ANMELDENما إن سمعت غيثة صرخة والدها حتى انتفضت في مكانها، وأسرعت ملاك إلى الإمساك بذراعها، ثم دفعتها برفق نحو المطبخ وهي تتمتم بانزعاج: "هيا، اذهبي ونظفي المكان قبل أن يزداد غضبه."
لم تقل غيثة شيئًا واكتفت بخفض رأسها والتوجه إلى المطبخ، لكنها ما إن مرت أمام والدها حتى أوقفها صوته من جديد، أكثر قسوة من ذي قبل: "إلى متى ستستمرين في هذه التصرفات الصبيانية؟! ما زلتِ تلتفين عليّ وتتصرفين أمامنا وكأنك لا تفهمين شيئًا! أقسم بالله، إذا أمسكت بك فلن أتركك حتى يأتي عزرائيل! لقد تعبت وأنا أحاول تقويمك، منذ يوم ولدتِ وأنت تشيبين رأسي!" توقفت غيثة للحظة، فيما تابع عبد المالك بانفعال لم يعد يحاول إخفاءه: "ليت الله يرزقنا بمن يأخذك من أيدينا ونرتاح منك!" تجمدت غيثة في مكانها لثوانٍ، وكأن الكلمات أصابتها في موضع لم تكن مستعدة للدفاع عنه، ثم أسرعت إلى المطبخ دون أن تنطق بحرف. رفعت ملاك رأسها نحو زوجها، وقد بدأ صبرها ينفد هي الأخرى وقالت بحدة: "كفى يا عبد المالك! لا داعي لكل هذا الكلام، عاقبها إن كنت ترى أنها أخطأت، لكن لا تستمر في إهانتها." استدار إليها بعصبية، وقال: "وأنتِ ستعلمينني كيف أربي ابنتي الآن؟!" هزت ملاك رأسها، محاولة السيطرة على غضبها، وأجابته: "أنا لا أعلمك شيئًا، أنا أقول لك إن الكلام القاسي لا يصلح شيئًا." لم يجب عبد المالك وظل واقفًا في مكانه، بينما كانت غيثة في المطبخ تجمع الأواني من حولها، ودموعها تهبط بصمت واحدة تلو الأخرى. بعد لحظات، دخلت ملاك إلى المطبخ وراقبتها بصمت، ثم قالت هذه المرة بنبرة هادئة: "غيثة، اتركي هذا الآن، سأكمله أنا." هزت غيثة رأسها دون أن تنظر إليها، وأجابت بصوت خافت: "لا، سأفعل ذلك." تأملتها ملاك للحظة، ثم قالت: "أنت تبكين." مسحت غيثة خدها بسرعة بطرف كمها، وأجابت وهي تحاول التظاهر بالتماسك: "أنا بخير." لكن صوتها المرتجف فضحها. وقفت ملاك إلى جوارها وبدأت إعداد العشاء، بينما ظلت تراقب ابنتها بين لحظة وأخرى وبعد فترة قصيرة، قالت بحنان: "ارفعي رأسك يا ابنتي." لم تجب غيثة. نادتها ملاك مرة أخرى: "غيثة..." رفعت غيثة يدها ومسحت وجهها بسرعة، ثم تمتمت بعناد: "قلت لك إنني بخير." ساد الصمت بينهما. لم تضغط ملاك عليها أكثر، واكتفت بالبقاء إلى جانبها حتى انتهتا من إعداد الطعام بعدها وضعت الأطباق على المائدة، وجلست الأسرة لتناول العشاء في أجواء ثقيلة خالية من الكلام تقريبًا. كانت غيثة تأكل بصمت، وعيناها معلقتان بطبقها طوال الوقت وما إن فرغت حتى دفعت كرسيها إلى الخلف وهمّت بالمغادرة، لكن صوت عبد المالك أوقفها فورًا: "إلى أين؟" توقفت في مكانها، ثم أجابت دون أن تلتفت: "إلى غرفتي." قال بحزم: "اجلسي." نظرت إليه وقالت بصوت خافت: "لقد انتهيت." كرر دون أن يرفع صوته هذه المرة، لكن نبرته لم تترك مجالًا للنقاش: "قلت اجلسي." عادت غيثة إلى مكانها ببطء، وجلست وهي تشبك أصابعها في حجرها. حدق بها عبد المالك بصرامة، ثم قال: "لن تدخلي غرفتك حتى تتناولي عشاءك كاملًا، ثم تنظفي المائدة، وبعدها يمكنك الذهاب." رفعت غيثة عينيها إليه للمرة الأولى، وكان صوتها مكسورًا وهي تسأل: "ماذا فعلت مرة أخرى؟ أنا لم أفعل شيئًا... دعني أذهب وأنام فقط." ضرب عبد المالك كفه على الطاولة، فانتفضت غيثة في مكانها: "أنتِ دائمًا تقولين إنك لم تفعلي شيئًا! ومن يفعل المشاكل إذن؟! أنتِ أم الجدران؟!" ارتجفت غيثة، وتمتمت: "أنا لم أقصد..." قاطعها فورًا: "لا تتحدثي!" سكتت في الحال، فتابع وهو يعدد ما يراه تقصيرًا فيها: "منذ سنوات وأنا أسمع منك الأعذار نفسها، لا دراسة، لا اجتهاد، لا مسؤولية! انظري إلى بنات الناس، كلهن يتقدمن، كلهن يفكرن في مستقبلهن... وأنتِ، ماذا تفعلين؟!" لم تجبه غيثة زبقيت تحدق في طبقها، بينما كانت الدموع تتجمع من جديد في عينيها. قال عبد المالك بقسوة: "أنتِ لا شيء!" "عبد المالك..." تدخلت ملاك، لكن صوته ارتفع فورًا: "لا تتدخلي." نظرت إليه ملاك بثبات، وقالت: "أنا أتدخل لأنك تجاوزت الحدود." اشتد التوتر بينهما، فرد عبد المالك: "دعيني أربيها!" اقتربت ملاك خطوة، وقالت بغضب مكبوت: "وهل هذه تربية في نظرك؟ أن تخيفها وتهينها؟ انظر إليها! حتى وهي جالسة أمامك لا تستطيع أن ترفع عينيها." أجابها بحدة: "لأنها تعرف أنها مخطئة." هزت ملاك رأسها وقالت: "حتى المخطئ يحتاج إلى من يعلمه، لا إلى من يحطمه." بقيت غيثة صامتة، والدموع تتجمع في عينيها من جديد، تابع عبد المالك: "هي تحتاج إلى رجل يضع لها حدودًا، لا إلى أم تدافع عنها في كل مرة." ردت ملاك مباشرة: "والحدود لا تعني الإهانة." لم تحتمل غيثة المزيد ونهضت فجأة، فاحتك الكرسي بالأرض بصوت حاد، ثم أسرعت نحو غرفتها قبل أن يسمع أحد منها كلمة أخرى. نادها عبد المالك: "غيثة! عودي!" لكنها لم تتوقف زدخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ثم جلست في زاويتها، وانهارت في بكاء مكتوم، كانت شهقاتها تتلاحق، ويداها ترتجفان وهي تمسك بملابسها بعصبية. بعد لحظات، دوّى طرق عنيف على الباب. جاء صوت عبد المالك من الخارج: "افتحي!" لم تجب. فتح الباب ودخل، ثم قال بغضب: "ألم أقل لك أن تعودي؟!" تراجعت غيثة إلى الخلف وهي تمسح دموعها، وقالت بصوت مرتجف: "اخرج..." تغيرت ملامحه، وسألها بحدة: "ماذا قلتِ؟!" لم تجب. رفع صوته: "اخرجي الآن!" وقفت غيثة وهي ترتجف، ثم قالت محاولة كبح خوفها: "لا أريد أن أتشاجر معك، أبي." أجابها بغضب: "إذن لا تجبريني على ذلك! هيا، اخرجي!" خرجت غيثة بخطوات مترددة، وما إن تجاوزته حتى ضربها ضربة قاسية أسقطتها على ركبتيها. شهقت من الألم، ووضعت يدها على جانبها، وحاولت النهوض، لكنها عجزت للحظات. مد عبد المالك يده نحو ذراعها وقال بصرامة: "انهضي!" لم تستطع. كرر بصوت أعلى: "قلت انهضي!" وفي تلك اللحظة وصلت ملاك راكضة، وما إن رأت ابنتها على الأرض حتى صاحت: "ابتعد عنها!" اندفعت نحو غيثة وانحنت بجانبها، ثم أمسكت بها وهي تسأل بقلق: "غيثة! هل تستطيعين الوقوف؟" ساعدتها على النهوض، ثم التفتت إلى زوجها، وقد ارتفع صوتها من شدة الغضب: "ماذا فعلت بها؟! ألا تراها؟ إنها لا تستطيع حتى الوقوف!" قال عبد المالك ببرود دفاعي: "لا تبالغي." حدقت فيه ملاك غير مصدقة: "لا أبالغ؟! أنت ضربتها حتى سقطت على الأرض!" ثم وقفت أمام ابنتها كحاجز يحميها، وقالت بحدة: "كفى يا عبد المالك! إذا كانت قسوة الحياة العسكرية قد علمتك استخدام القوة مع من أمامك، فلا تجعل ابنتك تدفع ثمن ذلك!" صرخ في وجهها: "لا تتحدثي معي بهذه الطريقة!" لكن ملاك لم تتراجع هذه المرة، بل ردت بقوة: "بل سأتحدث! لأنك هذه المرة تجاوزت كل شيء!" أشار عبد المالك نحو غيثة وقال: "هي التي دفعتني إلى ذلك!" اتسعت عينا ملاك من الغضب، وسألته: "ماذا فعلت؟! ماذا فعلت الآن تحديدًا؟!" لم يجد جوابًا مباشرًا، وظل صامتًا للحظة، بينما كانت غيثة تقف خلف أمها، شاحبة ومرتبكة. قالت ملاك بغضب مكتوم: "أنا من طلب منك أن تتحدث معها، وأنا نادمة على ذلك الآن." ثم التفتت إلى ابنتها ومدت يدها إليها: "تعالي يا غيثة، اجلسي." كانت غيثة تترنح من شدة الانفعال والألم، فساعدتها ملاك على الجلوس. لكن عبد المالك بقي واقفًا أمامهما، وصوته لا يزال مرتفعًا: "سأربيكما معًا إن استمررتما في تحديي!" استقامت ملاك في وقفتها وقالت: "أنا زوجتك، ولست ابنتك وإذا أردت أن تتحدث معي فتحدث دون تهديد." رد بغضب: "أنتِ التي تقفين دائمًا في وجه تربيتي لها!" أجابته: "لأنك لا تربيها الآن، أنت تعاقبها على كل شيء!" ضرب عبد المالك صدره بيده وقال: "أنا رجل هذا البيت! أنا من يعيلكم! أنا من يدفع الإيجار والطعام وكل شيء! أنا من يتحمل المسؤولية، وفي النهاية أصبح أنا المخطئ دائمًا!" قالت ملاك بهدوء أكثر، رغم الغضب الذي لا يزال يملأ صوتها: "لم يقل أحد إنك لا تتحمل المسؤولية." لكن عبد المالك قاطعها: "بل أنتما تفعلان ذلك!" ثم أشار إلى غيثة، وقال بانفعال: "كل يوم مشكلة جديدة، كل يوم كلام من الناس كلما اتصل أحد من العائلة سألني عنها: ماذا تفعل؟ أين تذهب؟ لماذا لا تدرس؟ ماذا صنعت هذه المرة؟!" نظرت إليه ملاك طويلًا قبل أن تسأله: "وهل تخاف من كلام الناس أكثر من خوفك على ابنتك؟" رد فورًا: "لا تقلبي الكلام عليّ!" قالت ملاك: "أنا لا أقلب شيئًا، أنا أقول لك إن ابنتك أمامك، خائفة وتبكي، وأنت لا تزال تصرخ." ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن يقول عبد المالك: "وماذا تريدينني أن أفعل؟ أتركها تفعل ما تشاء؟ حتى تأتي يومًا بمصيبة أكبر، وعندها تصبح الفضيحة أمام الجميع!" لم تجبه ملاك مباشرة، فيما كانت غيثة تقف خلفها، تحدق في الأرض، وكأنها تحاول الاختفاء من المشهد كله.صعدت غيثة الدرج ببطء، وكأن كل خطوة تثقل قدميها أكثر من سابقتها. لم تلتفت إلى أصوات الضحكات القادمة من الصالون، ولم تحاول حتى أن تبدو طبيعية أمام أفراد العائلة الذين كانوا لا يزالون منشغلين بالحفل.كانت كلماتها لعهد تتردد في رأسها، وصورته وهو يغادر الحديقة تلاحقها رغم محاولتها التخلص منها. لم تشعر بالانتصار الذي تخيلته حين واجهته، ولم يمنحها ابتعاده الراحة التي كانت تنتظرها.وصلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم أسندت ظهرها إليه للحظات. بقيت واقفة في مكانها، تحدق في الفراغ، قبل أن تخور قواها وتتجه نحو السرير.لم تبدل ملابسها، ولم تهتم بإضاءة الغرفة. ارتمت فوق الفراش، وسحبت الغطاء إلى جسدها، ثم دفنت وجهها في الوسادة.انفجرت بالبكاء.كانت تحاول كتم صوتها حتى لا يسمعها أحد، لكن شهقاتها كانت تتصاعد رغمًا عنها. لم تكن تعرف إن كانت تبكي بسبب ما فعله عهد بها، أم بسبب عجزها عن نسيان ما حدث، أم بسبب ذلك الاضطراب الذي تركته مواجهته في صدرها.أغمضت عينيها بقوة، وتمتمت بصوت متهدج: "أريد فقط أن ينتهي كل هذا..."لكن الذكريات لم ترحمها.ظلت تبكي حتى غلبها التعب، واستسلمت للنوم وهي لا تزال
