Masukنظر الثلاثة نحو الباب المؤدي إلى الغرفة الخلفية.
قال آدم بسرعة:"لا أحد كان هناك." لكن الصوت… تكرر. تقدمت سارة ببطء، وفتحت الباب. كانت الغرفة مظلمة. لكن على الأرض…كان هناك دفتر نفس الدفتر مفتوح. اقتربت ليان رغم خوفها نظرت إلى الصفحة… وقلبها كاد يتوقف كانت هناك جملة جديدة. لكن هذه المرة… لم تكن غامضة. كانت واضحة جدًا "لقد بدأتِ… ولا يمكنكِ التراجع." رفعت ليان رأسها ببطء… وقالت بصوت مرتجف: "ماذا يعني هذا؟" لكن لم يجبها أحد. لأن الحقيقة… كانت بدأت تكشف نفسها. ظلّ الصمت يخيّم على الغرفة، ثقيلاً، خانقًا… كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها. كانت ليان لا تزال تحدّق في الدفتر، في تلك الجملة التي بدت وكأنها كُتبت لها وحدها… أو ربما… عنها. "لقد بدأتِ… ولا يمكنكِ التراجع." ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن قدميها لم تعودا تحملانها كما قبل لحظات. لم يعد الخوف مجرد شعور عابر… بل أصبح واقعًا يحيط بها من كل جهة. قالت بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يجيبها أحد: "من… كتب هذا؟" نظر آدم إلى سارة، لكن هذه المرة لم يكن في عينيه تلك الثقة المعتادة. كان هناك شيء آخر… قلق. قال ببطء: "لم يكن من المفترض أن يحدث هذا الآن." تجمّدت ليان "ماذا تقصد بـ الآن؟" لم تجب سارة مباشرة، بل اقتربت من الدفتر، وأغلقت صفحته بحذر… وكأنها تتعامل مع شيء حيّ. ثم رفعت نظرها إلى ليان، وقالت بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "يجب أن تغادري." اتسعت عينا ليان "ماذا؟! بعد كل هذا؟!" "ليس لأننا لا نريدكِ هنا… بل لأنكِ لستِ مستعدة بعد." ارتفع صوتها قليلًا، ممزوجًا بالغضب والخوف: "ومن قال إنني أريد أن أكون مستعدة؟! أنا فقط أريد أن أفهم!" صمتت سارة للحظة… ثم قالت جملة جعلت كل شيء أكثر تعقيدًا: "الفهم… هو أخطر مرحلة." في تلك اللحظة، انطفأت الأنوار غرق المكان في ظلامٍ دامس تسارعت أنفاس ليان، وبدأ قلبها يخفق بعنف "ما هذا؟!" صوت آدم جاء من مكان قريب، لكنه بدا بعيدًا في الظلام: "هذا لم يحدث من قبل…" ثم… صوت خطوات بطيئة واضحة تقترب. تجمّدت ليان في مكانها "هل هناك أحد آخر هنا؟" مدّت يدها في الظلام، تبحث عن شيء… أي شيء حتى اصطدمت بيدٍ باردة. صرخت. لكن الصوت الذي جاء بعدها… لم يكن صوتها. "أخيرًا…" توقفت أنفاسها. الصوت… لم يكن لآدم. ولم يكن لسارة. كان صوتًا غريبًا… هادئًا، لكنه يحمل شيئًا مرعبًا في عمقه. قال مرة أخرى، هذه المرة أقرب: "انتظرناكِ طويلًا يا ليان." تراجعت خطوة إلى الخلف، واصطدمت بالحائط "من… من أنت؟!" لم يجب مباشرة. بل… أُضيئت الأنوار فجأة. رفعت ليان عينيها بسرعة… لكن لم يكن هناك أحد. نظرت حولها، بعينين متسعتين. آدم يقف في مكانه. سارة بجانب الباب. ولا أحد