Share

الفصل: 07

Author: Rosalia
last update publish date: 2026-09-18 19:56:49

~ "أين أمي؟"

همست بها غيثة بصوت خافت، مشحون باستعجال يكاد يقطع أنفاسها.

رفعت سارة رأسها، بينما كانت لا تزال تتشبت بوعاء القمامة كدرع واهٍ تخفي خلفه توترها.

سارة : "لابد أنها صعدت إلى الأعلى، لقد تركتها في الصالون حين تسللت للخارج لألقاكِ؛ اتخذت من سلة المهملات حجة تافهة حتى لا يشك أحد في أمرنا."

تنفست غيثة الصعداء، وسمحت لابتسامة صغيرة، ماكرة ومتحمسة، أن ترتسم بانتصار على شفتيها اللتين تورّدتا من التوتر. "آه... شكراً لكِ، يا سارة."

بدون إضاعة ثانية واحدة، انزلقت غيثة داخل صالون التجميل وأغلقت الباب بحذر خلفها وتحركت بسرعة محمومة، متخلعة من ثيابها بلهفة أنثى تكاد تفقد صوابها، حاشرة إياها داخل حقيبة بعجالة، قبل أن ترتدي عباءة داكنة وتلف شالها بإحكام حول رأسها كمن تتخفى في الظلال. ممسكة بحقيبتها، تسللت نحو الطابق العلوي بخطوات خفيفة، عائدة إلى جوف المنزل وكأنها لم تغادره قط.

في غرفة المعيشة، كان والدها، عبد المالك، جالسًا في صمت ثقيل متسمراً أمام شاشة التلفزيون، مندمجًا كلياً في مباراة مشتعلة.

بينما كانت ملاك غارقة في المطبخ، مشغولة بخلط قناع وجه طبيعي لزبائنها.

مرت غيثة دونهما كطيف، متسللة إلى غرفتها الخاصة لتوصد الباب بمفتاحها، معلنة بداية طقوس التمويه.

رتبت كل قطعة ملابس ببراعة فائقة، وأزالت أي أثر قد يفضح غيابها الخارج عن القانون—تمحو آثار خطوتها بخبرة محترفة تكدّست عبر الأيام.

بعد دقائق من استعادة رباطة جأشها، نزلت ببرود إلى الصالون والتقطت المجلة التي كانت تتصفحها قبل قليل، وخطت خارجة نحو دكان الحي لشراء بطاقة تعبئة إنترنت، قبل أن تعود أدراجها.

وما إن وطئت قدمها عتبة الباب، حتى اعترضتها ملاك الخارجة من الصالون.

رفعت أمها رأسها، وملامح الإرهاق تحفر وجهها.

ــــ"اذهبي وحضري العشاء؛ فليس لدي متسع من الوقت لهذا العبث الآن."

تقدمت غيثة بخطوات متكاسلة، مادّة يدها بحركة متعجرفة.

~"ٱه يا أمي لما لا تحضريه."

حدقت بها ملاك مطولاً، قبل أن ينفجر صوتها حادًا، مشبعاً بالتحذير: "أتتحركين طوعاً، أم أنادي أباكِ ليأتي ويسحلكِ من شعركِ حتى أسفل تلك الدرجات؟ فهذا هو أسلوبكِ الوحيد الذي تفهمينه!"

أطلقت غيثة تنهيدة ثقيلة ملؤها التذمر والقهر. "حسناً... أنا ذاهبة."

دُفعت بخطوات غاضبة نحو المطبخ، وبدأت تجذب القدور والمقالي من الدواليب الواحد تلو الآخر.

وراحت تطبخ بنفاد صبر ظاهر، وتتحرك بطاقة عدوانية جعلت من المهمة أشبه بعقوبة سجن قاسية.

لكن تركيزها تلاشى بسرعة البرق؛ فتركت المطبخ في حالة فوضى عارمة، أوان مبعثرة وأسطح ملطخة، قبل أن تتخلى عن كل شيء وتهرب هاربة نحو غرفتها.

ألقت بجسدها المنهك على السرير، وفتحت المجلة مجدداً، لكن صفحاتها ظلت مجرد ضوضاء خلفية باهتة.

كان عقلها يحترق في مكان آخر تماما، أخرجت هاتفها بلهفة وفتحت تطبيق فيسبوك، باحثة عن "عهد" بهوس مرضي.

أرادت معرفة كل شيء عنه: أين يسكن، من هم أصحابه، عاداته اليومية، أرادت معرفة الحقيقة الخام المختبئة خلف صور المجلة البراقة.

