LOGINالفصل الخامس: بقايا إنسان
كانت رائحة المطهرات النفاذة تملأ أروقة غرفة العناية المركزة، متداخلة مع الصفير المنتظم والأجهزة الطبية التي تسجل نبضات قلب صابر الضعيفة. امتدت غيبوبته لأسابيع طويلة، معلقة بين الحياة والموت، بينما جلس خلف الزجاج الشفاف إخوته وجيرانه من سكان العمارة، يتبادلون النظرات القلقة والصمت الثقيل. حين أفتح صابر عينيه أخيراً، لم يجد في استقباله سوى أضواء سقف المستشفى البيضاء الباهتة، وجسد شلّت أطرافه الآلام المتفرقة. كانت ساقاه مكبلتين بالجبس والمثبتات المعدنية، وجسده محملاً برضوض وجراح غائرة تذكره بصلابة الأسفلت الذي ارتطم به يوم طيشه. أتى الأطباء يتابعون حالته، واكتشف صابر المأساة الجديدة؛ لقد نجا من الموت، لكن الحادث ترك أثراً دائماً على مشيته، مفروضاً عليه أن يستعين بعكاز خشبي لبقية حياته. لم تكن القسوة في ألم الجسد، بل كانت في الرعاية والاهتمام اللذين غمره بهما جيرانه. رغم كل ما بدر منه سابقاً من سوء معاملة وفظاظة، ورغم طرده لهم مراراً وتكراراً، إلا أن شهامة ابن البلد تجلت فيهم أوقات الشدة. كان أمين وسالم وممدوح يتناوبون على زيارته في المستشفى يومياً، يتابعون أدويته ويواسون إخوته الذين أرهقهم الشديد من أفعاله السابقة. وحين تقرر خروجه من المستشفى بعد أشهر من العلاج، كانت شقته الواسعة في الطابق الرابع قد تحولت إلى ما يشبه المقبرة المهجورة، يكسوها التراب وتملأها برودة العزلة. هنا، تطوعت نساء العمارة؛ صعدت هدى ومديحة وسامية، وقمن بتنظيف الشقة بالكامل، وتهوية غرفها المغلقة، وإعداد طعام الغداء الساخن لجارهم المريض. لم يكتفِ الرجال بذلك؛ بل صعد سالم إلى ممدوح وطلب منه أن تصعد زوجته سامية لتبيت مع هدى، ليتمكن سالم وممدوح من المبيت مع صابر في شقته ليلتها، كي لا يتركاه وحيداً وهو في فترة النقاهة العصبية والجسدية الحبيسة. كان صابر يراقب كل هذا العطاء بحسرة مكتومة. كان صوت احتكاك ممسحة النساء بالأرض، وصرير النوافذ وهي تفتح للهواء، وصوت سالم وهو يضع كوب الأعشاب الساخن أمامه على الطاولة، يثقب قلبه ثقباً عميقاً. لم يقل "شكراً" واحدة صافية؛ بل كان ينظر إليهم بعينين ذابلتين تتصارع فيهما الخيبة مع الكبرياء. مرت الأيام، ورخص الأطباء لصابر بالحركة البسيطة. خرج من شقته أول مرة مستنداً بيده المرتجفة على عكازه الخشبي، وصوت ارتطامه المظلم يرن على درجات السلم: طرق.. طرق.. طرق. وفقاً لقناعته النفسية الملتوية، لم يكن صابر يرى أنه أخطأ في حق حنان، أو أنه ظلم أطفاله وصديقه؛ بل صوّر لنفسه أن الخلل يكمن في "منظومة الزواج" ذاتها. كان يرن في أذنيه دائماً صوت طفليه وزوجته، ويحاكي نفسه بمرارة بأن كل الوعود والعهود مجرد أوهام تنتهي عند أول محك مادي أو إنساني. وذات يوم، وأثناء هبوطه البطيء على السلم، سمع أصوات ضحكات دافئة تأتي من مدخل العمارة. تتسمر خطوه على الدرجة الأخيرة، وتراجع خلف ظل الجدار يراقب المشهد بصمت. كان صالح