانبي في كل شيء.

ابتسمت وهي تتذكره.

لكن الابتسامة سرعان ما اختفت.

لاحظت هناء ذلك.

فسألتها:

ــ هل زارك بعد دخولك السجن؟

أومأت أروى.

ــ قبل أن أنقل إلى هنا.

قال إنه سيزورني.

ثم صمتت.

كانت تشتاق إليه...

رغم أن أيامًا قليلة فقط مرت على فراقهما.

حل المساء.

كانت اروى تجلس قرب النافذة الصغيرة.

تتأمل السماء التي لم يظهر منها سوى شريط ضيق بين الجدران العالية.

همست دون أن تشعر:

ــ لم أكن أظن أن الإنسان قد يشتاق إلى رؤية السماء كاملة.

سمعتها هناء.

اقتربت منها بهدوء.

وقالت:

ــ عندما دخلت هذا المكان لأول مرة...

كنت أعد الأيام.

ثم الشهور.

ثم توقفت عن العد.

التفتت إليها أروى.

ــ وهل يعتاد الإنسان السجن فعلًا؟

ابتسمت هناء ابتسامة حزينة.

ــ لا...

لكنه يعتاد الألم.

وهذا أصعب.

ساد الصمت بينهما.

ثم قالت أروى بصوت خافت:

ــ أخشى أن أنسى كيف كانت حياتي قبل هذا المكان.

وضعت هناء يدها على كتفها برفق.

ــ لن تنسيها...

لكن لا تجعليها تمنعك من عيش يومك.

فمن يعيش أسير الأمس...

يضيع منه الغد أيضًا.

لم تجب أروى.

اكتفت بالنظر إلى السماء مرة أخيرة.

قبل أن يبتلعها ظل الجدران العالية الهدوء إلى الزنزانة.

استلقت كل سجينة فوق سريرها.

أما أروى...

فظلت تحدق في السقف.

تساءلت في سرها...

كيف يبدو العالم خارج هذه الجدران الآن؟

هل ما زالت السيارات تعبر الشوارع نفسها؟

وهل ما زال المطر يهطل على المدينة؟

أغمضت عينيها.

وحاولت النوم.

في صباح اليوم التالي...

فُتح باب الزنزانة.

وقفت إحدى السجانات عند المدخل.

ألقت نظرة على السجينات.

ثم نادت بصوت واضح:

ــ أروى الحازمي.

نهضت أروى بسرعة.

شعرت بأن قلبها بدأ يخفق بقوة.

نظرت إليها السجانة وقالت:

ــ لديك زيارة.

تجمدت أروى في مكانها.

ولمعت عيناها...

دون أن تشعر.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 85

    تغيرت ملامح أروى فورًا. ــ لا. ــ متأكدة؟ ــ نعم. أجابتها دون تردد هذه المرة. ــ لم يحدث شيء. ثم أضافت: ــ كنا نعمل فقط. توقفت لحظة، وكأنها تستعيد تفاصيل الرحلة. ــ وفي اليوم التالي لم أره إلا عندما عدنا. نظرت ليان إليها باهتمام. فأكملت: ــ بقيت في غرفتي أرتاح معظم الوقت، ثم التقينا في المطار. كانت أروى تقول الحقيقة كما تعرفها. فهي لم تكن تعرف ما حدث بعد أن فقدت وعيها. لم تكن تعرف أن رائد حملها بنفسه إلى الفندق. ولم تكن تعرف أنه بقي بجانبها حتى استعادت وعيها. بالنسبة إليها... لم يحدث بينهما شيء يتجاوز حدود العمل. ظلت ليان صامتة للحظات. ثم قالت: ــ هذا غريب. رفعت أروى حاجبها. ــ ماذا؟ ــ أنتِ لستِ أول فتاة تذهب مع رائد في رحلة عمل. ثم عقدت حاجبيها. ــ فلماذا حذرتك سماء أنتِ تحديدًا؟ لم تجد أروى جوابًا. نظرت إلى شاشة حاسوبها. ثم قالت بهدوء: ــ لا أعرف. لكن السؤال بقي عالقًا في ذهنها. لماذا هي تحديدًا؟ --- في الطابق العلوي... كان رائد جالسًا خلف مكتبه، منشغلًا بمراجعة بعض الملفات. ساد الهدوء في المكتب، إلى أن سمع طرقًا خفيفًا على الباب. رفع عينيه عن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 84