بعد محاولات مضنية وعمليات بحث طويلة، عثرت عليه أخيراً. "آه... ها هو ذا! حساب ذلك الوسيم المرتبط بملكة جمال فرنسا..."

غاصت في أعماق صفحته لتتوقف فجأة، عاقدة حاجبيها بعبوس عميق. "بلا صور؟! كيف لي أن أعرف إن كان يشبه أخته حقاً؟"

بدون تردد، أرسلت له طلب صداقة وحدقت في الشاشة بأنفاس محبوسة.

ثم لمعت في رأسها فكرة جريئة: "انتظري... عليّ نشر صورة فاتنة أولاً لتعلق شبكته فيها."

أمضت دقائق طويلة تتخذ وضعيات مختلفة أمام الكاميرا الأمامية—تعدل خصلات شعرها وتجلس بزاوية توحي بالثقة الطاغية والنضج الأنثوي.

وبعد حذف عدة محاولات مخيبة، استقرت أخيراً على صورة تلبي غرورها، فجعلتها صورتها الشخصية بلمسة ساحرة.

امتدت الدقائق لتصير ساعات وهي تنتظر بفارغ الصبر أن يقبل طلبها. ظل الهاتف بقبضة يدها المحترقة بينما استقرت المجلة تحت خدها حتى غلبها النعاس أخيراً وغرقت في سبات عميق.

لكن هذا السلام الوهمي تحطم حين اقتحمت ملاك الغرفة بغضب أعمى. ووجدت غيثة نائمة وسط كارثة من الفوضى—المجلة على وجهها والهاتف بين أصابعها—هزتها ملاك بعنف شديد أيقظ كوابيسها.

ــــ"استيقظي! تعدلي في جلستكِ! لعن الله هذه الساعة...انهضي فوراً ونظّفي المزبلة التي تركتها في المطبخ!"

فتحت غيثة عيناً واحدة بتكاسل مبالغ فيه.

~ أوف... لا أريد عشائكم اللعين، دعيني وشأني!"

دفعت ملاك كتف غيثة بقوة أكبر.

ــــ"انهضي! لن يكون العشاء جاهزاً لأنكِ لم تطبخي شيئاً، بل أحرقته! تحركي حالاً!"

وحين رأت أن غيثة لا تبدي أية حركة، أضافت بنبرة تقطر تهديداً: "أم أنادي الذي سيجعلكِ تعرفين الأدب على طريقته؟"

~ "نادِهِ إذن،" تمتمت غيثة بعناد وهي تغلق عينيها مرة أخرى.

وحين وصلت ملاك إلى أقصى حدود احتمالها، اندفعت نحو الممر وصرخت بكل ما أوتيت من قوة: "عبد المالك! يا عبد المالك! تعالَ إلى هنا وتصرف مع هذه العاصية!"

ومن الطرف الآخر للمنزل، انطلق صوت عبد المالك كدوي الرعد: • "غَيييثَة!!"

انتفضت غيثة في لحظة وجلست مستوية في الفراش فوراً.

• "أأنتِ قادمة الآن، أم آتي أنا؟" زمجر صوته قادماً من الغرفة البعيدة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أنا أحترق   الفصل: 14

    ~ ماماااااا!انهارت غيثة بجانب أمها، وراحت تبكي بحرقة، وشهقاتها تتلاحق حتى كادت تختنق بها.~ هيء... هيء... وااااه، ماما! لا تتركيني وحدي! لا تتركينييي!كانت تهز كتفيها بجنون.~ أفيقي، ماما! أرجوكِ فيقي!لكن ملاك لم تستجب.اشتد انهيار غيثة، وأخذت تضرب رأسها بيديها وتعض يديها من شدة الذعر.~ لماذا؟! لماذا لا تستيقظين؟!كانت دموعها تنهمر بلا توقف.~ ماما... أرجوكِ!لكن ملاك ظلت فاقدة للوعي.وقفت غيثة وهي تلهث، وعيناها غارقتان في الذعر، ثم اندفعت نحو الحمام في حالة من الانهيار، واتخذت في لحظة يأس قرارًا متهورًا وخطيرًا، فتناولت مادة سامة للفئران كانت موجودة في المنزل.عادت بعدها مسرعة إلى أمها، لكنها لم تستطع الوقوف طويلًا.فبدأ جسدها يرتجف بعنف، وسقطت بجانب ملاك وهي تتلوى من الألم.وفي تلك الأثناء بدأت ملاك تستعيد وعيها تدريجيًا.فتحت عينيها بصعوبة.— غيثة...؟نظرت إلى جانبها، فرأت ابنتها ملقاة على الأرض ولا تستجيب.— غيثة!حاولت ملاك النهوض.— ابنتي!كانت غيثة في حالة سيئة للغاية.ارتبكت ملاك، ولم تفهم في البداية ما الذي حدث، وظنت أن عبد المالك عاد وضربها من جديد، ثم لمحت ما جعل قلبها ي