غيرهما. هل… سمعتم؟" قالت بصوت مرتجف. نظر آدم إليها بجدية. "ماذا سمعتِ؟" شعرت بالارتباك. "كان هناك شخص… قال—" قاطعتها سارة بسرعة: "لا يوجد أحد." لكن نبرتها… لم تكن مطمئنة. مرت ثوانٍ ثقيلة. ثم فجأة…سقط الدفتر من يد سارة على الأرض انفتح وكأن قوة خفية دفعته. نظرت ليان إليه، وكأنها مجبرة على ذلك. اقتربت ببطء… كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. حتى وصلت. كانت هناك جملة جديدة. لكن هذه المرة… لم تكن مجرد جملة. "الصوت الذي سمعتهِ… هو أنتِ." تجمدت.شعرت وكأن العالم توقف. "هذا… مستحيل." لكن داخلها… كان هناك شيء يرتجف شيء يعرف… أن هذا ليس كذبًا. رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى آدم "أخبرني الحقيقة… الآن." تنهد، وكأنه كان يعلم أن هذه اللحظة ستأتي ثم قال بهدوء: "حين يبدأ الدفتر بالكتابة من تلقاء نفسه… فهذا يعني أن الماضي لم يعد صامتًا." عبست ليان "أي ماضٍ؟" نظر إليها مباشرة… وقال: "ماضيكِ أنتِ." شعرت ببرودة تسري في جسدها "أنا لا أتذكر شيئًا كهذا…" اقتربت سارة خطوة، وقالت بصوت منخفض: "وهنا تكمن المشكلة." "ليان…ليس كل ما ننساه… يختفي." في تلك اللحظة… عاد الصوت لكن هذه المرة… لم يكن في الخارج كان داخلها "ابدئي من حيث انتهيتِ…" وضعت يدها على رأسها، وشعرت بدوار مفاجئ. صور… سريعة…غير واضحة… باب… نفس الباب… لكن… ليس لأول مرة. فتحت عينيها فجأة. تنفّسها متقطع "أنا… لقد جئت إلى هنا من قبل…" نظر آدم وسارة إلى بعضهما بصدمة. قال آدم بصوت منخفض: "هذا… لم يكن ضمن الاحتمالات.أما سارة… فهمست بجملة واحدة فقط: "لقد عادت قبل أن تنتهي." تجمّد الجو للحظة… كأن الكلمات التي قيلت لم تكن مجرد جمل، بل مفاتيح لشيء أعمق. كانت ليان واقفة في مكانها، وعيناها تائهتان بين آدم وسارة… وبين تلك الصور التي بدأت تتسلل إلى عقلها دون إذن "لقد عادت قبل أن تنتهي." ترددت الجملة داخلها كصدى مزعج "مذا يعني هذا؟" همست، لكن هذه المرة لم تنتظر جوابًا… لأن شيئًا آخر كان يحدث. الدفتر… بدأت صفحاته تتحرك لوحدها ببطء… ثم بسرعة. كأن ريحًا غير مرئية تقلبها، صفحة بعد صفحة… حتى توقفت فجأة. انحنت ليان رغم خوفها، وكأن قوة ما تجذبها إليه. "لا تلمسيه!" صرخ آدم. لكن… كان قد فات الأوان. لمست ليان الصفحة. في تلك اللحظة، ارتجّت الغرفة ارتجاجًا خفيفًا، كأن شيئًا داخليًا قد انكسر، ثم عمّ صمت ثقيل. اندفع آدم نحوها بسرعة: "ليان! ماذا فعلتِ؟!" لكنها بقيت واقفة في مكانها، تحدّق في الدفتر، وعيناها شاردتان وكأنهما فقدتا تركيزهما للحظة: "أنا… لم أفعل شيئًا… لقد لمسته فقط." اقتربت سارة بسرعة، ونظرت إلى الصفحة بتركيز شديد. لم يظهر شيء غير طبيعي للوهلة الأولى. الدفتر يبدو عاديًا، الصفحات ثابتة، لا حركة فيها. لكن ملامح سارة تغيّرت فجأة: "لا… هذا لم يكن يجب أن يحدث الآن." رفعت ليان نظرها بسرعة: "ماذا الذي لم يكن يجب أن يحدث؟!" سكتت سارة لحظة، وكأنها تختار كلماتها بعناية، ثم قالت بهدوء حذر: "الدفتر يتفاعل مع من يلمسه… لكن ليس بهذه السرعة." نظر آدم إليها بقلق: "أتقصدين أن التفعيل قد بدأ؟" هزّت سارة رأسها ببطء. ساد صمت ثقيل في الغرفة. شعرت ليان أن الأمر أكبر بكثير مما كانت تتخيل: "تفعيل ماذا؟ أنا لا أفهم شيئًا مما يحدث!" اقتربت سارة من الطاولة، وأخذت الدفتر بسرعة، ثم وضعته داخل صندوق معدني صغير أسفل المكتب. "لم يكن من المفترض أن تصل إلى هذه المرحلة اليوم." كان صوتها هادئًا، لكنه مشحون بالتوتر. جلست ليان على الكرسي، تحاول استعادة أنفاسها، لكن قلبها كان يخفق بسرعة شديدة. "منذ أن دخلت هذا المكان، وأنا أسمع أشياء غامضة… الدفتر يكتب من تلقاء نفسه… كلمات ليست لي… والآن تقولين إن هناك مراحل؟!" جلس آدم أمامها هذه المرة بنبرة مختلفة، أكثر جدية وهدوءًا: "ليان… منذ متى وأنتِ تشعرين أن حياتك ليست حياتك؟" توقفت فجأة. كان السؤال مباشرًا أكثر مما توقعت. "ما علاقة هذا بما يحدث الآن؟" تدخلت سارة بصوت حاسم: "أجيبي فقط." تنهدت ليان بصعوبة: "منذ فترة طويلة… أشعر أنني لا أنتمي إلى حياتي الحالية، وكأنني في مكان ليس مكاني." أومأ آدم ببطء، وكأنه كان يتوقع هذا الجواب: "وهذا هو السبب الذي جعلكِ تصلين إلى هنا." رفعت ليان حاجبيها بحدة: "هل تراقبونني؟!" "لا." أجابت سارة فورًا: "ليس مراقبة… بل استجابة." "استجابة لأي شيء؟ أنا لم أختر أن آتي إلى هنا!" سكت آدم لحظة، ثم قال بهدوء: "كل من يأتي إلى هنا يظن أنه لم يختر… لكنه في الحقيقة، يجيب على شيء داخلي لا يستطيع تجاهله." ساد صمت قصير. ثم تابعت سارة: "وأنتِ… استجابتك كانت أسرع من غيرك." تجمدت ليان: "ماذا تعنين بذلك؟" أجاب آدم: "عند أول تفاعل مع الدفتر… كانت استجابتك غير طبيعية." نظرت ليان نحو الصندوق الذي وُضع فيه الدفتر: "وما الذي يعنيه هذا بالنسبة لي؟" سارة : "يعني أنكِ لم تكوني مجرد زائرة عادية." توقفت الكلمات في حلقها: "وماذا إذن؟" نظر آدم إليها مباشرة: "بل أنتِ جزء من التجربة." في تلك اللحظة، فُتح الباب الخلفي بسرعة. دخل شاب يبدو عليه القلق الشديد، وقال بصوت متوتر: "سارة… هناك ملف يجب مراجعته فورًا." التفتت سارة إليه بسرعة: "أي ملف؟" "ملفها." تبادلت سارة وآدم نظرة سريعة، ثم تحولت أنظارهما إلى ليان في آن واحد. وقفت ليان ببطء، وقد بدأ القلق يتسلل إلى ملامحها: "ملفي؟ أنا لم أُسجَّل في أي مكان!" لكن سارة قالت بصوت منخفض: "يبدو أن ملفك موجود… قبل وصولك." ساد الصمت من جديد. لكن هذه المرة، لم يعد الغموض عامًا… بل أصبح شخصيًا. وأصبح موجّهًا نحوها وحدها.