LOGINرافاييلبالكاد انتهى الطبق الأخير. الطبق الأخير الذي لم أتذوقه حتى. الشوكة ارتفعت إلى فمي، الطعام لامس لساني، لكنني لم أشعر بشيء. كل حواسي كانت مشغولة بها. بمراقبتها. بتوقع حركتها التالية. بالاحتراق. الإحباط المتراكم يحرقني، يحرقني من الداخل، النار تتغذى على كل ثانية مرت، على كل نظرة منها، على كل ابتسامة، على كل إيماءة محسوبة كانت تعذيباً رائعاً. نفسي يتسارع، صدري يضيق، قلبي ينبض كطبل يصم الآذان، كطبل حرب، والطبول تقول اسمها: ما-يي-فا، ما-يي-فا. يداي ترتجفان على المفرش، الأصابع ترتعش، أكاد أطرق بأظافري على الخشب. قلبي... قلبي لم يعد لي. المفرش، الشموع التي احترقت حتى النهاية تقريباً، الشمع الذائب يتجمع في برك صغيرة، النبيذ في الكؤوس... كل شيء يصبح ثانوياً. العالم كله يصبح ثانوياً. لم يعد هناك سواها. هي فقط. هي وحدها في هذا الكون. هي الإلهة وأنا العابد."ماييفا..."اسمها في فمي ثمرة محرمة. اسمي حلو ومر في آن واحد. "أنا... لم أعد أستطيع." أتمتم، حلقي جاف كالرمال، صوتي مبحوح، لا أكاد أعرفه. يداي مشدودتان على حافة الطاولة، المفاصل بيضاء، أتشبث بالخشب كما لو كنت على وشك السقوط. وأنا على وش
رافاييللم أكن يوماً بهذا القدر من الوعي بكل تفصيلة من حولي. الضوء الخافت للشمعدانات، اللهب الصغير الذي يرقص، يرقص كما ترقص هي، كما يرقص قلبي في صدري. الشموع تلقي بظلالها الناعمة على الجدران، ظلال ترتعش، تتمدد، تتقلص، كأنها تتنفس معي. الأطباق مرتبة بأناقة، الفضيات تلمع، الكؤوس البلورية تصطدم بخفة عندما أحرك يدي، الصوت نقي، كريستالي، لكنه بعيد، بعيد جداً. كل شيء يصبح ثانوياً أمامها. ماييفا. هي مركز الكون. هي الشمس التي تدور حولها كل ذرات هذا المكان. كل حركة تقوم بها هي عذاب لذيذ، تعذيب بطيء، متعمد، محسوب. لا أستطيع أن أرفع عينيّ عن منحنياتها، عن هذا الخصر الذي يرسمه الفستان الأسود كأفعى تلف فريستها، عن الطريقة التي تجلس بها، ظهرها مستقيم، كتفاها مرفوعان قليلاً، رقبتها الطويلة تميل بأناقة ملكية. عن رقة يديها، هاتين اليدين اللتين رأيتهما تمسكان بأشياء كثيرة، والآن تلامسان مفرش الطاولة بخفة، أصابعها ترسم دوائر غير مرئية، دوائر تنومني، تسحرني، تسلبني إرادتي.إنها تختار إيماءاتها ببطء محسوب، برشاقة استفزازية. ليست رشاقة امرأة لا تدري. إنها رشاقة مفترسة تعرف بالضبط ماذا تفعل. أقل لمسة من أصا
ماييفاآخذ سيارتي. المحرك يخرخر تحت أصابعي، اهتزاز ناعم، منتظم، كصدى لنفاد صبري، كنبض قلبي المتسارع. الطريق تبدو لي قصيرة وطويلة في نفس الوقت. كل إشارة حمراء، كل منعطف، كل سيارة أمامي تتحرك ببطء شديد... كل شيء يضخم إيقاع رغبتي، يزيد من حدتها. أصابعي على المقود، الضوء البرتقالي لمصابيح الشارع الذي ينزلق على الزجاج. كل لحظة تفصلني عن رافاييل هي تذكير. تذكير بقوتي، باستسلامه الوشيك، بكل ما سيحدث. وأنا أبتسم لهذه الفكرة، خفيفة وقاسية في نفس الوقت.عندما أبصر مسكنه أخيراً، أبطئ. أترك السيارة تتقدم ببطء. أبقى صامتة للحظة، متأملة أناقة المكان المهيبة. إنها المرة الأولى التي أراها عن قرب، في الليل. الجدران الضخمة، الحجرية، المضاءة بأضواء خافتة. الأعمدة المثالية عند المدخل، البيضاء، الشامخة. الحديقة التي تخمن أنها معتنى بها بعناية، حتى في الظلام. الأشجار المشذبة، العشب الأخضر... كل شيء يتنفس الثروة. القوة. النظام. عالم حيث كل شيء في مكانه. عالم بُني ليكون محمياً من الخارج.لكنني، لست مرعوبة. لا أشعر بالخوف، ولا بالتردد. على العكس. كل تفصيل يثيرني. كل حجر، كل عمود، كل نافذة مضاءة. يذكرني بأنني
