LOGINأوقفت ملاك سيارتها أمام الثانوية، ثم التفتت إلى ابنتها بنظرة تحمل مزيجاً من الغضب واليأس.
— ترجلي من على السيارة لقد وصلنا وهذه هي ثانويتك، دعينا نرَى مصيبتنا لهذا اليوم... أقسم بالله، أوشكوا أن يتصلوا بي للعمل معهم في مكاتب الإدارة من كثرة ما يرون وجهي هنا! فتحت غيثة الباب ونزلت بخطوات واثقة، وكأنها ذاهبة إلى مكان اعتادت أن تكون محط الأنظار فيه، عدّلت حقيبتها على كتفها، وألقت نظرة سريعة حولها، فبدأ بعض الطلاب يلتفتون إليها. أما ملاك، فنزلت خلفها وهي تتمتم: — صبرك يا الله... دخلتا إلى الإدارة، وما إن عبرتا الباب حتى اكتشفت غيثة أنها ليست الوحيدة التي استُدعيت بسبب الغياب. كانت مريم وهند وبعض صديقاتها واقفات هناك، وقد أحضرت كل واحدة منهن والدتها أيضا. أما الحارس العام، فكان واقفا أمامهن وهو يقلب مجموعة من الأوراق بوجه عابس، وكأنه أمضى الصباح كله في استقبال الوجوه نفسها. رفع المسؤول رأسه وقال بحدة: • هذه آخر مرة أعطيكن فيها ورقة دخول! ألا تشعرن ببعض الحياء؟ كل مرة تجررن أولياء أموركن إلى هنا بسبب الغياب! خفضت بعض الأمهات رؤوسهن، بينما تبادلت الفتيات النظرات في صمت. تقدمت ملاك قليلاً وقالت: — أستاذ، أعتذر نيابة عنها، لكنني أريد أن أطلب منك شيئاً. • تفضلي. — في المرة القادمة، اتصل بوالدها مباشرة، هذه آخر مرة آتي فيها معها. ثم أخرجت هاتفها وأعطته رقم زوجها. — خذ، هذا رقم أبيها. أخذ الحارس الرقم وسجله، لكنه تعمد كتابة أحد الأرقام بشكل خاطئ، إذ كان يريد أن يخيف غيثة قليلاً، لعلها تفكر مرتين قبل أن تتغيب عن المدرسة مرة أخرى. أخذت الفتيات أوراق الدخول، وخرجن من الإدارة وما إن ابتعدن قليلاً عن أمهاتهن، اللواتي بقين عند الباب يتحدثن فيما بينهن، حتى قالت غيثة وهي تمشي إلى جانب مريم وهند: ~ هل سندخل عند ذلك الرجل مرة أخرى ونقضي أربع حصص كاملة؟! وليس لدينا حتى ساعة واحدة نستطيع أن نهرب فيها ونستمتع! ضحكت مريم. • أنا سأدخل فقط لأضع رأسي على الطاولة وأنام. قالت هند: ° وأنا سأدخل، لكن إذا قال لي كلمة واحدة لا تعجبني، فسأرد عليه حتى يندم على أنه تحدث معي أصلاً! ضحكت غيثة. ~ أما أنا فلن أدخل. نظرتا إليها في وقت واحد. • ماذا، هل أنت جادة الٱن؟ أومأت برأسها ثم أخرجت هاتفها بثقة. ~ سأتصل بحمزة، سيأتي ويخرجني من هنا. شهقت مريم. • غيثة...أفقدت صوابك! لكن غيثة كانت قد اتخذت قرارها. ثم قالت بابتسامة مشاغبة: ~ ما رأيكن أن نذهب إلى مقهى للشيشة؟ توقفت الفتاتان، فنظرت مريم إلى هند، ونظرت هند إلى غيثة. ثم قالت مريم: أنتِ مجنونة. ابتسمت غيثة. • أنا أعرف. قالت هند: وأنا معكِ. وأضافة مريم: وأنا أيضاً! وهكذا، بدأت الخطة خلال أقل من دقيقة. تركن أمهاتهن واقفات عند باب الإدارة، واتجهن نحو الجهة الخلفية للثانوية وبعد أن تأكدن من خلو المكان، وصلن إلى السور. رفعت هند رأسها ونظرت إليه بتردد. • هل سنفعلها حقاً؟ ابتسمت غيثة. ~ هل جئنا إلى هنا لنتراجع الآن؟ تسلقت غيثة السور أولا، ثم لحقت بها هند، وبعدها مريم، قفزن إلى الجهة الأخرى، ثم أسرعن في السير وهن يضحكن، حتى وصلن إلى كشك اتصالات قريب. كانت هناك مشكلة واحدة فقط، لم تكن أي واحدة منهن تملك رصيداً كافياً للاتصال. فتشت غيثة جيوبها. ~ أوف أنا لا أملك شيئاً. قالت مريم: وأنا أيضاً. فتشت هند حقيبتها، ثم أخرجت قطعة نقدية. • لدي نصف درهم. أخرجت مريم نصف درهم آخر. نظرت الفتيات الثلاث إلى بعضهن، ثم انفجرن بالضحك. ~ درهم واحد! دخلت غيثة إلى الكشك، وضعت الدرهم في الهاتف، ثم بدأت تطلب الرقم. قالت هند بسرعة: • إياك أن يلتقطك البريد الصوتي! ضحكت مريم. ° نعم، تحدثي بسرعة، هذا الدرهم هو كل ما نملكه! ~ ههههه، اسكتن قليلا! انتظرت غيثة بضع ثوانٍ. ثم جاءها الرد. ~ ألو... حمزة؟ اتصل بي حالاً، الأمر ضروري جداً. وانقطع الاتصال. رفعت غيثة رأسها وهي تضحك. ~ انتهى الأمر. سألتها هند: ماذا فعلت بحق الجحيم؟ مريم: لقد أضاعت الدرهم للتو. غيثة: اسكتن قليلا، سيتصل بي. • وإن لم يتصل؟ ابتسمت غيثة بثقة. ~ سيأتي راكضا، هو لا يستطيع أن يرفض لي طلباً.~ ماماااااا!انهارت غيثة بجانب أمها، وراحت تبكي بحرقة، وشهقاتها تتلاحق حتى كادت تختنق بها.~ هيء... هيء... وااااه، ماما! لا تتركيني وحدي! لا تتركينييي!كانت تهز كتفيها بجنون.~ أفيقي، ماما! أرجوكِ فيقي!لكن ملاك لم تستجب.اشتد انهيار غيثة، وأخذت تضرب رأسها بيديها وتعض يديها من شدة الذعر.~ لماذا؟! لماذا لا تستيقظين؟!كانت دموعها تنهمر بلا توقف.~ ماما... أرجوكِ!لكن ملاك ظلت فاقدة للوعي.وقفت غيثة وهي تلهث، وعيناها غارقتان في الذعر، ثم اندفعت نحو الحمام في حالة من الانهيار، واتخذت في لحظة يأس قرارًا متهورًا وخطيرًا، فتناولت مادة سامة للفئران كانت موجودة في المنزل.عادت بعدها مسرعة إلى أمها، لكنها لم تستطع الوقوف طويلًا.فبدأ جسدها يرتجف بعنف، وسقطت بجانب ملاك وهي تتلوى من الألم.وفي تلك الأثناء بدأت ملاك تستعيد وعيها تدريجيًا.فتحت عينيها بصعوبة.— غيثة...؟نظرت إلى جانبها، فرأت ابنتها ملقاة على الأرض ولا تستجيب.— غيثة!حاولت ملاك النهوض.— ابنتي!كانت غيثة في حالة سيئة للغاية.ارتبكت ملاك، ولم تفهم في البداية ما الذي حدث، وظنت أن عبد المالك عاد وضربها من جديد، ثم لمحت ما جعل قلبها ي
اندفعت ملاك نحو ابنتها، وما إن رأتها حتى تغير وجهها بالكامل.حدقت في أثر الصفعة على وجه غيثة، ثم وضعت يدها على فمها، وكأنها لم تستوعب ما تراه.— أوف... ماذا فعل بكِ مجددًا؟ يا إلهي... أقسم أنه سيقتلكِ يومًا ما!اقتربت منها بسرعة.— أنتِ أصلًا لا تملكين القوة لتحملي كل هذا... ما هذا الذي على وجهك؟!لمست خدها بحذر، ثم ارتجفت من الغضب.— لقد صفعكِ ذلك الحقير!انفجرت غيثة بالبكاء، ولم تستطع إخراج الكلمات بسهولة.~ ض... ضربني...شهقت، ثم وضعت يدها على خدها.~ ص... صفعني بقوة...كانت الكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها.نظرت ملاك إلى وجه ابنتها، ثم لم تستطع منع دموعها من النزول.