مشاركة

الفصل الثلاثون

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-07-15 08:32:29

مر عامٌ آخر...

حتى أصبحت أروى تقضي عامها الثاني خلف القضبان.

لم تعد الأيام تختلف كثيرًا.

كان الصباح يشبه الذي قبله...

والمساء يشبه الذي يليه.

حتى الفصول...

كانت تمر عليها من خلف نافذة صغيرة في الزنزانة.

ترى المطر...

ولا تلمسه.

وترى الشمس...

ولا تشعر بدفئها.

أصبحت ورشة الخياطة جزءًا من حياتها.

لم تعد تتردد في استخدام المكواة.

رغم أن الندبة على كتفها كانت تلسعها أحيانًا...

وكأنها ترفض أن تسمح لها بالنسيان.

لكن أروى...

كانت تواجه خوفها كل يوم.

في صمت.

دخلت ذلك الصباح إلى الورشة.

ألقت التحية على هناء وسلمى وسهام.

ثم جلست في مكانها المعتاد.

ابتسمت هناء وهي تنظر إليها.

وقالت:

ــ منذ جئت إلى هنا...

وأنت أول من يصل كل صباح.

ابتسمت أروى ابتسامة هادئة.

ــ العمل يجعل اليوم يمر أسرع.

ضحكت سلمى.

ــ لا...

بل أنتِ أصبحت تحبين الخياطة.

هزت أروى رأسها.

ــ لا أحبها...

لكنها أصبحت الشيء الوحيد الذي أشعر أنني أنجزه.

أما سهام...

فاكتفت بالنظر إليها.

ثم قالت بهدوء:

ــ وهذا يكفي.

خلال الأشهر الماضية...

دخلت إلى السجن سجينات جديدات.

وكانت كثيرات منهن يسألن أروى عن نظام الورشة...

أو عن قوانين السجن.

كانت تجيبهن بصبر.

كما أجابتها هناء في يومها الأول.

وحين كانت إحدى السجينات تشكرها...

كانت تبتسم فقط.

ثم تعود إلى عملها.

انتهى الدوام.

وعادت السجينات إلى الزنزانة.

وبينما كانت أروى ترتب فراشها...

دخلت إحدى العسكريات.

وقالت:

ــ أروى...

لديك زيارة.

ابتسمت أروى فورًا.

عرفت قبل أن تسأل.

ــ عمي؟

أومأت العسكرية.

ــ نعم.

دخلت غرفة الزيارات.

فوجدته ينتظرها.

لكنها توقفت للحظة.

كان يبدو أكثر إرهاقًا من المعتاد.

تقدم إليها مبتسمًا.

ــ كيف حالك يا ابنتي؟

جلست أمامه.

وأمسكت يديه.

ــ أنا بخير...

لكن ماذا عنك أنت؟

ضحك بخفة.

ــ ما زلت تقلقين علي أكثر من نفسك.

قالت وهي تتأمله:

ــ تبدو متعبًا.

أجاب سريعًا:

ــ العمل فقط.

لا أكثر.

لم تقتنع.

لكنها لم تشأ أن تضغط عليه.

أخرج من حقيبته بعض الكتب.

وبعض الحلوى التي يسمح بها نظام السجن.

ثم قال مبتسمًا:

ــ أعرف أنك تحبين القراءة.

لهذا أحضرت لك كتابين جديدين.

أخذتهما أروى.

وكانت ابتسامتها صادقة هذه المرة.

ــ شكرًا يا عمي.

أنت لا تنسى شيئًا.

نظر إليها طويلًا.

ثم قال:

ــ كيف أصبح كتفك؟

لامست أروى الندبة فوق ملابسها.

ثم ابتسمت.

ــ لم يعد يؤلمني كما كان.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال العم:

ــ الحمد لله.

بعد دقائق...

طرق أحد الحراس الباب.

ــ انتهى وقت الزيارة.

وقفت أروى.

لكنها قبل أن تغادر...

قالت:

ــ اعتنِ بنفسك.

ابتسم العم.

ــ سأفعل...

إذا وعدتِ أنت أيضًا أن تعتني بنفسك.

أومأت برأسها.

ثم غادرت.

وبقي هو يراقب الباب حتى أغلق.

تنهد طويلًا...

ولم يشعر بتلك الراحة التي كان يشعر بها بعد كل زيارة.

كان هناك شيء...

لا يعرف ما هو...

لكنه كان يثقل قلبه.

في مساء اليوم نفسه...

دخل سمير إلى السجن.

كانت زيارته مفاجئة.

جلس أمام أروى.

وبادلها الحديث لدقائق قليلة.

سألها عن صحتها.

وعن الورشة.

وعن عمها.

ثم نظر إلى ساعته.

وقال معتذرًا:

ــ يجب أن أذهب.

لدي اجتماع مهم.

ابتسمت أروى.

ــ لا تقلق.

أنا سعيدة لأنك جئت.

خفض سمير بصره.

ثم قال:

ــ سأحاول ألا أتأخر في الزيارة القادمة.

ابتسمت أروى بثقة.

ــ أعرف.

ودعها وغادر.

بينما بقيت هي تنظر إلى الباب...

دون أن تشعر...