رافاييلالنهار يبدأ. يبدأ بشكل طبيعي، أو على الأقل، هذا ما أجبر نفسي على تصديقه. هذا ما أحاول أن أقنع نفسي به. مكتبي، ملفاتي، رسائل البريد الإلكتروني التي تتراكم، الاجتماعات المحفورة في جدول أعمالي. كل شيء يجب أن يكون طبيعياً. كل شيء يجب أن يستمر كما لو أن شيئاً لم يحدث. لكن لا شيء له معنى بعد الآن. لا شيء.أفكاري تنجرف. بلا كلل. بلا رحمة. نحوها. ماييفا. مجرد اسمها في ذهني يكفي لتسريع نبضات قلبي. وجهها، تلك العيون التي تنظر إليّ وكأنها ترى كل شيء، حتى ما لا أراه في نفسي. نظرتها، تلك الطريقة التي تمسك بي بها دون أن تلمسني. طريقتها في إمساكي... في إمساك كل كياني. كل شيء يطاردني. كل شيء. لم أشعر قط بشيء بهذه العنف، بهذه الغريزية، بهذه الحيوانية. وكأن كل خلية في جسدي، كل ذرة من كياني، تعلم بالفعل أنني لن أهرب. أنني لا أريد أن أهرب.أحاول التركيز على تقرير. الكلمات على الشاشة ترقص، تتداخل، تفقد معناها. أقرأ الجملة نفسها عشر مرات دون أن أفهمها. ذهني يتشبث بكل ذكرى من الأمس. ضحكتها المنخفضة، تلك الضحكة التي كانت تقول "أنت لي" دون أن تنطقها. ابتسامتها القاسية، التي كانت تحطمني وتبنيني في آن و
ماييفاالنهار يبدأ. يبدأ بدقة جراحية، كآلة تم ضبطها بعناية. اجتماعات، ملفات، وثائق لترتيب، أرقام لفحصها. كل شيء يبدو عادياً، مألوفاً، روتينياً. ذلك الروتين الذي يخنق الآخرين، لكنه بالنسبة لي هو درع، هو هيكل. لكن في داخلي، في ذلك المكان السري حيث لا يدخل أحد، ابتسامة تستمر. ثابتة. شبه لا تقاوم. كلما فكرت في رافاييل، في خضوعه، في أنينه الذي لا يزال طازجاً في ذاكرتي، في ذلك الصوت الذي يصدره عندما ينهار... شفتاي تتمددان في ارتسامة منتصرة. ابتسامة لا يمكن لأحد أن يفهمها. أخيراً، لقد استسلم. أخيراً، إنه لي... على الأقل حتى هذا المساء. حتى التاسعة.أتنقل من قاعة إلى أخرى، من شاشة إلى أخرى، من اجتماع إلى آخر. كعبي يتردد على الأرضيات الرخامية، صوت إيقاعي، منتظم، يذكرني بكل خطوة أقترب فيها من الليل. لكن كل حركة، كل لفتة، ملونة قليلاً بهذه المتعة السرية التي أحملها في داخلي. أصابعي على لوحة المفاتيح دقيقة، تنقر الحروف بسرعة، لكنها تتذكر. تتذكر ملمس جلده. تتذكر كيف كان يرتعش. قراري سريعة، حاسمة، لكن ذهني يتجول. يتجول بين لحظات الأمس الحارقة وموعد هذا المساء. نار حضوره ترافقني في كل مكان، في كل خط
ماييفاأتركه يلهث. صدره يرتفع وينخفض كمن نجا للتو من الغرق، جبينه مبلل بالعرق، شعره ملتصق بصدغيه. جسده لا يزال حارقاً تحت يديّ، لا يزال مشدوداً، لا يزال يبحث عني. لكنني أبتعد. أبتعد بلطف، ببطء، بحركة محسوبة. عيناه تفتحان، واسعتان، لامعتان، متضرعتان. عينا رجل خرج للتو من حلم لم يكن له فيه أي سيطرة، حلم كان فيه مجرد متفرج على انهياره. أبتسم له، منفصلة، شبه قاسية في هدوئي. في هذا الهدوء الذي يتناقض مع العاصفة التي أشعلتها فيه."يجب أن أذهب..." أقول، ببطء، الكلمات تخرج واحدة تلو الأخرى، واضحة، لا رجعة فيها. أصابعي تلامس خده مرة أخيرة، لمسة خفيفة، أخيرة. "العمل ينتظرني. هناك ملفات، واجتماعات، وأشخاص يحتاجونني."ينتصر بالكاد. يحاول أن يستعيد شيئاً، أي شيء. ذراعاه ترتجفان عندما تمدان نحوي. أصابعه تغلق على معصمي، القبضة يائسة، متوسلة. صوته أجش، متضرع، محطم. ذلك المزيج من الرغبة والإحباط الذي يجعله أكثر جمالاً:"لا... ليس الآن... أرجوك... لا تذهبي الآن. ليس هكذا. دعيني... دعيني أقذف... قبل أن ترحلي. لا أستطيع... لا أستطيع البقاء هكذا."أضحك. بهدوء. ضحكة منخفضة، حميمية، تخترقه كشفرة غير مرئية،