로그인هزت فيوليت رأسها بقلة حيلة لتمتم وهي تنظف الأوساخ المتناثرة على الأرض:
"لا توجد أي عطلة، يجب علينا الذهاب إلى المستشفى لتسليم الطبيب المستحقات المالية، وأيضاً لتنظيف المنزل الذي تعرض لعاصفة من الأوساخ والغبار." نهضت آنا من على الأرض وأخذت تصرخ وتضرب بقدمها على البلاط بعنف، متمتمة بكلمات غير مفهومة من شدة التذمر."هيا يا بني، استيقظ فقد حان وقت الصباح،" قالت جيني وهي تبت بحنو على كتف أليخاندرو الذي تململ في نومه ليجيب بصوت أجش وخشن: "حسناً."
بعد فترة قصيرة، انتهى من حمامه وارتدى ملابسه، ثم توجه نحو غرفة الطعام ليجد جيني ترتب الأطباق بعناية على المائدة. "جيني، سأذهب اليوم إلى المستشفى لتسليم التبرعات المالية، ولدي أيضاً اجتماع هام في أحد المطاعم المجاورة للمستشفى." أومأت له العجوز وهي تدعو المولى عز وجل أن يحفظه من كل شر. خرج أليخاندرو من قصره الفخم متجهاً نحو سيارته السوداء الفاخرة، ليجد كريس متكئاً عليها وقد صلب ذراعيه على صدره وأطرق برأسه.وما إن شعر بوجوده حتى التفت إليه وقال بابتسامة واسعة: "صباح الخير يا آلة العمل!"
ابتسم أليخاندرو بسخرية متحدية من اللقب الذي يطلقونه عليه داخل الشركة، لكنه تظاهر بعدم الاهتمام: "اصعد إلى السيارة إن لم تكن ترغب في السير على قدميك إلى المستشفى." أنهى كلماته وهو يجلس خلف مقعد القيادة. وبعد فترة، وصلا إلى وجهتهما وترجلا من السيارة بهيبة وطاغية وحضور طاغٍ ببدلتيهما السوداوين اللتين تخطفان الأنظار.وأثناء تجول أليخاندرو برفقة الأطباء في الممر الطويل، لمحت عيناه ذلك الجسد الصغير وهي تحتضن أحد الشبان الأطباء الذين بدا مألوفاً له. حدق فيها مطولاً وقال بصوت هامس لا يكاد يسمع: "فيوليت؟!"
"السيد أليخاندرو والسيد كريس، تفضلا معنا، فقد أعددنا لكما وليمة فاخرة في أحد المطاعم،" قاطع حديثه مدير المستشفى بمديح مبالغ فيه. وقبل أن يرد أليخاندرو، بادر كريس بالرفض قائلاً بنبرة سريعة: "كنا نتمنى ذلك بشدة، لكننا لا نملك وقتاً كافياً، شكراً جزيلاً لك." وأنهى جملته وهو ينظر إلى ساعة يده.
أومأ أليخاندرو برضاً؛ فهو الوحيد الذي يفهم ما يريده دون أن يتكلم.توجه الاثنان إلى المطعم المجاور للمستشفى، وجلسا على طاولة منزوية نسبياً عن الأعين، وأخذابتبادل أطراف الحديث حول الصفقة المرتقبة مع سيمون وشركائه. التفت أليخاندرو حول المكان بعينيه،
فاتسعت مقلتاه دهشة واستغراباً حين وقع بصره على فيوليت وهي جالسة على طاولة بعيدة نسبياً عنهما برفقة فتاة لا يعرفها، فحدث نفسه بسخرية: "إذن ما رأيته لم يكن مجرد خيال! .. لكن ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت المبكر جداً؟!" وما إن أتم جملته حتى تذكر أنها كانت تحتضن ذلك الطبيب، فابتسم بسخرية لاذعة: "بالتأكيد جاءت لرؤية عشيقها." لاحظ كريس وجود فيوليت وآنا فابتسم باتساع واتجه نحوهما لدعوتهما للجلوس معهما، لكن أليخاندرو هز رأسه رافضاً بتبرم تصرف صديقه."أهلاً يا فتيات، كيف حالكن؟" قال كريس بثقة وهو يحييهن. ابتسمت فيوليت متفاجئة بوجوده هنا، أما آنا فانعقدت ملامحها ما إن رأته:
"مرحباً كريس، نحن بخير، ماذا تفعلون هنا؟" "حسناً، أود دعوتكما إلى طاولتنا،" قالها وهو يشير بيده نحو الطاولة التي يجلس فيها أليخاندرو. وما إن رأت فيوليت رئيسها حتى هزت رأسها بالرفض القاطع وبذعر شديد من فكرة الجلوس معه على نفس الطاولة: "شكراً لك، لكننا في مأزق..." لم يتركها كريس تكمل: "لن أقبل بالرفض، فالرفض ليس خياراً متاحاً لكما هنا." أومأت الاثنتان له باستسلام، خصوصاً وأنها فرصة للتعرف على رئيسهما ومدرب فيوليت عن قرب.شعرت فيوليت بالحرج الشديد لعدم قدرتها على الرفض، وتحرك الثلاثة نحو الطاولة.
