LOGINدخل الاثنان إلى المكتب، فخلع أليخاندرو معطفه ورماه بإهمال على الأريكة الفاخرة، ثم عاد ووضع يديه في جيبي بنطاله بعد أن شمر أكمام قميصه الأبيض حتى مرفقيه، بارزاً عروق ذراعيه. رمقها بنظرة حادة تأمرها بالتحدث والدفاع عن نفسها.
تنحنحت فيوليت وتحدثت بجرأة مفاجئة:
"أولاً: ذلك الأحمق استفزني بنظراته المنحرفة والوقحة، ولم يكن هناك أي بأس في بعض الحركات البسيطة لتأديبه وإعادته إلى حده!"اكتشف فيها جوانب جديدة من شخصيتها الطائشة والجريئة، لكن ذلك لم يعنه في شيء، ولن يثنيه عن عقابها كي لا تكرر هذا السلوك الأرعن مجدداً.
تابعت فيوليت وهي تنظر إليه بغضب طفولي: "ثانياً: كنتُ أرغب في الاستفسار من آنا عن تلك المصطلحات الصعبة، لكنني لم أجد الوقت الكافي لذلك لأن هناك شخصاً ما كان يمطرني بالواجبات والعقابات التي لا تنتهي!" "وثالثاً: وبما أنني لم أفهم تلك المصطلحات الاقتصادية، فمن الطبيعي ألا أستوعب ما كنتم تتحدثون عنه داخل الاجتماع!"تقدم أليخاندرو نحوها بخطوات بطيئة وحاسمة حتى وقف أمامها مباشرة، بينما كانت هي تطرق رأسها في الأرض بخجل وغيظ.
"ألا تعتقدين أن مدربكِ ومسؤولكِ هنا هو أنا وليس آنا؟! ولهذا السبب قررتِ فجأة تطوير موهبتكِ اللعينة في الرسم، أليس كذلك؟!" أضاف كلماته الأخيرة بصوت جهوري صارم ارتجت له أركان الغرفة."هل ترينني مجرد أضحوكة أمامكِ؟!" أنهى جملته وهو يمسك بشحمة أذنها ويقرصها بقوة وحزم!
اتسعت عيناها بصدمة وذهول من حركته المباغتة، ووضعت يدها على كفه محاولةً دفع يده عنها ودون جدوى."أعتقد أن الأطفال يُعاقبون بهذه الطريقة، أليس كذلك؟" قالها بتهكم وهو يشد أذنها أكثر.
"حسناً توقف، هذا يؤلمني حقاً!" قالتها بصوت باكٍ وهي تفرك أذنها وتلوي شفتيها إلى الأسفل بحزن طفولي، محاطة إياه بنظرة عتاب بريئة وكأن أحدهم قد سلبها لعبتها المفضلة. تأمل ملامح وجهها وردة فعلها، ثم قال بصوت خفيض: "حقاً، أنتِ مجرد طفلة!"ثم أردف بجدية: "أحضري كتابكِ ودفتركِ فوراً، وسأقوم بشرح تلك المصطلحات الصعبة لكِ بنفسي."
"واستخدمي صوتكِ اللعين عند الإجابة!"تنهدت فيوليت بقلة حيلة: "نعم يا سيدي."
أخذت كتابها ودفترها واتجهت نحوه لتجلس على الأريكة الفاخرة، وأمامها رئيسها المغرور كما تحب أن تسميه. ارتدى أليخاندرو نظارته الطبية الأنيقة، وأمسك بالقلم بين سبابته وإبهامه ليمضي في شرح مطول وتفصيلي للمفاهيم الاقتصادية الصعبة.
وكلما أومأت له برأسها إشارةً إلى فهمها للشرح، كان يعود ليمتحنها ويسألها عما شَرَحه للتو، لتكتفي هي بالابتسام بقلة حيلة وتلعثم، مظهرة ابتسامة اعتذار لطيفة تُزين محياها. وهذا بالضبط ما كان يثير حنقه وغضبه؛ إذ تكرر نفس الخطأ وتلجأ للكذب مجدداً بدلاً من الاعتراف بعدم الفهم!
"هل ترغبين في أن أقرص أذنكِ مجدداً كي تستوعبي؟!"