كانت أجواء الحفل قد بدأت تزداد حيوية مع توافد أفراد العائلة، وتعالت الأحاديث والضحكات في أرجاء الصالون الكبير، بينما انشغل الجميع بتبادل التهاني والاطمئنان على غيثة بعد عودتها إلى القصر.لكن وسط كل ذلك، كان هناك شخص واحد لم يستطع الانشغال بأي شيء آخر.عهد.وقف بالقرب من والدته، يحمل كأسًا لم يذق منه سوى رشفة واحدة، بينما كانت عيناه تتنقلان باستمرار نحو غيثة، التي كانت تجلس مع باقي أفراد العائلة.كان يراقبها بلهفة طفل ينتظر من شخص يحبه أن يلتفت إليه، ولو للحظة واحدة. لم يكن يريد أكثر من نظرة، نظرة واحدة فقط تخبره بأنها لاحظت وجوده، أو أنها على الأقل مستعدة للاعتراف بأنه يقف في المكان نفسه معها.لكن هيهات!كانت غيثة شاردة تمامًا، وكأن الحفل يدور في عالم بعيد عنها، فكلما تحدث إليها أحد، اكتفت بهزة رأس أو إيماءة صغيرة، وأحيانًا كانت ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها قبل أن تعود إلى شرودها. لم تبحث عنه بعينيها، ولم تحاول الاقتراب منه، بل بدا واضحًا أنها تتعمد ألا تلتقي نظراتهما.أما عهد، فكان يزداد توترًا مع مرور الدقائق. رفع كأسه إلى فمه، ثم أنزله دون أن يشرب، قبل أن يتمتم بضيق: "هل من الص
لم تكن غيثة تتوقع أن يتحول الاستعداد للحفل إلى معركة حقيقية تخوضها أمام المرآة، لكن وعد، التي اقتحمت غرفتها قبل ساعة برفقة خبيرة تجميل تحمل حقيبة ضخمة، قررت منذ اللحظة الأولى أن تتولى زمام الأمور بنفسها، رافضةً أي اعتراض من زوجة أخيها."توقفي عن العبوس يا غيثة، وكأننا ذاهبتان إلى جنازة لا إلى حفل!" قالت وعد وهي تجلس خلفها، تراقب خبيرة التجميل وهي تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها. "أريدك أن تبتسمي قليلًا. أنت جميلة، لكنك تتصرفين وكأن الجمال عقوبة فُرضت عليك."توقفت أصابع غيثة فوق طرف الفستان الذي كانت تستعد لارتدائه، ثم رفعت رأسها، وأومأت ببطء.بعد قليل، انتهت خبيرة التجميل من وضع اللمسات الأخيرة، فنهضت غيثة لتقف أمام المرآة بكامل هيئتها.كان فستانها الأبيض أنيقًا، مكشوف الكتفين، ينساب برقة حول قوامها ويبرز جمالها الهادئ دون مبالغة. أما شعرها، فقد تركته منسدلًا في تموجات ناعمة حول وجهها، بينما اكتفى مكياجها بإبراز عينيها وملامحها الرقيقة. بدت كأنها خرجت من لوحة فنية، تجمع بين البراءة والجاذبية في آن واحد.وقفت وعد خلفها، ثم أطلقت صفير إعجاب قصيرًا. "حسنًا، لقد سحبت كلامي. أنتِ لا تحتا