"صباح الخير،" قالتها فيوليت بصوت خجول ومضطرب. أومأ أليخاندرو برأسه ببرود دون أن يرد التحية، بينما ابتسمت آنا بتهكم وأخذت تحدق فيه وكأنها تريد الانقضاض عليه.بدأ الجميع في تناول طعامهم بهدوء، وقاطع هذا الصمت المزعج صوت كريس المرح: "إذن، ما الذي أتى بكما إلى هنا؟"
جذب سؤاله انتباه أليخاندرو الذي كان يرغب في معرفة الإجابة بدوره: "كان لدينا بعض الأعمال لننجزها في المستشفى القريب." ابتسم أليخاندرو بتهكم وهو يقطع قطعة اللحم أمامه بسكين حادة، وأردف بنبرة ساخرة ولاذعة دون أن يرفع عينيه عن طبقه: "أكان عملكم الهام يتضمن احتضان طبيب ما؟!"صدمت آنا من رده اللاذع وقالت بحنق: "حسناً يا سيد أليخاندرو، أنت رئيسي في العمل ويجب عليّ احترامك هناك، لكن حين تتدخل فيما لا يعيننا ونحن خارج أسيار المبنى، فيجب عليّ توقيفك عند حدك! أنا آسفة، ولكن عليك أن تنتقي كلماتك بعناية أكبر."
أضافت فيوليت كلماتها بغضب وهي تهم بالنهوض للرحيل: "شكراً لك يا سيد كريس على الدعوة الكريمة." وانسحبت الفتاتان من الطاولة مغادرتين المكان، بينما اشتعل أليخاندرو غضباً من ردها الجريء، ومتمتماً بغيظ: "إذن سأريكِ ما هو العمل الحقيقي داخل أروقة الشركة يا آنسة ووكر!"---
في منتصف الليل، كان أليخاندرو جالساً وسط سريره الواسع، يمسك بكأس من النبيذ الأحمر ويهزه بحركة دائرية بطيئة للغاية. كان يفكر بصدر عارٍ في العقوبات التي سيمطر بها فيوليت غداً:
"لنرى يا صغيرة، كيف ستتقفين أمامي بعد الآن،" قالها أليخاندرو ببرود ومظهر خالٍ من أي تعبير.أما فيوليت التي عادت إلى منزلها مسرعة، متجنبة الحديث مع آنا التي كانت تتذمر بلا توقف من أسلوب الرئيس الفظ، فقد انغمست كلياً في حفظ الأجزاء التي كلفها بها مسبقاً: "لنرى كيف ستواجهينني غدا؛ يجب أن أركز جيداً!" أصرت على إنجاز واجباتها كاملة كي لا تترك له أي عذرا لمعاقبتها أو إرهاقها بمهام إضافية.