  • أنا أحترق   الفصل: 13

    اندفعت ملاك نحو ابنتها، وما إن رأتها حتى تغير وجهها بالكامل.حدقت في أثر الصفعة على وجه غيثة، ثم وضعت يدها على فمها، وكأنها لم تستوعب ما تراه.— أوف... ماذا فعل بكِ مجددًا؟ يا إلهي... أقسم أنه سيقتلكِ يومًا ما!اقتربت منها بسرعة.— أنتِ أصلًا لا تملكين القوة لتحملي كل هذا... ما هذا الذي على وجهك؟!لمست خدها بحذر، ثم ارتجفت من الغضب.— لقد صفعكِ ذلك الحقير!انفجرت غيثة بالبكاء، ولم تستطع إخراج الكلمات بسهولة.~ ض... ضربني...شهقت، ثم وضعت يدها على خدها.~ ص... صفعني بقوة...كانت الكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها.نظرت ملاك إلى وجه ابنتها، ثم لم تستطع منع دموعها من النزول.— لا...هزت رأسها بعجز.— لا، لقد طفح الكيل.جلست إلى جوارها ومسحت دموعها.— لن أترككِ تعيشين معه يومًا آخر بهذه الطريقة.نظرت غيثة إليها من بين دموعها.— ماذا ستفعلين؟أجابتها ملاك بصوت مرتجف، لكنه كان أكثر حسمًا من أي وقت مضى:— سأرسلكِ إلى خالكِ في العاصمة، ستكملين دراستك هناك، بعيدًا عن هذا البيت، وبعيدًا عن كل هذا الصراخ.ثم نهضت بسرعة وأحضرت بعض الثلج، ولفته بقطعة قماش قبل أن تضعه برفق على خد ابنتها.— ضعيه هنا...

  • أنا أحترق   الفصل: 12

    تحت ضغط اليأس، لم تستطع النقر على المحادثة، وفي لحظة فكرت في حمزة، صديقها ومنقدها الدائم. فالتقطت صورة ضبابية لورقة الامتحان وأرسلتها إليه، مرفقة برجاء سريع للمساعدة. مرت الدقائق ببطء قاتل. الأستاذ يتنقل بين الصفوف. وغيثة تراقب هاتفها بين لحظة وأخرى. بدأ الأمل يتلاشى. ربما لن يجيب. وكادت تستسلم... حتى ظهر إشعار جديد على الشاشة. تسارعت ضربات قلبها. إشعار جديد من ... عهد. ~ ماهذا بحق الجحيم! لقد أرسلت له الامتحان بالغلط، يالمصيبتي!!! فتحت المحادثة، فوجدت أمامها إجابات كاملة، مرتبة سؤالًا بعد سؤال في ورقة مصورة. لقد أرسلها إليها مباشرة، دون كلمة واحدة إضافية. لم تسأل كيف عرف الإجابات ولم تملك وقتًا لتفكر. وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة جنونية، تنقل الحلول من الهاتف إلى ورقة الامتحان قبل أن يلاحظها أحد. وظلت تكتب...حتى دوّى الجرس الأخير في أرجاء المدرسة. خرجت غيثة من المبنى بعد انتهاء الدوام، واتجهت إلى الزاوية المعتادة. وقفت هناك تنتظر. وبعد دقائق، ظهرت سيارة حمزة وتوقفت بجوار الرصيف. فتحت الباب وصعدت إلى المقعد المجاور له. كان وجهها يحمل مزيجًا غريبًا من الارتياح والقلق.