ما إن سمعت فيوليت كلماته حتى رفعت كلتا يديها بسرعة وغطت بهما أذنيها، وهزت رأسها ناهيةً بالرفض الذعور!"إذن ركزي جيداً قبل أن أبدأ معكِ سلسلة عقابات لا نهاية لها، فأنا لم أنسَ بعد ما فعلتيه في قاعة الاجتماعات!"
أومأت له بسرعة، وعاد هو ليشرح لها ذات النقاط بأصل وفصل. وهذه المرة تجاوبت معه بطلاقة وفهم عميق؛ إذ أدركت مغزى شروحاته التفصيلية السلسة التي اتسمت بأسلوب فريد وممتع ركّز المعلومات في ذهنها ببراعة."طريقتك في الشرح ممتازة للغاية، ولا عجب أن تكون شركتك هي الأولى والرائدة على مستوى الدولة بأسرها!" قالتها بإعجاب صادق، فابتسم الآخر لكلماتها وتحدث بنبرة مفعمة بالفخر والسخرية وهو يستند بظهره إلى الأريكة:
"لقد شرحتها لكِ كما يشرح المعلم للأطفال الصغار، ويبدو أن هذه الطريقة قد حققت نجاحاً باهراً معكِ!"أنهى كلماته وهو يحدق في ملامحها الغاضبة والمستفزة من كلامه؛ فقد نجح بالفعل في إثارة غضبها وإحراجها كما رغب. ثم نهض من مكانه ليعود إلى مكتبه يستأنف عمله.
"يمكنكِ الانصراف الآن، فقد تأخر الوقت كثيراً."تنهدت فيوليت براحة وهي تقف على قدميها الخدرتين، وحملت كتابها ودفترها وقالت:
"شكراً لك يا سيدي.. وهناك شيء آخر أود إخبارك به؛ أنا لست طفلة كما تعتقد!" أنهت جملتها الأخيرة وأسرعت بخطوات حثيثة نحو الباب لتخرج مطرودة. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى أطلق أليخاندرو ضحكة خفيفة وقال في سره: "تباً، إنها طفلة بحق!" ثم أعاد تجميع تركيزه على الأوراق الملقاة أمامه.---
عادت فيوليت إلى منزلها، وقالت بصوت ناعم كعادتها فور دخولها: "أهلاً! لقد عدتُ إلى المنزل!"
من يراها من البعيد قد يظن أنها أصيبت بالجنون، لكنها في الحقيقة لم تعتد قط على الوحدة والسكون، ولم تتأقلم بعد مع هذا المنزل الخالي من عائلتها والذي يصرخ بالوحدة والفراغ. ولجت إلى الداخل وصعدت درجات السلم متجهة نحو غرفتها.
ملأت حوض الاستحمام بالماء الدافئ وغمرت رأسها فيه، مغمضة عينيها لتستمتع بلحظات من الاسترخاء التام بعد يوم طويل ومجهد. وغطت في نوم عميق وهي لا تزال داخل الماء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة بسبب دغدغة الماء الدافئ لبشرتها. لكن تلك التعابير الهادئة سرعان ما بدأت تتقلص وتتجهم بضيق وانزعاج تدريجي...
*(صورة جماعية عائلية.. ضحكات رنانة لا تتوقف.. كيفن يحمل فيوليت الصغيرة ويركض بها وهي تتشبث به بضحك وابتهاج.. والدها يلتقط لهما الصور بفرح.. عائلة صغيرة وسعيدة.. صوت الموسيقى ينبعث من داخل السيارة والجميع يغنون معاً.. وفجأة شاحنة ضخمة تنحرف عن طريقها وتتجه نحوهم بسرعة جنونية.. حادث سير مروع!)*
انتفضت فيوليت مرعوبة من حلمها والكابوس ينهك أنفاسها، وأمسكت بطرف حوض الاستحمام بكلتا يديها وهي تلهث بشدة، وانكمشت على نفسها بخوف ورعب أليم، لتبدأ في البكاء المرير وهي تتوسط الماء.
"ألن يمل هذا الكابوس اللعين من مطاردتي في كل ليلة؟!" تمتمت بكلماتها وهي تبكي بحرقة واضعة يديها على وجهها.في هذه الأثناء، لاحظت فيوليت أن هاتفها المحمول لا يكف عن الرنين المتواصل على الطاولة. قفزت من الحوض ولفت المنشفة حول جسدها لتجيب على المتصل، لتجد أن المتصلة هي صديقتها آنا التي اتصلت بها عشرات المرات!