وبعد أن انتهت من واجباتها، قررت الخروج إلى حديقة المنزل الصغيرة لبعض الوقت لتستنشق بعض الهواء النقي. خرجت وفي حوزتها كوب من الكاكاو الدافئ، بينما كان ضوء القمر ينعكس على وجهها بسحر هادئ.---
في صباح اليوم التالي، استيقظ أليخاندرو باكراً لممارسة تمارينه الرياضية الصباحية. دخل إلى منزله ليجد جيني (الخادمة الرئيسية) في منتصف الصالة ترتب الأطباق: "يا بني، فطورك جاهز،" قالتها بحنو بالغ. "قلت لك مراراً ألا تناديني بسيدي داخل المنزل، ولا أحب تكرار كلامي،" أردف بنبرة باردة ونظرات حادة خلت من أي دفء، فرغم كلماته القاسية، إلا أن من يرى ملامحه الصارمة يرعش منه؛ فهو لم يعتد على التعبير العاطفي قط. "حسناً يا بني،" ردت بهدوء. أومأ لها واتجه نحو الحمام.
بعد فترة، وصلت فيوليت إلى مقر الشركة وهي مستعدة لتلقي توبيخاته المستمرة، خصوصاً بعد وقاحتها معه على الغداء أمس. طرقت باب المكتب مرتين، لكنها لم تتلقَ أي إجابة من الداخل. "ماذا الآن؟ هل سيعاقبني بالوقوف خلف الباب هكذا؟!" قالتها بصوت خفيض، غير آبهة بالرجل الذي يقف خلفها مباشرة ويستمع إلى تمتماتها الطفولية. ابتسم بخفة وتجاهل كلامه: "تنحي جانباً، أريد الدخول."
فزعت فيوليت واستدارت بذعر لتجد نفسها تقف أمامه مباشرة، وضعت يدها على قلبها وأخذت تتنفس بعمق وهي تكاد تحمد ربها أنه لم يسمعها.. أو لعلّه سمعها بالفعل! "أنا آسفة يا سيدي، تفضل بالدخول،" قالتها بتلعثم وهي تفسح له الطريق ليدخل مكتبه."أرى أنكِ أصبحتِ تحبين العمل لدرجة الحضور قبل الرئيس بنفسكِ،" أردف ببرود وهو يعلق معطفه على مسند الكرسي.
"واو، ومن هذا المجنون الذي يحب العمل معك أصلاً؟!" تمتمت بكلماتها في سرها وهي ترمقه بنظرات ساخرة لم يستطع رؤيتها، كالعادة كان مطرقاً برأسه يتفحص الأوراق. "لقد حضرت مبكراً لأنني أحرص على الالتزام بمواعيد العمل،" أجابته ببرود وثقة وهي تحدق في عينيه مباشرة، فقد أعلنت الحرب عليه رسمياً. رفع أليخاندرو حاجبه استهزاءً بردها: "أرى أن القط الشرس قد استيقظ من سباته، ويا ليتني أعرف أين كان يختبئ في الأيام القليلة الماضية!" أضاف بسخرية لاذعة ونظرات باردة. "لنفترض أنني لم أكن معتادة على المكان والعمل الجديد يا سيدي، وعليك أن تتعايش مع هذا القط الشرس!" ردت ببرود مقصود وهي تشدد على حروف جملتها الأخيرة. "يبدو أنني سأكون مرحباً بترويض القطط الشرسة،" رد في سرها: "سحقاً له، إنه ينتصر مجدداً.. لكن لا بأس يا فيوليت، فأنتِ له بالمرصاد." تمتمت بكلماتها الوقحة في سرها لتفرغ شحنة غضبها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة استفزازية."أحضري لي فنجاناً من القهوة، ولدينا جولة ميدانية خارج الشركة اليوم،"
أومأت له برأسها، ثم أردفت بذعر وصدمة وكأنها استوعبت لتوه ما قاله: "جولة ميدانية؟! ومع من؟!" "مع عملاء صفقة السياحة." "ماذا؟!! هل سأضطر لرؤية وجه ذلك السيمون الاستفزازي مجدداً؟!" كان أليخاندرو يعلم مدى كرهها لرؤية وجه سيمون، ولذلك تعمد اصطحابها معه تحت ذريعة التدريب والتأهيل. قاطع تذمرها صوت إغلاق الباب معلناً خروج فيوليت؛ فتمتم بخفة: "أظن أنني سأقضي وقتاً ممتعاً للغاية في العمل هذه الأترة،" وأعاد تركيزه الكامل نحو الأوراق.---
وفي مكان آخر، كانت آنا تتبادل المزاح مع الموظفين وتصنع المزيد من الصداقات، وقاطع ضحكاتهم وصخبهم صوت كريس الغاضب والمرتفع: "ما اللعنة التي تفعلونها هنا بحق الجحيم؟!"