  • أنا أحترق   الفصل: 11

    كان حمزة يثبت عينيه على الطريق، بينما جلست غيثة إلى جواره غارقة تمامًا في أفكارها. مرة تحدّق من النافذة بشرود، ومرة تقلب هاتفها بين أصابعها، وكأن العالم من حولها قد اختفى ولم يعد يعنيها منه شيء. رمقها حمزة بنظرة جانبية، ثم قال بنبرة حازمة: — اسمعيني... أنا أعرف عنادكِ جيدًا وأعرف أنكِ عندما تضعين شيئًا في رأسكِ، لن تهدئي حتى تحصلي عليه، لذلك، حاولي أن تلتزمي الهدوء هذا الأسبوع إذا كنتِ فعلًا تريدين الخروج يوم الخميس. لم تجبه. ظلت تحدّق أمامها بعينين شاردتين، وكأن كلماته لم تصل إليها أصلًا. تنهد حمزة، ثم تابع: — وإذا لم تفعلي، فأنتِ تعرفين ما سيحدث، ستجدين نفسكِ في مشكلة لا تتخيلينها، ووالدكِ لن يسمح لكِ حتى بتجاوز عتبة الباب مهما توسلتِ إليه، فابقي في المنزل وادرسي، حتى لا يجد سببًا جديدًا يفقد بسببه أعصابه. صمتت غيثة تمامًا. كان عقلها في مكان آخر. نظر إليها حمزة بضيق، ثم أطلق زفرة طويلة. — وعندما يأتي الخميس، يمكنكِ ببساطة أن تخبريه أنكِ ستبيتين عند إحدى صديقاتكِ أو عند إحدى خالاتكِ، ربما تستطيع خالتكِ التغطية عليكِ إذا طلبتِ منها بالطريقة المناسبة. التفت إليها من جديد.

  • أنا أحترق   الفصل: 10

    غادرا الشقة معا، وفي طريقهما نزولاً عبر الدرج، صادفا جارة تحمل سلة غسيل؛ توقف وتأملتهما بنظرات حاقدة ومستنكرة: "هناك الكثير من قلة الأدب والعهر في هذه العمارة! لم يعد أحد يحترم الجيران أو يقيم وزناً للحرمات!" ردت عليها غيثة فوراً بصوت حاد: "اهتمي بشؤونك الخاصة أيتها العجوز الشمطاء ولا تتدخلي فيما لا يعنيك! التجسس على الناس ليس عملاً محترماً." حدقت فيها الجارة بغضب متأجج: "اسمعي جيداً! إن رأيتكِ في هذا المبنى مرة أخرى سأستدعي الشرطة، أسمعتِ؟!" تدخل حمزة بصوت حازم وغاضب: "استغفر الله، لا تتسرعي يا خالة، هذه الفتاة مثل اختي تماماً." • "أنا أتحدث معها هي، وليس معك أنت يا حمزة!" ــــ "وهي في شقتي، وأنا أعلم من يدخل ومن يخرج، لذا، فهذا لا يعنيكِ في شيء!" • "هذا المبنى له حرمته وأخلاقه!" ــــ "والحرمة لا تعني أن تراقبي جيرانك من خرم الباب!" ثم أضاف بغضب: "زوجك لم يشترِ المبنى بأكمله، ولم يشترِ شقتي لتأتي وتملي عليّ من يدخل إلى بيتي!" اتسعت عينا الجارة بذهول: "أهكذا إذن؟!" ــــ"صباح الخير." أمسك حمزة بذراع غيثة وأكملا نزولهما، تاركين الجارة تقف على الدرج مذهولة يتطاير الشرر من عينيها

  • أنا أحترق   الفصل: 09

    ملاك: " عار عليك يا عبد المالك! كيف تجرؤ على مخاطبتها هكذا ولم تبلغ الثامنة عشرة بعد؟ إنها مراهقة، نعم مراهقة، ولا تزال في خطواتها الأولى لبناء شخصيتها وتكوين كيانها!" التفت إليها عبد المالك بوجه متبجح ونظرة مشحونة بالغضب: "لا تبدئي لي نفس الاسطوانة القديمة وتُعيديها مرة أخرى!" ــــ"سأبدأ، وسأستمر حتى تفهم وتعقل! أنت أبوها، والكلمات التي تخرج من فمك لا تشبه كلمات أي أحد آخر، حين تسمعك تقول لها إنها عبء ثقيل، أو أنك تتمنى التخلص منها، فهي لن تنسى ذلك أبدًا؛ سيبقى محفوراً في روحها كالجرح." • "وهل تريدينني أن أطبل لها لكي تزداد تمرداً وفسادًا؟!" ــــ "لا أحد يطلب منك أن تطبل لها! أنا أطلب منك شيئاً أبسط بكثير: ربّها بلا أن تكسرها!" رفع عبد المالك صوته بحدة: "تربية؟! لقد أفسدتك الأفلام والمسلسلات الغربية! أصبحتِ تستخدمين كلمات معلبة مثل 'شخصية' و'مراهقة' و'مشاعر'! أي مراهقة هذه اللعينة؟! إما أن تسلك الطريق الصحيح، أو أضع حداً لهذه المهزلة من جذورها!" قالت ملاك بصوت يقطر حدة: "لا تتحدث عن ابنتك وكأنها عدوتك اللدودة!" • "هي وحدها من تجبرني على معاملتها هكذا!" ــــ "لا... أنت من اختر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status