يمسك بيد ابنه الأكبر، ويحمل طفله الأصغر بحنان جارف على كتفه، بينما تسير بجانبه حنان. لم تكن هذه هي حنان التي عرفها؛ كان الشقاء والرعشة قد اختفيا من وجهها تماماً، وعادت إليها نضارتها وجسدها المكتنز بعافية وهدوء، وتبدو أصغر من سنها بسنوات. كانت تبتسم بصفاء وتعدل ثوب طفلها، بينما ركض الأطفال نحو صالح وهم يضحكون بصوت مرتفع ويهتفون بنبرة ملؤها الأمان: "بابا صالح! انظر ماذا اشترينا!" تراجع صابر خطوة إلى الخلف، واختنق صوت نداء أطفاله في حلقه. كان ينظر إلى صالح وهو يحتضن الصغير ويقبله على رأسه، وإلى حنان التي تنظر لصالح بنظرات امتنان وحب لم يرهما في عينيها طوال عشر سنوات من زواجه بها. في تلك اللحظة السينمائية الصامتة، تلاقت عين صابر بعيني صالح لكسر من الثانية من بين فتحات سور السلم الخشبي. لم يكن في عيني صالح تشفٍ أو كبر، بل كان فيهما أسى حزين وشفقة هادئة. أدراك صابر حينها أنه أصبح غريباً تماماً، وأن أي محاولة لإقحام نفسه في هذه اللوحة ستكون دماراً متجدداً له ولهم. انسحب إلى الخلف ببطء، وصوت عكازه يهمس بالخيبة على الإسفلت. بعد تلك الليلة، لم يحاول صابر السؤال عن أطفاله مجدداً. جمع شتات نفسه بالتدريج، واستعاد جزءاً من تجارته ومحله التجاري ليتكفل بمصاريفه، لكن قلبه كان قد تجمد تماماً. عاد إلى علاقاته العابرة وسهراته المشبوهة، لكن هذه المرة دون خمر أو طيش يذهبان بعقله، بل برغبة واعية في النكاية بذاكرته. قرر ألا يخوض تجربة الزواج مجدداً، وأغلق على نفسه باب شقته الواسعة بالطابق الرابع، ليتحول مع مرور الأيام والسنوات إلى ذلك الجار الجاف، المرير، الذي يكره رؤية الفرح في عيون الآخرين، ويثقل خطوه بالعكاز كأنه يحمل خيبته القديمة فوق كتفيه.الفصل الثالث عشر: بيت خاوٍ ورجال لا يفهمونعاد أمين من عمله يتوكأ على تعبه المعتاد، ودخل الشقة ليرى والدته ومديحة تعدّان طعام الغداء معاً. التفت بصرُه حول المكان يبحث عن وجه اعتاد وجوده، فلم يجد والده زوجته كما درجت العادة. تساءل باستغراب:— أين أمكِ يا مديحة؟ هل هي متعبة؟ردت أمّه بنبرة حادة اقتضبت بها الشكوك:— ذهبت إلى ابنها عبد الفتاح لتقيم عنده.قطم أمين حاجبيه وقال متعجباً:— ماذا؟ ولِمَ ذلك وهي التي كانت تقاطعه؟— أحست المرأة من كلامك البارحة أنك متضايق من وجودهما، ففضلَت الرحيل.اتسعت عينا أمين واستنكر:— ما هذا الذي تقولينه يا أمي؟ هل بدر مني أمس ما يدل على ذلك؟— العبارات تُفهم من سياقها يا بني، واللبيب بالإشارة يفهم!— هل قلتُ أنا ذلك صراحة؟— معنى كلامك أننا نتدخل في حياتك ونضيّق عليك!أخذ أمين نفساً عميقاً وقال بقلة صبر:— لم أقل ذلك أبداً!ردت والده بصرامة وهي تلوح ببدنها:— على أية حال، هي قالت إن بيتها وحشها وتريد أن تقضي أياماً مع ابنها.. وأنا أيضاً سأذهب لأقيم مع أخيك "نعمان" يومين كي أتركك على راحتك مع زوجتك.اندفع أمين نحوها وقال بارتباك:— ما هذا الكلام