جال كريس بنظراته الحادة في المكان حتى وقعت عيناه على آنا التي كانت تقف في منتصف التجمع. أغمض عينيه محاولة كبح غضبه الشديد؛ فهو يعلم جيداً مصدر هذه الفوضى. وقفت آنا مسمرة في مكانها بعد أن أُلبست متلبسة، فهي لم تعطل عملها فحسب، بل عطلت عمل الموظفين بأكمله. "آنسة آنا، أيمكنكِ تفسير ما تفعلينه هنا بدلاً من العمل؟!" "أوه حسناً، ظننت أن الجميع متعبون من ضغط العمل وقررت تخفيف العبء عنهم قليلاً،" قالتها بتوتر وهي ترمق الموظفين بنظرات تستنجد بها للمساعدة، ثم انخفض تدريجياً صوتها. "عودوا جميعاً إلى أعمالكم فوراً! وأنتِ يا آنسة آنا الحقيني إلى مكتبي،" صرخ كريس في وجوههم بغضب عارم. ورغم أن شخصية كريس تميل إلى المرح وحب الحياة، إلا أنه يصبح نسخة مطابقة لأليخاندرو حين يتعلق الأمر بالعمل: "مهووس بالنظام والانضباط."وقفت آنا أمام مكتب كريس مطرقة برأسها نحو الأرض وتفرك يديها بتوتر بالغ.
"آنسة، أتعلمين ما هو العقوبة القانونية لتعطيل مصالح الموظفين العموميين في القانون؟" حدقت فيه بصدمة بالغة حين سمعت كلمة "القانون": "ماذا؟! هل ستتقاضاني قضائياً؟!" فرك كريس عينيه بتعب وإرهاق من هذه الحمقاء الواقفة أمامه: "كيف تخرجتِ من تلك الجامعة المرموقة أصلا؟!" وتساءل بفضول شديد كيف لفتاة مهملة وكسولة مثلهاتمتاز بكل هذه اللامبالاة أن تنجز الامتحانات! "كانت صديقتي فيوليت تشرح لي الدروس دائماً." هز كريس رأسه مقتنعاً؛ فقد كانت تتلقى تعليمها على يد الأولى على دفعتها، وهذا أكبر دليل على أن الدراسة الأكاديمية وحدها لا تكفي إن لم تُطبق في الواقع، فهذا المجال يتطلب دهاءً وذكاءً حاداً لا مجرد مراجعة معلومات زرعت في العقول الصماء!وفي مكان آخر بعيد عن هذه الأجواء، سار سام بخطوات واثقة ودلف إلى مكتب جوزيف الذي كان مستنداً إلى كرسيه بابتسامة ماكرة وشريرة:"أطلبت حضوري يا صديقي؟" سأل سام بفضول وهو يغلق الباب."أريد تأهيل وترويض قطة شرسة وجدتها في مكتب أليخاندرو."عقد سام حاجبيه بعدم فهم: "قطة؟ ترويض؟ عن ماذا تتحدث يا رجل؟" تحرك سام ليقترب من مكتبه ويركّز عليه. تنهد جوزيف بملل من كثرة استفساراته، ثم استقام في جلسته وأردف ببرود:"استأجر لي شخصاً ما، أريد أن أدّب فتاة هناك لتتخلى عن غرورها."اتسعت عينا سام بصدمة عارمة مما يسمعه من صديقه الذي يبدو أن الشر ينهش روحه تدريجياً؛ فهو لم يكن هكذا قط في السابق، لكن الغيرة العمياء من شقيقه أليخاندرو هي ما حولته إلى هذا الكائن المظلم: "أأنت جننت تماماً؟! هل ترغب في إيذاء فتاة بريئة لا ذنب لها؟!"نظر إليه جوزيف بضيق مبالغ فيه وقال بتهكم: "لم أقل قتل، لكنها ستتلقى درساً لا ينسى طوال عمرها.. هذا كل ما في الأمر لكسر شوكة أخي."يعلم سام أنه متواطئ معه في الكثير من الأمور، لكنه لا يستطيع مشاهدته وهو يغرق في هذه الصراعات الدموية المدمرة، فالأمر يتفاقم وعليه إيقافه قبل أن تبتلع عتمة ا