— لا...هزت رأسها بعجز.— لا، لقد طفح الكيل.جلست إلى جوارها ومسحت دموعها.— لن أترككِ تعيشين معه يومًا آخر بهذه الطريقة.نظرت غيثة إليها من بين دموعها.— ماذا ستفعلين؟أجابتها ملاك بصوت مرتجف، لكنه كان أكثر حسمًا من أي وقت مضى:— سأرسلكِ إلى خالكِ في العاصمة، ستكملين دراستك هناك، بعيدًا عن هذا البيت، وبعيدًا عن كل هذا الصراخ.ثم نهضت بسرعة وأحضرت بعض الثلج، ولفته بقطعة قماش قبل أن تضعه برفق على خد ابنتها.— ضعيه هنا...
تحت ضغط اليأس، لم تستطع النقر على المحادثة، وفي لحظة فكرت في حمزة، صديقها ومنقدها الدائم. فالتقطت صورة ضبابية لورقة الامتحان وأرسلتها إليه، مرفقة برجاء سريع للمساعدة. مرت الدقائق ببطء قاتل. الأستاذ يتنقل بين الصفوف. وغيثة تراقب هاتفها بين لحظة وأخرى. بدأ الأمل يتلاشى. ربما لن يجيب. وكادت تستسلم... حتى ظهر إشعار جديد على الشاشة. تسارعت ضربات قلبها. إشعار جديد من ... عهد. ~ ماهذا بحق الجحيم! لقد أرسلت له الامتحان بالغلط، يالمصيبتي!!! فتحت المحادثة، فوجدت أمامها إجابات كاملة، مرتبة سؤالًا بعد سؤال في ورقة مصورة. لقد أرسلها إليها مباشرة، دون كلمة واحدة إضافية. لم تسأل كيف عرف الإجابات ولم تملك وقتًا لتفكر. وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة جنونية، تنقل الحلول من الهاتف إلى ورقة الامتحان قبل أن يلاحظها أحد. وظلت تكتب...حتى دوّى الجرس الأخير في أرجاء المدرسة. خرجت غيثة من المبنى بعد انتهاء الدوام، واتجهت إلى الزاوية المعتادة. وقفت هناك تنتظر. وبعد دقائق، ظهرت سيارة حمزة وتوقفت بجوار الرصيف. فتحت الباب وصعدت إلى المقعد المجاور له. كان وجهها يحمل مزيجًا غريبًا من الارتياح والقلق.
كان حمزة يثبت عينيه على الطريق، بينما جلست غيثة إلى جواره غارقة تمامًا في أفكارها. مرة تحدّق من النافذة بشرود، ومرة تقلب هاتفها بين أصابعها، وكأن العالم من حولها قد اختفى ولم يعد يعنيها منه شيء. رمقها حمزة بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة حازمة: — اسمعيني... أنا أعرف عنادكِ جيدًا وأعرف أنكِ عندما تضعين شيئًا في رأسكِ، لن تهدئي حتى تحصلي عليه، لذلك، حاولي أن تلتزمي الهدوء هذا الأسبوع إذا كنتِ فعلًا تريدين الخروج يوم الخميس. لم تجبه. ظلت تحدّق أمامها بعينين شاردتين، وكأن كلماته لم تصل إليها أصلًا. تنهد حمزة، ثم تابع: — وإذا لم تفعلي، فأنتِ تعرفين ما سيحدث، ستجدين نفسكِ في مشكلة لا تتخيلينها، ووالدكِ لن يسمح لكِ حتى بتجاوز عتبة الباب مهما توسلتِ إليه، فابقي في المنزل وادرسي، حتى لا يجد سببًا جديدًا يفقد بسببه أعصابه. صمتت غيثة تمامًا. كان عقلها في مكان آخر. نظر إليها حمزة بضيق، ثم أطلق زفرة طويلة. — وعندما يأتي الخميس، يمكنكِ ببساطة أن تخبريه أنكِ ستبيتين عند إحدى صديقاتكِ أو عند إحدى خالاتكِ، ربما تستطيع خالتكِ التغطية عليكِ إذا طلبتِ منها بالطريقة المناسبة. التفت إليها من جديد.