وما إن فتحت الخط حتى تذمرت آنا بغضب وصراخ:
"أيتها الغبية! نصف ساعة كاملة حتى تجيبين على الهاتف؟!" أغمضت فيوليت عينيها بتعب وقالت بنبرة مجهدة: "كنتُ أستحم وغططت في النوم داخل حوض الماء.. أنا آسفة حقاً." لاحظت آنا الإرهاق الشديد في صوتها فسألتها بقلق صادق: "هل أنتِ بخير يا فيوليت؟!"ابتسمت فيوليت ابتسامة حزينة؛ فهذه الفتاة هي الوحيدة التي وقفت بجانبها وساندتها في أوقاتها العصيبة: "نعم أنا بخير.. ما رأيكِ في القدوم إلى منزلي لنقضي السهرة معاً؟ غداً عطلة رسمية ولن نذهب للعمل."
قهقهت آنا وقالت بمرح: "يا صديقتي العزيزة، وكأنكِ تقرئين أفكاري! عشر دقائق وستجدينني عند باب منزلكِ!"أغلقت فيوليت الهاتف بعد وداعها، ثم توجهت نحو خزانتها وارتدت سروالاً قطنياً قصيراً وقميصاً فضفاضاً ومريحاً، واتجهت نحو المطبخ لإعداد الفشار وبعض العصير الطازج. وما هي إلا دقائق معدودة حتى علا صوت جرس الباب الذي لم يتوقف عن الرنين بفضل صديقتها الغبية التي لم ترفع أصبعها عنه!
انزعجت فيوليت ومشت نحو الباب وهي تفتحه بغضب: "أيتها الأبله! أصحاب المنزل لم يموتوا بعد كي تقرعي الجرس بهذا الشكل الهستيري!"
تمتمت بكلماتها وهي تستدير راجعة نحو المطبخ، بينما تجاهلت آنا توبيخها ودخلت بخطوات قافزة ومبتهجة وهي تصفق بيديها بحماس:
"إذن، ما الذي سنشاهده الليلة؟!" صرخت فيوليت من المطبخ ليعلو صوتها: "اختاري فيلماً على ذوقكِ حتى أنتهي من إعداد السهرة!" أخذت آنا تقلب بين الأفلام حتى استقرت أخيراً على أحدها. أسرعت فيوليت ووضعت وعاء الفشار في أحضان آنا وجلست بجانبها على الأريكة ليتابعا الفيلم في صمت وتأمل.وبعد فترة ليست بالقليلة من المتابعة، قطع هذا الصمت سؤال آنا الجاد والمباشر:
"هل ما زالت تلك الكوابيس تطاردكِ حتى الآن؟" توقفت فيوليت عن تناول الفشار ورنت بجمود نحو الأمام، وأومأت برأسها دون أن تنطق بحرف واحد؛ لأنها تعلم يقيناً أنها إن تحدثت، فستفضحها تلك الغصة المترسبة في حلقها وتنهار في البكاء. احتضنتها آنا بحنان وأخذت تربت على ظهرها برفق، وهي تهمس لها بلطف: "لا بأس يا حبيبتي، كل هذا سيمضي وسيتجاوزه الزمن." لفت فيوليت ذراعيها حول آنا وانهمرت دموعها الخفيفة على كتف صديقتها؛ فقد كانت وما زالت سندها الوحيد في هذه الحياة.---
أما في المقر الخاص بأليخاندرو، فقد كان يجلس في مكتبه المنزلي مستغرقاً في مراجعة الملفات والأوراق التي ملأت طاولته. وقاطع تركيزه صوت طرقات خفيفة على الباب.
"ادخل،" قالها بصوته البارد والخشن.ولجت الخادمة العجوز جيني إلى المكتب ووضعت كوب القهوة السادة المرة أمامه على الطاولة، وقالت بحنو:
"يا بني، عليك أن تنال قسطاً من الراحة، فلا ينبغي لك أن ترهق نفسك إلى هذا الحد ككل ليلة."واصل أليخاندرو عمله دون أن يرفع رأسه، ثم مد يده نحو كوب القهوة السوداء واسترجع في ذهنه صورة فيوليت حين أفسدت قهوة سيمون وارتسمت على وجهها ابتسامة النصر الماكرة.
