เข้าสู่ระบบكانت ليان مستلقية على جانبها، تنظر إلى نوح وتحاول أن ترسم على وجهها ملامح الخجل . وكأنها تشعر بالحرج من وجوده قريبًا منها على السرير نفسه. لكن ما كان يظهر على ملامحها لم يكن انعكاسًا لما يدور بداخلها؛ ففي أعماقها كان القلق والخوف يتصارعان. كانت تدرك جيدًا أنها تخوض مجازفة كبيرة، وأن السماح لنوح بالنوم إلى جوارها خطوة لم تكن بسيطة بالنسبة إليها. حاولت تهدئة نفسها وإقناعها بأنها لن تتعرض لأي أذى. كانت تقول في داخلها إن نوح، في وضعه الحالي، لن يفعل شيئًا قد يضايقها أو يتجاوز حدودها، ثم يعود ليندم عليه بعد ذلك. لقد أصبح حريصًا على إرضائها بأي طريقة، ويخشى أن يفقد ما بدأ يستعيده من تقارب معها. ولذلك كانت واثقة من أنه لن يقدم على أي تصرف قد يجعلها تنفر منه مجددًا. تمسكت بهذه الأفكار لتبدد مخاوفها، بينما كانت تراقبه في صمت تحت الإضاءة الهادئة للمصباحين الموجودين بجوار السرير. أما نوح، فكان ينظر إليها بابتسامة لم تفارق شفتيه. وبعد لحظات من الصمت، قال بصوت هادئ: — لا أستطيع أن أصدق أنكِ تنامين إلى جواري الآن، على السرير نفسه! ابتسمت ليان وأجابته ببساطة: — وما الغريب في ذلك ؟ لقد أخبرتك
بعد مرور بضع دقائق، خرجت ليان من الحمام بعدما انتهت من الاستحمام وارتدت بيجامة نومها. كانت قد جففت شعرها باستخدام المجفف، ثم خرجت لتجد نوح جالسًا على أحد الكراسي أمام السرير. كان قد بدّل ملابسه هو الآخر، واستحم وارتدى بيجامة النوم. لم تحتج ليان إلى كثير من التفكير لتعرف طبيعة الحديث الذي سيدور بينهما في تلك اللحظة. لكنها كانت قد حددت مسبقًا الطريقة التي ستتعامل بها مع هذا الموقف صحيح أن ما تنوي فعله ينطوي على قدر من المجازفة، إلا أنها كانت واثقة من قدرتها على السيطرة على الموقف، ومطمئنة إلى أن الأمور ستسير وفقًا لما تريد ما إن رآها نوح حتى نهض من مكانه، والتفت إليها مبتسمًا، ثم قال: — أخيرًا انتهيتِ؟ أومأت ليان برأسها وهي تبتسم ابتسامة خفيفة، ثم أجابت: — نعم، لكنني متعبة جدًا يا نوح، وأريد أن أنام. أشار نوح بيده نحو السرير وقال بهدوء: — حسنًا، اذهبي واستريحي. سأخرج وأنام على الأريكة في الخارج. تظاهرت ليان بالدهشة، ثم نظرت إليه وقالت: — ولكن الأريكة الموجودة في الخارج صغيرة، ولن تكون مريحة لك. ألن تضايقك؟ فأنت طويل القامة، ولن تستطيع النوم عليها براحة. ابتسم نوح ابتسامة خف
نظر إليها وقال: — هناك الكثير من الأسئلة التي تدور في رأسي يا ليان، وأتمنى لو أستطيع أن أسألكِ عنها جميعًا. رفعت ليان عينيها إليه باستغراب، وقالت: — وما الذي يمنعك؟ اسأل يا نوح، أنا أستمع إليك. تردد قليلًا، ثم قال: — لا أعرف... ربما أخشى أن أكون متسرعًا في طرح هذه الأسئلة، أو أن الوقت لم يحن بعد. كانت ليان تعرف جيدًا إلى أين يريد أن يصل. فقد كان يحاول منذ بداية الحفل أن يفهم حقيقة موقفها منه، وأن يعرف ما إذا كانت تصرفاتها الأخيرة تعني أن مشاعرها تجاهه قد تغيرت. ولأنها أرادت أن تتركه غارقًا في الحيرة نفسها التي بدأ يعيشها من بداية الحفل ، قررت أن تسايره، وأن تمنحه الفرصة لطرح ما يشاء دون أن تقدم له إجابات واضحة. قالت بنبرة هادئة: — لا أفهم ما تقصده يا نوح، لكن على أي حال، اسأل كل ما تريد. إذا كانت لدي إجابة، فسأجيبك بصراحة، أما إذا لم تكن لدي إجابة، فسألتزم الصمت ولن أقول شيئًا. شعر نوح بشيء من التشجيع، فأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول: — في الحقيقة، أشعر أنكِ تغيرتِ تجاهي يا ليان... تغيرتِ إلى الأفضل بالطبع. ولهذا أريد أن أسألكِ: هل تغيرت مشاعركِ تجاهي؟ ما إن أنهى سؤاله حتى س
