INICIAR SESIÓNالفصل السادس: قمران في صالة الشائعات
كانت صالة مديحة تتنفس صخباً دافئاً. باب الشقة المفتوح على مصراعيه كان يسمح بمرور هبات هواء لطيفة تخفف من حرارة الجمع الغفير الذي امتلأت به الأريكة والمقاعد الموزعة بعناية. وفي الوسط، كانت أم أمين وأم مديحة تتحركان بخفة خوادم بيوت العائلات القديمة؛ تقطعان صفوف الجلساء لتقديم أكواب المياه الغازية الباردة التي تتعرق جدرانها الزجاجية، بينما أطلقت أم أمين زغرودة حادة هزت أركان المكان احتفاءً بالضيفين الجديدين. في تلك اللحظة، دخلت سامية يتبعها زوجها ممدوح. وقفت سامية عند العتبة، عيناها تتسعان بفضول لم تستطع إخفاءه وهي تنظر إلى الرداء الأبيض الطويل والبدلة السوداء الأنيقة، متسائلة بنبرة عالية: خير يا جماعة؟ من الذي يتزوج في عمارتنا دون أن نعلم؟ ضحك ممدوح بصوت رنان وهو يخلع طاقيته: هل قرر الأستاذ صابر أن يعيد التجربة ويتزوج مجدداً أم ماذا؟ هتفت مديحة وهي تلوح بخصصلة شعرها: صابر ماذا يا ممدوح! هؤلاء جيراننا الجدد، العرسان الذين استأجروا الشقة الصغيرة في الطابق السابع. ما إن نطقت مديحة بكلمتها الحادة "الشقة الصغيرة"، حتى انتفض زوجها أمين من مقعده الخيزراني، موجهاً إليها نظرة نارية وهو يصيح بعصبية مكتومة: الشقة الصغيرة.. الشقة الصغيرة! هل تعتقدين أن أحداً في هذا العالم لا يعيش في شقة كبيرة غيركِ؟ ما هذا الكلام يا مديحة! ادخل يا ممدوح أنت وسامية، لماذا تقفان عند الباب كأنكما تطالباننا بدين؟ ضحك عماد بصوت دافئ أزاح الحرج عن الجميع، والتفت نحو أمين قائلاً بلهجة واثقة ورفيعة: اتركها تتحدث براحتها يا أستاذ أمين.. نحن لا نغضب من هذه الأمور أبداً. لقد اتخذنا قراراً منذ البداية ألا نسمح لآراء الناس أو أسلوب تفكيرهم بالوقوف في طريق أحلامنا.. والصغير يا سيدي مصيره أن يكبر بالرضا والكفاح. اعتدل أمين في جلسته، ونظر إلى عماد بتقدير جارف متذكراً شبابه: كلامك ذهب يا بني.. أنا شخصياً عندما تزوجت مديحة، بدأنا حياتنا في بيت والدي، في شقة بسيطة تتكون من غرفتين وصالة ومطبخ متواضع جداً وعفش لا يتجاوز الأساسيات. التفتت علياء، التي كانت تجلس بوقار ورقة بجانب زوجها، وقالت بابتسامة ناصعة: جميل جداً! اندهشت مديحة، وحركت يديها في الهواء مستنكرة: وما الجميل في هذا يا ابنتي؟ ألم تكن أياماً تفيض بالضيق والتعب؟ أجابت علياء بصوت هادئ ونضوج تجاوز سنها بكثير: الجميل أنكما بدأتما من الصفر، وصعدتما السلم خطوة بخطوة حتى حققتما ما أنتما فيه اليوم من استقرار ونجاح.. العبرة ليست بصلابة البدايات، بل بالوصول. أردف عماد مؤكداً وهو ينظر لزوجته بفخر: ليس المهم بأين وكيف نبدأ يا مدام مديحة.. المهم إلى أين وكيف سنصل معاً. هز سالم رأسه إعجاباً وقال: جميل جداً هذا التوافق والانسجام في طريقة التفكير بينكما.. يبدو أنكما تملكان عقلاً واحداً. ابتسم عماد ونظر إلى علياء بحب ظاهر: طبعاً يا سيدي.. هذا التوافق هو ما قربنا منذ البداية وجعلني أتمسك بها. كنا زملاء في الجامعة، ونشأت بيننا قصة حب لم تستطع سنوات التخرج والافتراق المؤقت أن تمحوها من قلوبنا. سألت منال، التي كانت تجلس قبالة علياء وتتأمل تفاصيل فستانها البسيط باهتمام، بنبرة فضولية لطيفة: ولكن.. بدا واضحاً أن والدتك لم تكن مسرورة كثيراً الليلة يا علياء؟ لم تتهرب علياء من السؤال، بل أجابت بثبات ورسخ: المهم أنني أنا مسرورة ومقتنعة تماماً.. أنا التي سأتزوج وأبني هذه الأسرة، وهذه حياتي وليست حياة أي شخص آخر. ضحك عماد وعلق بصوت مسموع: سأقول لكِ سراً.. منذ تخرجنا، تقدمت لخطبتها ثلاث مرات متتالية، وفي كل مرة كانت والدتها ترفضني بسبب ظروفي المادية البسيطة! اتسعت عينا سالم ضاحكاً: يااااه! ثلاث مرات؟ يبدو أن بالك طويل جداً ونفسك طويل يا عماد! سأل أمين بنبرة داعابة: ألم تنقح عليك كرامتك يا أخي بعد كل هذا الرفض؟ رد عماد بجدية حاسمة ونبرة رجولية صادقة: كرامتي كانت ستنقح عليّ يا أستاذ أمين لو كانت علياء هي التي ترفضني وأنا أفرض نفسي عليها.. لكن ما دامت هي متمسكة بي ومستعدة للكفاح معي، فلا معنى للتخلي عنها. تدخلت مديحة وهي تعدل جلساتها بخفة: ولكن يا ابنتي.. بدا لي من أوقات حضوركم أنكم جئتم مبكراً جداً، ألم تقيموا حفل زفاف؟ ابتسمت علياء وقالت: بلى، أقمنا حفل زفاف طبعاً.. ولكننا حجزنا القاعة في فترة النهار. سألت هدى بفضول: في فترة النهار وفي يوم الثلاثاء؟ هذه فكرة جديدة تماماً ومبتكرة! أوضحت علياء برزانة ووعي اقتصادي ممتاز: وجدنا أن قاعات الأفراح تقدم خصماً كبيراً عند الحجز في فترات النهار وفي أيام منتصف الأسبوع كال الثلاثاء، مقارنة بأيام نهاية الأسبوع.. الخصم وصل إلى نصف السعر تماماً، ففضلنا توفير هذه المبالغ لنستثمرها في بناء شقتنا وحياتنا القادمة. نظرت هدى إلى علياء بذهول وإعجاب شديدين: ياااااه يا أستاذة علياء! جميل جداً أن تكوني مقدرة لظروف زوجكِ بهذه الطريقة الواعية! التفت عماد ونظر إلى علياء بنظرة ملؤها الامتنان والعشق، وقال بنبرة دافئة لامست قلوب الحاضرين: علياء دائماً معي على الدنيا يا مدام هدى.. عمرها ما كانت مع الدنيا عليّ أبداً. سألت سامية بابتسامة متطلعة: ويا ترى أنت أيضاً معها على الدنيا أم عليها يا أستاذ عماد؟ أجاب عماد فوراً ودون تردد: طبعاً أنا معها.. أبادُلها الحب بالحب، والوفاء بالوفاء، وأصونها كما صانتني. قالت مديحة وهي تلتفت نحو الباب: ربنا يخليكما لبعضكما البعض.. لكن غريبة، أين عبد الحليم حتى الآن؟ لماذا لم يحضر هذه السهرة؟ ردت منال وهي تلوح بيدها: زمانه قادم يا مديحة.. الغائب حجته معه دائماً.الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمونعاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام
الفصل الثاني عشر: هواجس الجواركانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟
الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي
الفصل العاشر: المواجهة الصامتةعاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!أجابها
الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحمتجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم
الفصل الثامن: صينية العشاءنجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ردت مديحة