جلست فيوليت أمام أليخاندرو بعد أن سحبت كرسيها الخشبي بهدوء إلى الأمام، لتقترب منه بشكل أكبر، مسهلةً بذلك عملية استيعابها للشرح المعقد وتجنب أي خطأ قد يستوجب عقاباً جديداً. بدأ أليخاندرو في الشرح المتقن بعد أن ارتدى نظارته الطبية الأنيقة التي أضفت على ملامحه مسحة من الوقار، ورفع أكمام قميصه الأبيض حتى مرفقيه، فبدا للناظر إليه وكأنّه لوحة فنية أبدعتها يد العناية الإلهية لتتجسد بكامل هيبتها وجمالها في الواقع المعيش.*"تباً له.. أيتوجب عليه أن يكون بهذه الوسامة الطاغية حتى في أوقات العمل الصارمة؟! كيف لي أن أركز في قواعد الاقتصاد وشرح الصفقات الآن، وهل هذا وجه يُحتمل التركيز أمامه أساساً؟!"* تمتمت فيوليت في سرها، بينما كانت شارذة تماماً في تفاصيل ملامحه الحادة والمنحوتة بدقة.لاحظ أليخاندرو سهوها وتشتتها الملحوظ، فطرق بيده القوية بقوة على الطاولة الفاصلة بينهما، وقال بنبرة حادة وصارمة اخترقت أفكارها:"انتبهي جيداً للكتاب يا آنسة.. الشرح الاقتصادي ليس مرسوماً على وجهي."مرت برهة قصيرة دون أن يبدأ في الشرح، بل أبقى عينيه الحادتين مسمرتين عليها بنظرات محذرة تزن كل حركة تصدر منها. سرعان ما اس
---"لقد عاد،" توقف كريس بصدمة وهو يستمع لأنفاس أليخاندرو المتخبطة وأصابعه التي تمرر بعنف عبر شعره الكثيف."ماذا.. ماذا تقصد بعودته؟" سأل كريس وهو يتابع أليخاندرو بعينيه وهو يدور حول نفسه كالأسد في قفصه.التفت أليخاندرو إليه بعيون تقدحان شراراً من الغباوة المفاجئة لصديقه:"كريس، أرجوك ليس هذا وقت غبائك واستبلائك!" صرخ به بصوت ارتعشت له أركان الغرفة، وقد تحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاني من شدة العصبية:"حسناً اهدأ قليلاً، أنت تعلم أن جوزيف ليس نداً حقيقياً لك."هز أليخاندرو رأسه ببرود وهو يجلس على الأريكة عاقداً ذراعيه ومطرقاً برأسه:"لا، أنت لا تعرفه جيداً؛ إنه أجبن من أن يأتي ويهددني علانية هكذا دون أن يدعمه شخص آخر من الخلف."ربت كريس على كتفه مواسياً: "لا تقلق، لن يستطيع فعل شيء. سأطلب من الخادمة إرسال شخص لتنظيف هذه الفوضى،" قالها وهو يستدار نحو الباب، لكنه توقف في المنتصف والتفت إليه بجدية بالغة:"وعليك أن تتحكم في نوبات غضبك هذه؛ فقد كادت تلك الطفلة تموت رعباً من منظرك المخيف قبل قليل."رفع أليخاندرو رأسه وجال بنظراته في المكتب وكأنه تذكر وجودها للتو: "هل تذكرها حقاً؟! أين هي
في مكان آخر، بعيداً كل البعد عن هذه الأحداث المتصاعدة وأروقة الشركات، كان هناك شاب في أواخر العشرينيات من عمره، يقف ناظراً من النافذة الزجاجية الشاسعة لمكتبه الفخم، ممسكاً بكأس من الشامبانيا الفاخرة بيده المرتخية. لم يكن يُسمع داخل مكتبه سوى صوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي تعزف بأنغام حالمة، بينما كانت ملامح القسوة والبرود تطفو على وجهه الوسيم رغم خبثه الذي يجري في عروقه مجرى الدم."سيدي، لقد وُضع الطعم في الصنارة بنجاح،" قال مساعده سام بصوت خافت.