حين فتحت ليان الباب الأخير، لم تنتقل بشكل مفاجئ كان الانتقال تدريجيًا كأن الغرفة البيضاء تذوب ببطء وتتحول إلى مكان مألوف. أرضية خشبية رائحة قهوة ضوء نهاري يتسرب من نافذة على اليسار. المركز. كانت في نفس الغرفة الأمامية الطاولة القريبة من الباب الكرسي القديم وعلى بجانب النافذة على الأريكة كان آدم جالسًا ينتظر. حين رآها، نهض ببطء لم يبتسم ابتسامته المعتادة الواثقة بدا مختلفًا أكثر حضورًا كأن الوقت الذي كانت فيه داخل المرحلة الثانية لم يكن وقتًا عاديًا بالنسبة له أيضًا. "عُدتِ" قال. "عدتُ" أجابت. جلست على الكرسي وجلس هو أمامها. لم يكن هناك سارة. لم يكن هناك أحد آخر في الغرفة. فقط هما قالت ليان: "كنتُ أعرفك من قبل." "نعم." "مقهى أنا كنتُ أكتب أنت انتظرتَ أحدًا." أومأ "أنا انتظرتُك." توقفت "ماذا تقصد؟" قال آدم ببطء: "في ذلك اليوم… لم أكن أنتظر أحدًا جلستُ بجانبك لأنني رأيتُكِ تكتبين." "لماذا؟" "لأنني في ذلك الوقت كنتُ في مرحلة ما بعد نظامي الخاص وكانت سارة تطلب مني أن أُلاحظ أن أرى من في محيطي قد يحتاج إلى ما مررتُ به." "إذن… رصدتَني؟" "لاحظتُكِ" أصحّح "هناك فرق" "وماذا
بعد محادثة سارة، لم تكن ليان تتوقع أن تعود إلى الغرف مجددًا. ظنت أنها ربما دخلت مرحلة مختلفة. مرحلة الفهم لا الرؤية. لكن النظام لم ينته منها بعد. كان هناك ما لم يُرَ. الباب ظهر بهدوء. ليس بشكل درامي. فقط ظهر. في الجدار الذي كان صمتًا. كأنه كان ينتظر أن تكون جاهزة قبل أن يُعلن عن نفسه. فتحته. كانت في غرفة كانت تعرفها جيدًا. غرفتها في الجامعة. في السنة الثانية. الساعة متأخرة. الكتب مفتوحة. على الشاشة مستند فارغ. وليان الصغيرة جالسة. لكنها لا تكتب. لا تقرأ. كانت تنظر إلى الشاشة. وتعبير وجهها كان من النوع الذي لا اسم له. ليس حزنًا. وليس ملًلًا. بل شيء يشبه البُعد. كأنها حاضرة في الجسد فقط. فاقتربت ليان الكبيرة وجلست بجانبها في الهواء. تذكرت تلك الليلة. كانت ليلة قبل امتحان مهم. وكان يفترض أن تُراجع. لكنها عجزت عن التركيز. ما لم تتذكره جيدًا هو السبب. فتحت ليان الصغيرة دفترًا صغيرًا كان مخبأً تحت الكتاب الأكبر. وبدأت تكتب. ليس مراجعةً. بل كلمات عشوائية. "أشعر أنني في المكان الخطأ. لا أقصد هذه الغرفة. أقصد… كل شيء." "أحيانًا أتساءل لو أنني لم أختر الصحافة. لو أنني فعلتُ ما أريد
الكتابة كانت خامًا غير مصقولة لكنها كانت حيّة. ثم دخل شخص إلى المقهى طلب قهوته وبينما ينتظر، نظر حوله ووقع نظره على ليان. اقترب "هل هذا الكرسي شاغر؟" رفعت ليان رأسها. نظرت إليه. "نعم." جلس طلب منها بنظرة خفيفة أن تتابع ما كانت تفعله. فتابعت. لكن بعد دقائق، قال: "تكتبين؟" "أحاول." "ما الذي تكتبينه؟" لم تقل "لا شيء مهم" كما كانت دائمًا تقول, قالت: "قصة عن فتاة لا تعرف ما تبحث عنه." "مثيرة للاهتمام." قال, "وأنتِ؟ هل تعرفين ما تبحثين عنه؟" رفعت عينيها. وقفت أمام السؤال لحظة. ثم قالت: "أحيانًا." ابتسم "اسمي آدم." تجمّدت ليان الكبيرة. كانت تعرف هذا الوجه الآن. كانت تعرف هذه الابتسامة. لكنها لم تربطه بآدم المركز لأن ما حدث بعد ذلك اليوم طمر هذه الذكرى تحت طبقات. في المشهد، قالت ليان: "ليان." "هل تمانعين إن جلستُ معك قليلًا؟ أنا أيضًا بانتظار أحد." "تفضّل." جلسا وتكلّما ليس طويلًا لكن تلك المحادثة القصيرة كانت مختلفة عن أي محادثة خاضتها في ذلك الوقت. لأنه لم يسألها عن تخصصها أو عن مستقبلها أو عن خططها. سألها: "ما الكلمة التي تحبين أن تكتبيها أكثر من غيرها؟" وتوقفت. وفكّ
لم تتوقع ليان أن تعود إلى المركز بهذه الطريقة. لم يكن دخولها إليه من باب المرحلة الثانية هذه المرة بل فجأة، دون مقدمات، كأن المشاهد انتهت وأُعيدت إلى نقطة البداية. الغرفة البيضاء الطاولة الكرسي ولا أبواب مرئية. وبعد لحظات، فُتح الباب من الجدار. ودخل آدم. لم يكن كما اعتادت أن تراه, ليس بتلك النظرة الواثقة الهادئة التي كان يعطيها في المركز, لم يكن متسرعًا ولا متوترًا. كان يبدو كمن يعرف أنه سيُسأل أسئلة لم يستعد لها كاملًا. جلس على الكرسي المقابل لها بيده كوبان من الشاي وضع أحدهما أمامها دون أن يقول شيئًا. نظرت إليه. ثم نظرت إلى الكوب, ثم قالت: "من أنت فعلًا؟" لم يُجب فورًا أمسك كوبه بكلتا يديه نظر إليها بصدق لم تعرف كيف تُصنّفه. "سؤال مباشر." قال. "بعد كل ما رأيتُه… أظن أنني أستحق إجابة مباشرة." أومأ ببطء "تستحقين." سكت لحظة. ثم قال: "اسمي آدم. وقبل أن أكون هنا… كنتُ حالة." تجمّدت ليان. "حالة؟ تقصد" "نعم كنتُ مثلك جلستُ في نفس هذه الغرفة رأيتُ نفس المشاهد دخلتُ نفس الأبواب." بقيت صامتة تحاول أن تهضم ذلك. "ومتى؟" "قبل أربع سنوات." "وسارة؟ هل كانت هي من يديرك؟" "نعم كان
الصورة السادسة كانت أثقل. كانت ليان تتحدث مع صديقتها نور عبر الهاتف. نور تسأ ل: "كيف حلك؟ لم نرك منذ فترة." تقول ليان: "أنا بحال جيد، فقط مشغولة قليلا." "مشغولة بماذا؟" توقفت ثم: "بكذا وكذا." لم تذكر اسمه. لم تذكر أنها قضت معظم وقتها الحر في الشهرين الأخيرين إما معه أو في انتظار رسائله أو في التعافي من يوم صعب معه. نور تضحك. "أشغال خاصة إذا. حسنا بالتوفيق إنشاء الله." ضحكت ليان معها. ثم أغلقت الخط. و جلست في صمت. وأدركت للمرة الأولى أنها لا تتذكر متى كانت آخر مرة تحدثت مع نور بصدق. الصورة السابعة: ليان أمام المرآة في الصباح. تنظر إلى نفسها. تسأل نفسها السؤال الذي يسأله كل إنسان يوميًا دون أن يسمعه: "كيف أنا؟" لا تعرف الجواب. وهذه المرة، لا تخترع جوابًا. فقط تنظر. وتمشي. انتهت الخارطة عند هذه الصورة. وقفت ليان الكبيرة ببطء. لم تقل شيئًا لفترة طويلة. ثم قالت: "لم يكن يعرف أنه كان يؤذيني." ظهر السطر:« وهذا لا يعني أنه لم يُؤذِكِ. » هضمت الجملة. "ولكن كنتُ أعرف؟" « كنتِ تشعرين. لكنكِ لم تُسمّي ما تشعرين به. » سكتت. ثم قالت بهدوء كاسر:"كنتُ أسمّيه حبًا." ليان جلست بهد