أطلق ضحكة خفيفة على تصرفها الطفولي والطائش، وهز رأسه ليطرد تلك الأفكار من ذهنه وهو يحتسي ررشفة من قهوته. ثم سحب هاتفه المحمول واتصل بكريس الذي كان غارقاً في نوم عميق.فتح كريس الخط بضيق ووضع الهاتف على أذنه وعيناه مغمضتان من النعاس، وقال بصوت مغشوش ومتذمر:
"من أجل الله يا رجل، أريد أن أنام قليلاً!" لم يكترث أليخاندرو لتذمره، وتحدث بصوت بارد وصارم لا يقبل النقاش: "أريد معلومات كاملة وشاملة عن المتدربة فيوليت ووكر قبل الصباح." أغلق الهاتف فور إنهائه للكلمة؛ فبطبيعته الصارمة لا يتعامل مع أي شخص لفترة طويلة دون أن يحيط بكل تفاصيل ماضيه لتجنب المتاعب والشبهات.أما كريس، فقد اشتعل وجهه حمرة واغتاظ وهو ينظر إلى الهاتف المنطفئ:
"سحقاً له ولأوامره!" قالها وهو يرمي الهاتف على الأريكة بإهمال، ويعود للغرق في نومه مجدداً.---
في صباح يوم جديد، استيقظت فيوليت باكراً على أصوات زقزقة العصافير المنبعثة من النافذة.
جالت بعينيها حول السرير لتجد صديقتها آنا تملأ المكان بفوضى عارمة منذ البارحة. "أيتها الكسولة، استيقظي فوراً! لدينا الكثير من الأعمال والمهام لننجزها اليوم!" قالتها فيوليت بصوت عالٍ وهي تتجه نحو الحمام لتغسل وجهها.وما إن عادت حتى وجدت آنا الكسولة لا تزال في نفس وضعيتها غارقة في النوم!
"سحقاً لهذا الكوالا المستلقي!" تمتمت بصوت خفيض ووضعت يديها على خصرها، ثم صرخت بأعلى صوتها: "آآآآآآه!"فزعت آنا وسقطت من السرير أثراً لصراخ فيوليت المفاجئ، وصرخت بغضب وحنق:
"ماذا تريدين؟! ولماذا تصرخين هكذا كالمجنونة؟! ألستِ تملكين عطلة رسمية هذا اليوم?!"وفي مكان آخر بعيد عن هذه الأجواء، سار سام بخطوات واثقة ودلف إلى مكتب جوزيف الذي كان مستنداً إلى كرسيه بابتسامة ماكرة وشريرة:"أطلبت حضوري يا صديقي؟" سأل سام بفضول وهو يغلق الباب."أريد تأهيل وترويض قطة شرسة وجدتها في مكتب أليخاندرو."عقد سام حاجبيه بعدم فهم: "قطة؟ ترويض؟ عن ماذا تتحدث يا رجل؟" تحرك سام ليقترب من مكتبه ويركّز عليه. تنهد جوزيف بملل من كثرة استفساراته، ثم استقام في جلسته وأردف ببرود:"استأجر لي شخصاً ما، أريد أن أدّب فتاة هناك لتتخلى عن غرورها."اتسعت عينا سام بصدمة عارمة مما يسمعه من صديقه الذي يبدو أن الشر ينهش روحه تدريجياً؛ فهو لم يكن هكذا قط في السابق، لكن الغيرة العمياء من شقيقه أليخاندرو هي ما حولته إلى هذا الكائن المظلم: "أأنت جننت تماماً؟! هل ترغب في إيذاء فتاة بريئة لا ذنب لها؟!"نظر إليه جوزيف بضيق مبالغ فيه وقال بتهكم: "لم أقل قتل، لكنها ستتلقى درساً لا ينسى طوال عمرها.. هذا كل ما في الأمر لكسر شوكة أخي."يعلم سام أنه متواطئ معه في الكثير من الأمور، لكنه لا يستطيع مشاهدته وهو يغرق في هذه الصراعات الدموية المدمرة، فالأمر يتفاقم وعليه إيقافه قبل أن تبتلع عتمة ا
جلست فيوليت أمام أليخاندرو بعد أن سحبت كرسيها الخشبي بهدوء إلى الأمام، لتقترب منه بشكل أكبر، مسهلةً بذلك عملية استيعابها للشرح المعقد وتجنب أي خطأ قد يستوجب عقاباً جديداً. بدأ أليخاندرو في الشرح المتقن بعد أن ارتدى نظارته الطبية الأنيقة التي أضفت على ملامحه مسحة من الوقار، ورفع أكمام قميصه الأبيض حتى مرفقيه، فبدا للناظر إليه وكأنّه لوحة فنية أبدعتها يد العناية الإلهية لتتجسد بكامل هيبتها وجمالها في الواقع المعيش.*"تباً له.. أيتوجب عليه أن يكون بهذه الوسامة الطاغية حتى في أوقات العمل الصارمة؟! كيف لي أن أركز في قواعد الاقتصاد وشرح الصفقات الآن، وهل هذا وجه يُحتمل التركيز أمامه أساساً؟!"* تمتمت فيوليت في سرها، بينما كانت شارذة تماماً في تفاصيل ملامحه الحادة والمنحوتة بدقة.لاحظ أليخاندرو سهوها وتشتتها الملحوظ، فطرق بيده القوية بقوة على الطاولة الفاصلة بينهما، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت أفكارها:"انتبهي جيداً للكتاب يا آنسة.. الشرح الاقتصادي ليس مرسوماً على وجهي."مرت برهة قصيرة دون أن يبدأ في الشرح، بل أبقى عينيه الحادتين مسمرتين عليها بنظرات محذرة تزن كل حركة تصدر منها. سرعان ما اس
---"لقد عاد،" توقف كريس بصدمة وهو يستمع لأنفاس أليخاندرو المتخبطة وأصابعه التي تمرر بعنف عبر شعره الكثيف."ماذا.. ماذا تقصد بعودته؟" سأل كريس وهو يتابع أليخاندرو بعينيه وهو يدور حول نفسه كالأسد في قفصه.التفت أليخاندرو إليه بعيون تقدحان شراراً من الغباوة المفاجئة لصديقه:"كريس، أرجوك ليس هذا وقت غبائك واستبلائك!" صرخ به بصوت ارتعشت له أركان الغرفة، وقد تحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاني من شدة العصبية:"حسناً اهدأ قليلاً، أنت تعلم أن جوزيف ليس نداً حقيقياً لك."هز أليخاندرو رأسه ببرود وهو يجلس على الأريكة عاقداً ذراعيه ومطرقاً برأسه:"لا، أنت لا تعرفه جيداً؛ إنه أجبن من أن يأتي ويهددني علانية هكذا دون أن يدعمه شخص آخر من الخلف."ربت كريس على كتفه مواسياً: "لا تقلق، لن يستطيع فعل شيء. سأطلب من الخادمة إرسال شخص لتنظيف هذه الفوضى،" قالها وهو يستدار نحو الباب، لكنه توقف في المنتصف والتفت إليه بجدية بالغة:"وعليك أن تتحكم في نوبات غضبك هذه؛ فقد كادت تلك الطفلة تموت رعباً من منظرك المخيف قبل قليل."رفع أليخاندرو رأسه وجال بنظراته في المكتب وكأنه تذكر وجودها للتو: "هل تذكرها حقاً؟! أين هي
في مكان آخر، بعيداً كل البعد عن هذه الأحداث المتصاعدة وأروقة الشركات، كان هناك شاب في أواخر العشرينيات من عمره، يقف ناظراً من النافذة الزجاجية الشاسعة لمكتبه الفخم، ممسكاً بكأس من الشامبانيا الفاخرة بيده المرتخية. لم يكن يُسمع داخل مكتبه سوى صوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي تعزف بأنغام حالمة، بينما كانت ملامح القسوة والبرود تطفو على وجهه الوسيم رغم خبثه الذي يجري في عروقه مجرى الدم."سيدي، لقد وُضع الطعم في الصنارة بنجاح،" قال مساعده سام بصوت خافت.