ابتسم الشاب بخبث ومكر، وهو يحتسي رشفة بطيئة من كأسه:"إذن يا سام، حان الوقت لنقوم بزيارة لطيفة لصديقنا القديم أليخاندرو.. ستكون مفاجأة لطيفة للغاية لا يمكنه رفضها،" قالها بنبرة باردة وابتسامة ماكرة تطوق شفتيه. أومأ له سام بطاعة عمياء.---مرت ساعات الليل الثقيلة، وعاد الجميع إلى منازلهم.سقط بعضهم في سبات عميق فور وضع رؤوسهم على الوسائد من شدة الإرهاق والتعب، بينما استلقى آخرون على ظهورهم ناظرين إلى أسقف غرفهم بعيون خاوية فارغة من الحياة وعجزوا تماماً عن النوم، في حين واصل البقية حياتهم كأن شيئاً لم يكن.أشرقت شمس الصباح معلنة عن يوم جد
نظر عبر النافذة ليرى عشرات السيارات المقلوبة والمتفحمة نتيجة حوادث متسلسلة بسبب الانزلاقات. ووقعت عيناه على مياه الأمطار التي تحولت إلى اللون الأحمر القاني جراء دماء الضحايا والمصابين. سيطر صمت مرعب وثقيل على الشارع الذي تحول إلى مقبرة جماعية حصدت أرواح الكثيرين. وقد عُرف هذا الحادث لاحقاً في نشرات الأخبار باسم: **"حادث سياتل الكبير"**.*---عاد سيمون من سحيق ذكرياته، وقد فرت دمعة حارة وصغيرة من عينه، سارع بمسحها بسرعة، ثم أنزل أكمام قميصه ليخفي ندبه المشؤوم، وقال بصوت متحشرج:"صدقيني يا فيوليت، لا توجد أي رغبة لديكِ في معرفة تفاصيل ما حدث."أومأت فيوليت ببطء شديد محاولة إخفاء نظرات الشفقة والتعاطف التي غمرت عينيها؛ فهي أكثر من يدرك معنى الألم والفقد.سار سيمون بخطوات متعثرة ومترنحة خارج المستودع، بعد أن شعر بأن الأكسجين قد نفد من صدره تماماً.---"ما الذي تنوي فعله حقاً؟" سأل كريس ناظراً إلى أليخاندرو الذي كان منغمساً في عمله بهدوء تام.تنهد أليخاندرو بملل من أسئلة صديقه المتكررة، وقال ببرود:"سترى بنفسك بعد قليل. هيا بنا إلى قاعة الاجتماعات، وأبلغ ذلك المشاكس بحضور الاجتماع فوراً."
"ما اللعنة التي تعنيها بحق الجحيم؟!" تمتم أليخاندرو بذهول وعينيه معلقتان بما هو مكتوب في التقرير، إذ كان يظن أن ما حدث في ملف فيوليت مجرد صدفة غريبة، لكن أن يتشارك الاثنان في نفس هذا التطابق المرعب فهذا ما لا يصدقه عقل! حقاً إنها لظاهرة نادرة الحدوث، لا سيما إن كانت في ذات السنة والسياق."لم يسبق لي قط أن دققت في تاريخ شخص وظهرت له سنة فراغ تامة لا يوجد فيها أي نشاط، ولا دراسة، ولا عمل! وكأن صاحبها قد مات في تلك السنة تحديداً واختفى من الوجود،" أضاف كريس بجدية وتأثر بالغ؛ لكونه عجز تماماً عن حل هذا اللغز المحير."لا أحد يستطيع محو سنة كاملة من حياته بهذه الطريقة العبثية! لابد أنهما يملكان معارف ومعاونين نافذين في دوائر الدولة العليا،" قال أليخاندرو بجدية بالغة، محولاً نظراته نحو كريس الذي كان يقف أمامه بابتسامة باهتة ويداه مستقرتان على خصره."ولكن.. لماذا قد يرغب شخص عاقل في محو سنة كاملة من عمره؟" تمتم كريس وهو يتجه نحو الكرسي المقابل لمكتب أليخاندرو ليجلس عليه. أومأ له أليخاندرو ببطء؛ إذ لم يكن يملك إجابة شافية وسط هذه الكومة المتراكمة من الألغاز التي تتطلب حلولاً فورية، بينما كان