تفرّق الجميع أخيرًا، واتجه كل واحد منهم إلى جناحه الخاص بالفندق. أما نوح وليان، فتحركا معًا نحو الجناح الذي سيقضيان فيه ليلتهما. كانا يسيران جنبًا إلى جنب في الممر الطويل، بخطوات هادئة. بدا نوح طبيعيًا تمامًا، يسير إلى جوار ليان .ويلتفت إليها بين الحين والآخر، محاولًا أن يلتقط أي إشارة من ملامحها أو تصرفاتها. كانت ليان تسير صامتة، وعيناها معلقتان بالطريق أمامها، دون أن تلتفت إليه أو تبادر بالحديث. كان يبتسم كلما نظر إليها، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع إخفاء استغرابه من هدوئها الشديد، وكأن وجوده إلى جوارها لا يعني لها شيئًا. أما ليان، فلم تكن هادئة كما تبدو من الخارج. كانت تعيش صراعًا داخليًا لا يعرف عنه نوح شيئًا. فقد أعاد إليها هذا الممر ذكريات ليلة زفافها، حين سارت خلف نوح في ممر كان مشابهة لهذا تقريبًا، متجهة إلى الجناح الذي أعد لهما لقضاء ليلتهما الأولى معًا. تذكرت كيف تغير أسلوب نوح فجأة في تلك الليلة حين أصبحوا وحدهم .وكيف سبقها بخطوات سريعة، بينما ظلت هي تسير خلفه كالتائهة، لا تفهم ما يحدث، ولا تعرف لماذا تبدل تصرفه بهذه الصورة. كانت كل خطوة تخطوها الآن إلى جواره تعيد إليها
حاولت أن تخفي انزعاجها، ثم قالت متحججة بهدوء . — لكننا لن نستطيع المبيت هنا يا عمي، فنحن لم نحضر معنا أي أغراض أو ملابس نحتاج إليها. كيف سنقضي الليلة إذا ؟ ابتسمت نبيلة وهي تطمئنها: — لا تقلقي يا ليان، الأمر بسيط. أي شيء تحتاجين إليه يمكننا طلبه وسيصل إلينا فورًا، أو يمكنك الاتصال بسميرة وطلب إحضار ما تحتاجين إليه من المنزل. المنزل ليس بعيدًا عن الفندق. صمتت ليان، وراحت تفكر في حجة أخرى يمكنها استخدامها للاعتذار عن المبيت، لكنها لم تجد الوقت الكافي لترتيب رد مناسب، فقد سبقها نوح إلى الكلام قائلًا: — حسنًا يا أمي، لا أرى أي مشكلة في ذلك. لقد اشتقت إليكم بالفعل، وأريد أن أقضي معكم وقتًا أطول. لذلك أعتقد أن اقتراح أبي جيد، ولا مانع لدي من أن أبيت أنا وليان هنا الليلة. أنهى كلامه، ثم التفت إلى ليان وابتسم ابتسامة ذات مغزى، وكأنه يتعمد وضعها أمام الأمر الواقع. فهمت ليان ما وراء ابتسامته، وأدركت أنه يتعمد إحراجها بعد أن وافق على اقتراح والده دون أن يمنحها فرصة للاعتراض. لكنها لم تظهر انزعاجها، بل ابتسمت في سرها وقالت لنفسها: حسنًا يا نوح... أنت من بدأ هذه اللعبة. ثم رفعت عينيها إلي
في الجهة الأخرى من القاعة، كان حازم وسارة لا يزالان منشغلين بالحديث معًا. ومع مرور الوقت، بدأت سارة تتجاوز شيئًا من ارتباكها الأول، وتندمج تدريجيًا في الحوار معه. كانت تستمع إلى حديثه باهتمام، وتراقب طريقته في التعبير عن أفكاره، واختياره لكلماته، وأسلوبه المهذب والمنمق. كان حازم يتحدث بثقة ولباقة، ويبدو في مظهره وتصرفاته رجلًا أنيقًا يعرف كيف يتعامل مع الآخرين. ومع كل دقيقة تمر، بدأت سارة تكتشف جانبًا مختلفًا منه، جانبًا لم تكن تتوقع أن تراه. فقد كانت ليان تحاول دائمًا إقناعها بأن حازم لا يختلف كثيرًا عن نوح، وأنه ربما يحمل الطباع نفسها . لكن سارة، وهي تتحدث إليه الآن، لم تجد ما يؤكد تلك الصورة التي رسمتها صديقتها أمامها. على العكس، بدأ يتكون لديها انطباع بأنه إنسان جيد، وأنه يستحق على الأقل أن تمنحه فرصة للتعرف إليه بصورة أفضل. وللمرة الأولى منذ بداية الحفل، وجدت نفسها تفكر في احتمال أن تمنح حازم فرصة حقيقية، وأن ترى إلى أين يمكن أن يصل التعارف بينهما. لم تكن قد اتخذت قرارًا نهائيًا، لكنها لم تعد ترفض الفكرة كما كانت تفعل في السابق. ومع ذلك، كانت هناك عقبة لا يمكنها تجاهلها؛ فال