الفصل الثاني عشر: هواجس الجواركانت مديحة تجلس في الشرفة، مستندة بذراعيها إلى السور الحديدي، تتأمل المارة في الشارع دون حافز حقيقي للتدقيق في وجوههم. كلمات أمين القاسية ونظراته الجافة في الليلة الماضية لا تزال تطن في أذنيها كطنين النحل، تذكّرها بفراغ حياتها وزوال بريقها في عينيه. وفي محاولة يائسة للهروب من هذا الجحيم الصامت الذي يلف شقتها، أخذت أفكارها تطوف بأرجاء البناية، لتتوقف عند الطابق الخامس.. عند شقة جارتها سامية.استرجعت مديحة تفاصيل زيارتها الأخيرة لسامية قبل يومين فقط؛ تلك الزيارة التي صعدت فيها لتلتقط أنفاسها بعيداً عن جدران بيتها الخانقة.في ذلك اليوم، عادت سامية من عملها في المصرف منهكة تماماً. أرهقها ازدحام الطريق بعد يوم طويل من التعامل مع المراجعين، وما إن فتحت باب شقتها بمفتاحها حتى ألقت بجسدها المجهد على أول كرسي واجهها في الصالة. أغمضت عينيها لترتاح قليلاً قبل أن تستجمع قواها للنهوض، لكن صوت جرس الباب قاطع استرخاءها.قامت متثاقلة، تحرّك قدميها بصعوبة حتى وصلت إلى الباب وفتحته، لتفاجأ بمديحة تقف أمامها. قالت سامية بنبرة يمتزج فيها التعب بالترحاب:— خير يا مديحة؟
الفصل الحادي عشر : الصدمة جلس أمين على السرير واستند إلى الجدار قائلاً: — هل تستطيعين إخباري من يغسل ثيابي؟ من يعد طعامي؟ من يتابع طلبات بيتي؟ وناهيكِ عن هذا كله، من يربي أبناءكِ الخمسة؟ أنتِ لا تعرفين عن أبنائكِ شيئاً يا هانم، وجعلتِ أمي وأمكِ بمثابة الخادمات عندكِ! شخصت أبصارها صدمة وقالت وهي تضع يدها على صدرها: — أخص عليك يا أمين! هل جعلتُ أمي وأم أمين خادمات عندي؟ والله العظيم لم أطلب منهما يوماً أن تفعلا شيئاً، هما من يملان من الجلوس ويقولان إن المنزل تسلية لهما! رد أمين بنبرة حاسمة: — وأنتِ يا مديحة؟ ألم تملي من هذا الاسترخاء والاتكال؟ قالت بدفاع عن نفسها: — كنتُ أظن أن هذا يُسعدك! كنتُ أظن أن تفريغي من أعباء البيت سيجعلني متفرغة لك ورائقة البال بدلاً من أن ترجع فتجدني ثائرة الصراخ خلف الأطفال! هما بنفسيهما يفعلان ذلك كي أكون متفرغة لدلعك ورعايتك. سألها أمين بتهكم مؤلم: — وأين هذا الدلع؟ أنتِ لا المناولينني حتى كوب ماء! صدمتها الكلمة فقالت: — وهل هذه فكرتك عن الدلع يا أمين؟ أن أكون الخادمة التي أحضرتها لك أمك؟ هل هذه قيمتي عندك؟ رد بمواجهة جافة: — بل أن تقعدي
الفصل العاشر: المواجهة الصامتةعاد أمين من عمله كعادته منهك القوى، يثقل كاهله الإعياء والنعاس. ولدى دخوله، استقبلته الروائح الشهية الزكية الفائحة من المطبخ؛ حيث كانت والدته وحماته تضعان اللمسات الأخيرة على مائدة الطعام وتنسقان الأواني على السفرة. وفي المقابل، كانت مديحة تجلس مسترخية أمام شاشة التلفاز، تتابع أحد برامجها المفضلة.مر أمين بهدوء متوجهاً إلى غرفة النوم ليتخفف من ثياب العمل حتى يفرغ الجميع من إعداد المائدة. ما كاد يفتح خزانته حتى ولجت مديحة خلفه وأغلقت الباب بهدوء، ثم قالت بنبرة تحمل رجاءً خفياً:— اخلع ثيابك كي أخرج لك زياً مريحاً من الخزانة.