    عادت أروى إلى مكتبها بعد لقائها بسماء، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.جلست أمام حاسوبها، وضعت الملفات إلى جانبها، ثم حاولت العودة إلى عملها وكأن شيئًا لم يحدث.فتحت أحد المستندات.قرأت السطر الأول.ثم أعادته مرة أخرى.لكن الكلمات لم تدخل إلى ذهنها.أغلقت الملف ببطء، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.كانت كلمات سماء لا تزال تتردد في رأسها."أتمنى أن يكون رائد قد عاملكِ بلطف."ثم..."هو لا يعرف كيف يتصرف مع الفتيات أحيانًا."وأخيرًا..."على الأغلب شعر بالمسؤولية لأنك موظفة في شركته."رفعت أروى عينيها نحو الشاشة.لم تكن ساذجة.كانت تعرف أن بعض الكلمات تحمل معنى أبعد من ظاهرها.لكنها لم تستطع أن تحدد بالضبط ما الذي أرادت سماء قوله.هل كانت تحاول تحذيرها؟أم أنها كانت مجرد امرأة فضولية أرادت معرفة طبيعة العلاقة بين أروى ورائد؟تنهدت أروى.ــ ربما أنا أبالغ في التفكير.لكنها لم تقتنع بكلماتها.في تلك اللحظة، رفعت ليان رأسها من خلف مكتبها.لاحظت شرود أروى منذ فترة، فنهضت واتجهت نحوها.وقفت بجانب مكتبها وقالت:ــ أروى؟لم تجب أروى فورًا.ــ أروى!انتبهت أخيرًا، ورفعت رأسها.ــ نعم؟ابتسمت ليان.ــ أين ذهبت

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 82

    كانت أروى تسير في ممرات الشركة، تحمل بين يديها بعض الملفات التي طلبت منها ليان مراجعتها.كان يومها يسير بصورة طبيعية، لكن شيئًا واحدًا استطاع أن يسرق انتباهها من بين كل ما حولها.سمير.رأته من بعيد.كان يقف بالقرب من أحد الموظفين، يتحدث معه حول بعض الأمور المتعلقة بالعمل.توقفت خطوات أروى دون أن تشعر.بقيت عيناها معلقتين به لثوانٍ.لم تقترب منه.لم تحاول أن تلفت انتباهه.حتى إنها لم تسمح لنفسها بأن تطيل النظر إليه.لكن مجرد رؤيته كان كافيًا لإعادة الكثير من الأشياء التي ظنت أنها دفنتها منذ سنوات.ثلاث سنوات.ثلاث سنوات كاملة مرت منذ آخر مرة كان فيها سمير جزءًا من حياتها.ثلاث سنوات تغير فيها الكثير.ربما تغيرت هي...وربما تغير هو أيضًا.خفضت عينيها عن مكانه، ثم تابعت سيرها.لكن سؤال ليان عاد إليها من جديد."هل ما زلتِ تحبينه؟"تنفست ببطء.لم تكن تملك إجابة.وفي الحقيقة...لم تكن متأكدة حتى من رغبتها في معرفة الإجابة.وضعت يدها على جبينها عندما شعرت بثقل بسيط في رأسها.ربما كان التعب لا يزال أقوى مما ظنت.لذلك قررت أن تتوقف قليلًا.اتجهت نحو دورة مياه الموظفات.---دخلت أروى إلى الحمام