لم يكن الدخول إلى هذا الباب مريحًا. كان كأنها تضع قدمها في ماء بارد وتعرف أن الغطس الكامل لا مفر منه،،لكنها دخلت. الوقت تقدّم. ليان الآن في الثانية والعشرين. مرّ على تعرفها به أشهر. وما بدأ كلقاءات خفيفة وأسئلة مفاجئة ومريحة، تحوّل تدريجيًا إلى شيء آخر. ليس تحولًا مفاجئًا. لم يحدث شيء درامي واحد. بل كان تحولًا من النوع الذي يحدث مثل صعود منسوب الماء في حوض. ببطء. دون أن تلاحظي. حتى تجدي نفسك تصعّدين على أصابع قدميك لتتنفسيرأت ليان الكبيرة مشهدًا من صباح يوم عادي. ليان الصغيرة تُمسك هاتفها فور صحوها. ترسل رسالة. تنتظر. تنظر إلى الشاشة. ثم تضعه جانبًا. ثم تأخذه مرة أخرى. مرّت خمس عشرة دقيقة. لا رد. نهضت. غسلت وجهها. ارتدت ملابسها. أعدّت فطورها. لكن الهاتف كان يظل في متناول يدها دائمًا. كأنه حبل في حفرة. في النهاية جاء الرد: "صباح الخير. مشغول." ابتسمت ليان الصغيرة. ردّت: "هكذا إذن، يومك سعيد." لكن ليان الكبيرة رأت ما خلف الابتسامة. رأت إطار الكتفين وهي ترتخي قليلًا حين جاء الرد. رأت الزفرة الصغيرة. رأت الارتياح الذي لا يُفترض أن يحتاجه إنسان لمجرد أن شخصًا ردّ على رسالة صباحية
رفعت رأسها: "أنا فقط كنت خائفة عليك." ابتسم بخفة، لكنها لم تكن ابتسامة مريحة: "دائمًا نفس الجملة." تجمدت: "وماذا تريدني أن أقول؟" رفع نظره إليها أخيرًا: "أن تكوني عادية." سكتت: "أنا لست عادية؟" تنهد: "أنتِ… كثيرة." الكلمة سقطت بثقل، "كثيرة في ماذا؟" "في التفكير، في القلق، في كل شيء."
حين وضعت ليان يدها عليه، شعرت بنبض خفيف… كأن ما خلفه ليس مجرد ذكرى، بل شيء حيّ، يتحرك، ينتظر. ترددت للحظة، لكنها لم تسحب يدها، دفعت الباب دخلت، لم يكن هناك انتقال مفاجئ، بل وجدت نفسها داخل المشهد مباشرة، كأنها لم تغادره أصلًا. غرفة، ضوء خافت هاتف موضوع على الطاولة، وصمت ثقيل. كانت ليان القديمة جا
لم يكن الباب هذه المرة مخيفًا…بل كان مألوفًا بشكل غريب. وقفت ليان أمامه، تتأمله بصمت، وكأنها تحاول أن تتذكر شيئًا ضاع منها، لا شيئًا تجهله. مدّت يدها ببطء…ثم توقفت. شعرت بشيء مختلف. هذه المرة… لم يكن الخوف من الدخول بل من التذكّر. أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما. وضغطت على الباب انفتح.
لم يظهر الباب مباشرة. وقفت ليان في القاعة، ثابتة، و كأنها تنتظر شيئا تعرف أنه سيأتي قريبًا، ولكنه يتأخر عمدا. كان الهدوء هذه المرة مختلفًا… ليس فارغا ، بل مليئًا غير مرئي. شعرت به في صدرها. تغلب… مثل الآثار التي لم تُحسم. ثم ظهر السطر. "بعض القرارت… لا تكون أخطاء، بل تنازلات." رفعت ليان نظرها