تأملها أمين بنظرة يمتزج فيها الجفاء بالإرهاق، وقال:— ولِمَ لم تُخرجي ثيابي قبل أن أصل؟ أم أن الهانم لم تكن فارغة؟ابتسمت مديحة محاولة امتصاص جفافه وقالت بمداعبة:— أتخجل من الخلع أمامي يا أمين؟ أم أنك تشعر بالبرد رغم أن الجو حار؟رد أمين بضيق مكتوم وهو يزيح بصره عنها:— لستُ خجلاً يا عزيزتي، لكن هذا ليس وقت المزاح.. أنا جائع للغاية.ضُحكت مديحة بنبرة مضطربة وقالت:— وما الذي يدور في ذهنك إذن؟ أنت تبحث عن حجة للغضب فقط!أجابها
الفصل التاسع: خبايا البيت المزدحمتجلس مديحة في شقتها الواسعة بالطابق الثاني، الشقة التي تضج بالحياة والصخب، لكنها تخفي في طياتها فراغًا روحياً يعتصر قلب صاحبتها. يتألف هذا البيت من أربع حجرات وصالة استقبال واسعة ومطبخ فسيح يتسع لجميع أفراد العائلة، إلا أن مديحة كانت تشعر وكأنها ضيفة في حياتها الخاصة.لم تكن "مديحة رويتر" مجرد لقب أطلقه سكان العمارة عليها اعتباطًا؛ بل كان متنفَسها الوحيد للهروب من واقعها. قضت معظم أوقاتها في الشرفة، تتلقف أخبار الجيران في البناية وفي العمائر المجاورة، وتستقبل الملاك والزوار بابتسامة تفيض بالخدمات وتتبادل معهم أرقام الهواتف، لتصبح شبكة الأخبار الأولى في الحي، تنقل التفاصيل إلى جاراتها لتعوض ذلك الفراغ الزمني والعاطفي القاتل.ترجع جذور هذه الشقة المزدحمة إلى ذكريات قديمة؛ إذ كانت والدة مديحة ووالدة زوجها أمين جارتين وصديقتين مقربتين في حي "شبرا". تربى أمين في بيت أم مديحة، وشهد ولادة مديحة وهو طفل في السابعة من عمره. يومها، قررت أم أمين أن تكون هذه المولودة الصغيرة زوجة مستقبليّة لولدها، ثقة منها بأخلاق والدتها وطيب أصلها. وكبرت مديحة أمام عينيه، فلم
الفصل الثامن: صينية العشاءنجح المهندس الذي استدعاه "سالم" في إصلاح عطل المصعد أخيرًا، لتتنفس العمارة الصعداء. ودّع العروسان الجديدان —عماد وعلياء— شقة "مديحة" وزوجها "أمين"، مكررين شكرهما الجزيل على حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. صعد الزوجان عبر المصعد إلى شقتهما الصغيرة في الطابق السابع؛ عش الزوجية الذي شهد تحضيرات شاقة خلال الأيام الماضية. انفض التجمع الإجباري، وعاد باقي الجيران إلى شققهم، لتبقى مديحة مع زوجها وعائلتها الصغيرة.جلس أمين المنهك من عمله ومن التجمع الطارئ، برفقة مديحة والأولاد ووالدته ووالدة زوجته حول مائدة الطعام. كانت مديحة تتأمل الفراغ لبرهة قبل أن تتحدث بنبرة يدفعها العجب:— أتعلمون؟ أظن أن والدة العروس غادرت الغاضبة بسبب عطل المصعد، ونسيت أن تترك لابنتها صينية العشاء!علقت أم أمين بنبرة تفيض بالشفقة:— يا إلهي! ماذا ستأكل هي وعريسها في ليلة مثل هذه؟ابتسمت مديحة وهي تنظر إلى المائدة وقالت:— يا للصدفة السعيدة! لحسن الحظ أننا أعددنا الدجاج والحمام المحشو بالفرِيك اليوم.ضحك أمين بنبرة تحمل شائبة سخرية وتساءل:— وإلامَ تهدفين بهذه الملاحظة يا مديحة؟ردت مديحة