أن المسافة بينهما كانت تكبر يومًا بعد يوم.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 79

    دخلت أروى غرفة رائد وهي تحمل الملفات التي طلب منها مراجعتها.كانت الغرفة هادئة، والإضاءة خافتة نسبيًا، بينما كانت مجموعة كبيرة من المستندات مرتبة فوق الطاولة.أشار رائد إلى المقعد المقابل له.ــ اجلسي.جلست أروى بهدوء.ثم وضعت الملفات أمامها.ــ من أين نبدأ؟دفع إليها أحد الملفات.ــ من هنا.فتحت الملف وبدأت بقراءة البيانات الموجودة فيه.كان رائد يجلس إلى الجانب الآخر من الطاولة، يراجع بعض الأوراق بنفسه.في البداية، لم يتبادلا سوى كلمات قليلة.كل واحد منهما كان منشغلًا بالعمل.أروى، رغم التعب الذي كان واضحًا عليها، حاولت التركيز بكل ما تستطيع.كانت تريد إنهاء المهمة بسرعة حتى تتمكن من العودة إلى غرفتها والنوم.لكن المستندات كانت كثيرة.والأرقام تحتاج إلى مراجعة دقيقة.مر وقت طويل...ثم توقفت أروى فجأة.أعادت النظر إلى أحد الجداول.قارنت الرقم الموجود فيه بالرقم الموجود في المستند الآخر.ثم قالت:ــ أستاذ رائد...رفع عينيه إليها.ــ ماذا؟أشارت إلى الورقة.ــ أعتقد أن هناك خطأ هنا.اقترب رائد قليلًا.ــ أين؟أشارت إلى أحد الأرقام.ــ هذه القيمة مختلفة عن الموجودة في التقرير الأصلي.أخذ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 78

    لم تكن أروى قد خططت لهذا السفر يومًا.حتى صباح ذلك اليوم، كانت تظن أن أقصى ما سيحدث هو يوم عمل طويل داخل الشركة، وبعض الملفات التي تحتاج إلى مراجعة قبل نهاية الدوام.لكنها وجدت نفسها بعد وقت قصير تقف داخل المطار، تحمل حقيبتها الصغيرة وتسير إلى جانب رائد، وهي لا تزال غير مستوعبة كيف تغير كل شيء بهذه السرعة.كانت تنظر حولها بصمت.المطار مزدحم بالمسافرين.أصوات الإعلانات تأتي من كل اتجاه.وعربات الحقائب تتحرك بسرعة بين الناس.شعرت أروى بشيء من الارتباك.لم تكن قد سافرت منذ زمن طويل، ولم تعد تتذكر حتى آخر مرة جلست فيها داخل طائرة.لاحظ رائد شرودها.ــ هل هذه أول مرة تسافرين بالطائرة منذ فترة طويلة؟نظرت إليه للحظة.ــ نعم.ثم أضافت بصوت خافت:ــ منذ سنوات.لم يعلق.اكتفى بالنظر إلى الساعة ثم تابع طريقه.كانت أروى تمشي خلفه بخطوات هادئة، تحاول ألا تبدو متوترة.وعندما وصلا إلى بوابة الصعود، جلست إلى جواره في انتظار الإعلان.كانت تمسك حقيبتها فوق ساقيها بكلتا يديها.وبين حين وآخر، كانت تنظر إلى الطائرات من خلال الزجاج.شعرت بمزيج غريب من التوتر والرهبة.---بعد وقت قصير...جلسا داخل الطائرة.

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 77

    كان صباحًا عاديًا في الشركة.جلست أروى أمام مكتبها تراجع بعض الملفات التي تراكمت عليها منذ بداية الأسبوع.كانت تحاول أن تنهي عملها قبل نهاية الدوام، خصوصًا أنها لم تعد تريد ارتكاب أي خطأ آخر بعد ما حدث معها.كانت عيناها تنتقلان بين الأوراق والشاشة باستمرار.وبينما كانت تكتب بعض الملاحظات...وصلت ليان إلى مكتبها.ــ أروى، هل انتهيتِ من الملف؟رفعت أروى رأسها.ــ تقريبًا، بقيت بعض الأرقام فقط.ابتسمت ليان.ــ منذ أن خُصم نصف راتبك وأنتِ تعملين وكأنكِ تريدين شراء الشركة.ضحكت أروى بخفة.ــ لا تذكّريني.ثم عادت إلى عملها.لكنها لم تكن تعرف أن يومها الهادئ لن يستمر طويلًا.---في الطابق العلوي...كان رائد يقف أمام نافذة مكتبه.على مكتبه حقيبة صغيرة وبعض الملفات.كان من المفترض أن يسافر في رحلة عمل مهمة في ذلك اليوم.وكانت جميع الاستعدادات قد اكتملت.إلا أن هناك مشكلة واحدة.دخل سكرتيره إلى المكتب.كان وجهه شاحبًا قليلًا.ــ أستاذ رائد...التفت إليه.ــ ماذا هناك؟ــ أعتذر، لكنني لا أستطيع مرافقتك في الرحلة.تغيرت ملامح رائد.ــ لماذا؟ــ منذ الصباح وأنا أشعر بتعب شديد، والطبيب نصحني ألا أس

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 76

    أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 75

    أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 74

    مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status