غادرا الشقة معا، وفي طريقهما نزولاً عبر الدرج، صادفا جارة تحمل سلة غسيل؛ توقف وتأملتهما بنظرات حاقدة ومستنكرة: "هناك الكثير من قلة الأدب والعهر في هذه العمارة! لم يعد أحد يحترم الجيران أو يقيم وزناً للحرمات!" ردت عليها غيثة فوراً بصوت حاد: "اهتمي بشؤونك الخاصة أيتها العجوز الشمطاء ولا تتدخلي فيما لا يعنيك! التجسس على الناس ليس عملاً محترماً." حدقت فيها الجارة بغضب متأجج: "اسمعي جيداً! إن رأيتكِ في هذا المبنى مرة أخرى سأستدعي الشرطة، أسمعتِ؟!" تدخل حمزة بصوت حازم وغاضب: "استغفر الله، لا تتسرعي يا خالة، هذه الفتاة مثل اختي تماماً." • "أنا أتحدث معها هي، وليس معك أنت يا حمزة!" ــــ "وهي في شقتي، وأنا أعلم من يدخل ومن يخرج، لذا، فهذا لا يعنيكِ في شيء!" • "هذا المبنى له حرمته وأخلاقه!" ــــ "والحرمة لا تعني أن تراقبي جيرانك من خرم الباب!" ثم أضاف بغضب: "زوجك لم يشترِ المبنى بأكمله، ولم يشترِ شقتي لتأتي وتملي عليّ من يدخل إلى بيتي!" اتسعت عينا الجارة بذهول: "أهكذا إذن؟!" ــــ"صباح الخير." أمسك حمزة بذراع غيثة وأكملا نزولهما، تاركين الجارة تقف على الدرج مذهولة يتطاير الشرر من عينيها
ملاك: " عار عليك يا عبد المالك! كيف تجرؤ على مخاطبتها هكذا ولم تبلغ الثامنة عشرة بعد؟ إنها مراهقة، نعم مراهقة، ولا تزال في خطواتها الأولى لبناء شخصيتها وتكوين كيانها!" التفت إليها عبد المالك بوجه متبجح ونظرة مشحونة بالغضب: "لا تبدئي لي نفس الاسطوانة القديمة وتُعيديها مرة أخرى!" ــــ"سأبدأ، وسأستمر حتى تفهم وتعقل! أنت أبوها، والكلمات التي تخرج من فمك لا تشبه كلمات أي أحد آخر، حين تسمعك تقول لها إنها عبء ثقيل، أو أنك تتمنى التخلص منها، فهي لن تنسى ذلك أبدًا؛ سيبقى محفوراً في روحها كالجرح." • "وهل تريدينني أن أطبل لها لكي تزداد تمرداً وفسادًا؟!" ــــ "لا أحد يطلب منك أن تطبل لها! أنا أطلب منك شيئاً أبسط بكثير: ربّها بلا أن تكسرها!" رفع عبد المالك صوته بحدة: "تربية؟! لقد أفسدتك الأفلام والمسلسلات الغربية! أصبحتِ تستخدمين كلمات معلبة مثل 'شخصية' و'مراهقة' و'مشاعر'! أي مراهقة هذه اللعينة؟! إما أن تسلك الطريق الصحيح، أو أضع حداً لهذه المهزلة من جذورها!" قالت ملاك بصوت يقطر حدة: "لا تتحدث عن ابنتك وكأنها عدوتك اللدودة!" • "هي وحدها من تجبرني على معاملتها هكذا!" ــــ "لا... أنت من اختر