ابتسم الشاب بخبث ومكر، وهو يحتسي رشفة بطيئة من كأسه:"إذن يا سام، حان الوقت لنقوم بزيارة لطيفة لصديقنا القديم أليخاندرو.. ستكون مفاجأة لطيفة للغاية لا يمكنه رفضها،" قالها بنبرة باردة وابتسامة ماكرة تطوق شفتيه. أومأ له سام بطاعة عمياء.---مرت ساعات الليل الثقيلة، وعاد الجميع إلى منازلهم.سقط بعضهم في سبات عميق فور وضع رؤوسهم على الوسائد من شدة الإرهاق والتعب، بينما استلقى آخرون على ظهورهم ناظرين إلى أسقف غرفهم بعيون خاوية فارغة من الحياة وعجزوا تماماً عن النوم، في حين واصل البقية حياتهم كأن شيئاً لم يكن.أشرقت شمس الصباح معلنة عن يوم جد
نظر عبر النافذة ليرى عشرات السيارات المقلوبة والمتفحمة نتيجة حوادث متسلسلة بسبب الانزلاقات. ووقعت عيناه على مياه الأمطار التي تحولت إلى اللون الأحمر القاني جراء دماء الضحايا والمصابين. سيطر صمت مرعب وثقيل على الشارع الذي تحول إلى مقبرة جماعية حصدت أرواح الكثيرين. وقد عُرف هذا الحادث لاحقاً في نشرات الأخبار باسم: **"حادث سياتل الكبير"**.*---عاد سيمون من سحيق ذكرياته، وقد فرت دمعة حارة وصغيرة من عينه، سارع بمسحها بسرعة، ثم أنزل أكمام قميصه ليخفي ندبه المشؤوم، وقال بصوت متحشرج:"صدقيني يا فيوليت، لا توجد أي رغبة لديكِ في معرفة تفاصيل ما حدث."أومأت فيوليت ببطء شديد محاولة إخفاء نظرات الشفقة والتعاطف التي غمرت عينيها؛ فهي أكثر من يدرك معنى الألم والفقد.سار سيمون بخطوات متعثرة ومترنحة خارج المستودع، بعد أن شعر بأن الأكسجين قد نفد من صدره تماماً.---"ما الذي تنوي فعله حقاً؟" سأل كريس ناظراً إلى أليخاندرو الذي كان منغمساً في عمله بهدوء تام.تنهد أليخاندرو بملل من أسئلة صديقه المتكررة، وقال ببرود:"سترى بنفسك بعد قليل. هيا بنا إلى قاعة الاجتماعات، وأبلغ ذلك المشاكس بحضور الاجتماع فوراً."
"ما اللعنة التي تعنيها بحق الجحيم؟!" تمتم أليخاندرو بذهول وعينيه معلقتان بما هو مكتوب في التقرير، إذ كان يظن أن ما حدث في ملف فيوليت مجرد صدفة غريبة، لكن أن يتشارك الاثنان في نفس هذا التطابق المرعب فهذا ما لا يصدقه عقل! حقاً إنها لظاهرة نادرة الحدوث، لا سيما إن كانت في ذات السنة والسياق."لم يسبق لي قط أن دققت في تاريخ شخص وظهرت له سنة فراغ تامة لا يوجد فيها أي نشاط، ولا دراسة، ولا عمل! وكأن صاحبها قد مات في تلك السنة تحديداً واختفى من الوجود،" أضاف كريس بجدية وتأثر بالغ؛ لكونه عجز تماماً عن حل هذا اللغز المحير."لا أحد يستطيع محو سنة كاملة من حياته بهذه الطريقة العبثية! لابد أنهما يملكان معارف ومعاونين نافذين في دوائر الدولة العليا،" قال أليخاندرو بجدية بالغة، محولاً نظراته نحو كريس الذي كان يقف أمامه بابتسامة باهتة ويداه مستقرتان على خصره."ولكن.. لماذا قد يرغب شخص عاقل في محو سنة كاملة من عمره؟" تمتم كريس وهو يتجه نحو الكرسي المقابل لمكتب أليخاندرو ليجلس عليه. أومأ له أليخاندرو ببطء؛ إذ لم يكن يملك إجابة شافية وسط هذه الكومة المتراكمة من الألغاز التي تتطلب حلولاً فورية، بينما كان