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 82

    بعد عودتها من الرحله مرّ يوم أروى في الشركة بصورة طبيعية.لم يحدث شيء استثنائي منذ الصباح، وكأن الأيام قررت أخيرًا أن تمنحها بعض الهدوء بعد ما مرت به خلال رحلة العمل.كانت تتحرك بين المكاتب كالمعتاد، ترتب الملفات، تراجع بعض الأوراق، وتساعد ليان في إنهاء المهام المتراكمة.ورغم أنها استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها، فإن التعب لم يختفِ تمامًا.كان يظهر في عينيها حين تظن أن لا أحد يراقبها.وفي الطريقة التي تتوقف بها أحيانًا لثوانٍ، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تعود إلى عملها وكأن شيئًا لم يكن.لاحظت ليان ذلك أكثر من مرة.لكنها لم تعلق.كانت تعرف أن أروى لا تحب أن يشعر الآخرون بالقلق عليها.ومع اقتراب منتصف النهار، كان القسم هادئًا نسبيًا.كانت أروى جالسة خلف مكتبها، تقلب صفحات أحد الملفات، بينما كانت ليان منشغلة أمام حاسوبها.وفجأة...صدر طرق خفيف على باب القسم.رفعت ليان رأسها.أما أروى فرفعت عينيها عن الملف.تكرر الطرق مرة أخرى.ثم انفتح الباب.ظهر سمير.تغيرت ملامح أروى قليلًا، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.قال سمير بابتسامة هادئة:ــ مرحبا أما أروى فقالت بهدوء:ــ تفضل.دخل سمير إلى القسم،

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 81

    بعد أن فتحت عينيهاكان الهدوء يملأ الغرفة.لم تكن أروى تعرف كم مر من الوقت.كل ما شعرت به في البداية هو ثقل غريب في رأسها، وكأنها استيقظت من نوم طويل جدًا.حاولت تحريك يدها.ثم فتحت عينيها ببطء.ظل بصرها مشوشًا لثوانٍ.نظرت إلى السقف.ثم إلى الغرفة من حولها.لم تكن في المستشفى.كانت في غرفتها بالفندق.حاولت أن تتذكر ما حدث.الاجتماع...الملفات...ثم الدوار.وضعت يدها على جبينها.ــ آه...خرج صوتها ضعيفًا.عندها تحرك الشخص الجالس بالقرب من النافذة.كان رائد.رفع عينيه إليها فورًا.نهض من مكانه واقترب من السرير.ــ استيقظتِ.نظرت إليه أروى باستغراب.ــ ماذا حدث؟توقف أمامها.ثم قال:ــ فقدتِ وعيكِ بعد الاجتماع.اتسعت عيناها قليلًا.ــ فقدت الوعي؟ــ نعم.حاولت أروى أن تتذكر.ثم قالت:ــ أنا آسفة.قطب رائد حاجبيه.ــ على ماذا؟خفضت عينيها.ــ عطلت الرحلة.نظر إليها للحظات.ــ لم تعطلي شيئًا.لكن نبرته كانت أكثر هدوءًا من المعتاد.ــ الطبيب فحصكِ.رفعت أروى عينيها إليه.ــ هل قال إنني بخير؟ــ قال إنكِ بحاجة إلى الراحة.تنفست براحة.ثم حاولت الجلوس.لكن رأسها دار قليلًا.مد رائد يده ليسند

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 80

    بعد ساعتين تقريبًا... رن منبه أروى. فتحت عينيها بصعوبة. لم تفهم للحظات أين هي. ثم تذكرت. الرحلة. الاجتماع. رائد. نهضت من السرير. شعرت بثقل شديد في رأسها. جلست للحظة. ثم وقفت. دخلت الحمام. غسلت وجهها بالماء البارد. رفعت رأسها ونظرت إلى المرآة. كان وجهها شاحبًا. وعيناها متعبتين. بقيت تنظر إلى نفسها للحظات. ثم همست: ــ لا بأس... سأتحمل. ارتدت ملابسها. جمعت الملفات التي أنهتها خلال الليل. ثم خرجت من الغرفة. --- في اللحظة نفسها تقريبًا... فتح باب الغرفة المقابلة. خرج رائد. توقفت أروى للحظة. رفع رائد عينيه إليها. ثم نظر إلى وجهها. توقف قليلًا. كان الشحوب واضحًا. وعيناها تكشفان أنها لم تنم إلا قليلًا. ثم وقعت عيناه على الملفات التي تحملها. قال: ــ هل انتهيتِ؟ أجابت بصوت هادئ: ــ نعم. نظر إليها مرة أخرى. كان يريد أن يقول شيئًا. لكنه لم يفعل. اكتفى بالقول: ــ لنذهب. هزت رأسها. وتوجهت معه نحو المصعد. أما رائد... فبقيت صورة وجهها الشاحب عالقة في ذهنه. ولأول مرة منذ بدأ انتقامه... بدأ يشعر أن العقاب الذي فرضه عليها... كان أثقل مما أراد حين خانها

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status