ثم اقتربت منه وهمست بمكر: "وقلب يخفق لفتاة معينة."توقفت يد عهد التي كانت تمتد نحو قميصه، ورفع عينيه إليها ببطء، محذرًا: "أمي..."ابتسمت مروى ببراءة زائفة، ثم رفعت كفيها قائلة: "ماذا؟ لم أقل شيئًا!"نظر إليها عهد نظرة طويلة قبل أن يرد: "بل قلتِ الكثير بنظرة واحدة."ضحكت مروى، ثم جلست على طرف الأريكة القريبة من النافذة، وكأنها جاءت إلى غرفته خصيصًا لقضاء سهرة طويلة من الثرثرة، قبل أن تسأله بنبرة عابرة: "على ذكر الفتيات، هل أخبرتك أن غيثة عادت إلى القصر؟"لم يتغير وجه عهد كثيرًا، لكنه التفت إليها بسرعة لم تفُتها، وأجاب باقتضاب: "أعرف."اتسعت ابتسامتها فورًا، وقالت بفضول: "تعرف؟ ومن أخبرك؟"أخرج عهد قميصًا من الخزانة، ثم رد ببرود متعمد: "أمي، أنا في القصر. ليس من الصعب أن أعرف أن شخصًا عاد إليه."أومأت مروى بتفهم مصطنع، ثم قالت وهي تحاول كتم ضحكتها: "بالطبع، بالطبع. وأنا أيضًا حين كنت في عمرك، كنت أعرف أخبار الجميع بمجرد دخولي المنزل، خصوصًا أخبار الشخص الذي لا يهمني إطلاقًا."قطب عهد حاجبيه، ثم سألها بامتعاض: "هل جئتِ لتتحدثي معي أم لتلقي محاضرة في علم النفس؟"أجابته مروى بلا تردد: "بل
ما إن أعلنت مروى الخبر حتى التفتت نحو غيثة، التي كانت بجانبها، ثم أمسكت بيدها بحنان، وكأنها تخشى أن تفلت منها وتختفي مجددًا.قالت بابتسامة دافئة: "تعالي يا غيثة، أريد أن أريكِ شيئًا."نظرت غيثة إليها باستغراب خفيف، لكنها لم تعترض، بل تبعتها عبر الممر الطويل الذي ازدانت جدرانه بلوحات فنية أنيقة، فيما تدلت من السقف ثريات كريستالية ألقت أضواؤها الدافئة على الأرضية الرخامية.توقفت مروى أمام باب أبيض كبير يقع إلى جوار باب آخر أكثر اتساعًا، باب غرفة عهد، ثم أدارت المقبض وفتحته، مشيرة إلى غيثة بالدخول.كانت الغرفة واسعة وهادئة، يغلب عليها اللون العاجي مع لمسات من الوردي الباهت والذهبي. احتل سرير كبير بغطاء حريري فاتح منتصف الجدار الرئيسي، وأحاطت به طاولتان صغيرتان تعلوهما مصابيح أنيقة. وفي الزاوية المقابلة، امتدت نافذة طويلة خلف ستائر شفافة تطل على الحديقة الداخلية للقصر، بينما وُضعت أمامها أريكة ناعمة تتوسطها طاولة زجاجية صغيرة.أما الخزانة، فكانت تمتد على أحد الجدران بأبوابها المزخرفة، وبجوارها مرآة طويلة تحيط بها إضاءة هادئة. وعلى الطاولة القريبة من السرير، استقرت مزهرية تضم ورودًا بيض
كانت سيارة عهد، السيارة التي لم ترها منذ مغادرته المغرب.اتسعت عينا مروى، ثم ظهرت على وجهها ابتسامة عريضة لم تستطع إخفاءها. وضعت يدها على صدرها، وكأنها تحاول احتواء فرحتها المفاجئة، قبل أن تلتفت نحو ملاك وتعلن بحماس: "لقد عاد!"نظرت ملاك إليها باستغراب وسألتها: "من عاد؟"أشارت مروى إلى السيارة، وعيناها تلمعان بفرحة واضحة، ثم أجابت: "عهد! هذه سيارته، لا يمكن أن أخطئها. لقد عاد إلى القصر!"تجمدت ملاك للحظة، ثم انتقلت عيناها إلى السيارة قبل أن تعودا إلى مروى.أما غيثة، التي كانت تقف بالقرب منهما، فقد سمعت الاسم بوضوح.عهد.لم يتغير شيء في ملامحها في البداية، لكنها شعرت بانقباض في صدرها، كأن الاسم فتح بابًا كانت تحاول إبقاءه مغلقًا. انخفضت عيناها إلى الأرض، وشبكت أصابعها أمامها دون أن تقول كلمة.لاحظت ملاك تغيرها، فاقتربت منها فورًا وسألتها بقلق: "غيثة؟"رفعت غيثة رأسها، وحاولت أن تبدو طبيعية وهي تجيب: "أنا بخير يا أمي."لكن مروى كانت لا تزال غارقة في فرحتها بعودة ابنها، ولم تنتبه إلى الاضطراب الذي ظهر في وجه غيثة إلا بعد لحظات. التفتت إليها، ثم خففت ابتسامتها قليلًا وقالت بنبرة حنونة: