Share

(2)

last update publish date: 2026-08-10 05:03:02

مرت أسبوع.

أسبوع كامل من الانتظار. من الأمل والخوف. من اللحظات التي كانت فيها نور تصحو فتجده جالساً بجانبها. ومن اللحظات التي كانت فيها تغفو فتشعر بيده تلامس شعرها. بأصابعه تنسج خصلاتها السوداء كأنه يقرأ كتاباً قديماً. كتاباً لا يريد أن ينتهي.

عمر لم يغادر المستشفى. لم يرجع إلى القصر. لم يرَ أمّه إلا مرة واحدة عندما جاءت فريدة بصحبتها. أم عمر كانت ضعيفة. تسير بعكاز. لكن عينيها... عينيها كانت تحملان ذلك النور الخاص بالأمهات. ذلك النور الذي يرى الحقيقة قبل أن تُقال.

"دي بنتك؟" سألت وهي تنظر إلى نور نائمة.

"مش... مش رسمي يا ماما. بس..." عمر توقف. ابتلع ريقه. "...بس هي كل حاجة."

أم عمر ابتسمت. ابتسامة حزينة. عريقة. كأنها تذكرت شيئاً من ماضٍ بعيد.

"اللي بيحب... بيعرف من أول نظرة. وأنا شايفة في عينيك... إنك عرفت."

لم تقل أكثر. لم تسأل عن القصر. عن المال. عن العقد. لم تسأل عن شيء. فقط وضعت يدها على يد ابنها. ونظرت إلى نور. وهمست:

"ربنا يشفيها. عشانك. وعشانها. وعشان... عشان الولاد اللي جايين."

عمر احمرّ وجهه. لم يفهم كيف عرفت. كيف الأمومة تعرف دائماً ما لا يعرفه العقل.

لكنه لم ينكر.

لأن في لحظة ما. في لحظة كان يمسك فيها يدها وهي نائمة. شعر بذلك. بأن هذه ليست النهاية. بل البداية. بداية شيء أكبر. أعمق. أقوى.

---

الآن. بعد أسبوع.

نور كانت تجلس على السرير. بظهرها على الوسائد. وجهها لا يزال شاحباً. لكن عينيها... عينيها كانتا تعودان. تعودان إلى ذلك اللمعان. إلى ذلك الغموز. إلى ذلك الجمال الذي كان يجعله ينسى أنه يتنفس.

"عايزة أقوم." قالت.

"لأ." عمر كان يقف بجانب النافذة. ينظر إليها بجدية. "الدكتور قال لسه بدري."

"بدري على إيه؟ على الحياة؟ أنا زهقت من السرير. زهقت من الريحة. زهقت من..."

توقفت. نظرت إلى يدها. إلى الندبة الصغيرة التي بدأت تتشكل قرب كتفها. إلى الذكرى الدائمة للرصاصة التي كانت ستقتلها.

"...زهقت من الخوف."

عمر اقترب. جلس على حافة السرير. بجانبها. قريباً. لكنه لم يلمسها. لم يجرؤ. لم يكن يعرف بعد حدود ما يسمح به. هل هم زوجان حقيقيون الآن؟ هل العقد لا يزال قائماً؟ هل الحب الذي قالاه في الظلام... ينطبق في النور؟

"مش لازم تخافي. أنا هنا."

"إنت هنا. بس إنت مش هتقدر تمنع كل حاجة. مش هتقدر تمنع اللي جاي."

"إيه اللي جاي؟"

نور نظرت إليه. نظرة طويلة. كأنها تبحث في عينيه عن إجابة. أو كأنها تريد أن تعرف إذا كان يستحق أن يعرف.

"أبويا... مش هيسكت. حتى لو في السجن. حتى لو مكبل. هو... له ناس. له فلوس. له قدرة على الوصول لأي حد. في أي مكان."

"الشرطة قالت إنه في زنزانة انفرادية. مراقب. مفيش حد يقدر يوصله."

"الشرطة..." ضحكت. ضحكة مريرة. "الشرطة ما تعرفش مين هو. ده السلطان. ده الراجل اللي بنى إمبراطورية من العدم. من الدم. من الخيانة. وهو مش هيسيب حاجة تخرج من إيده. حتى لو كانت..."

نظرت إلى يدها.

"...حتى لو كانت أنا."

عمر وضع يده على يدها. برفق. لكن بقوة. كأنه يُثبتها في مكانها. كأنه يقول لها: "أنت لست وحدك."

"مش هيسيبك. مش تاني. مش بعد كل ده."

"إنت مش فاهم. هو مش هيجي بنفسه. هو هييجي من تحت. من الجناح. من الظل. هييجي باللي بيحبه. باللي بيخاف منه. باللي..."

توقفت.

سمعاها معاً.

خطوات. في الممر. ثقيلة. منتظمة. ليست خطوات ممرضة. لا. كانت خطوات رجل. رجل يرتدي حذاءً ثقيلاً.

عمر وقف. جسمه يتصلب. عيناه على الباب.

"مين؟"

لم يجب أحد.

الخطوات توقفت. خارج الباب.

صمت.

ثم طرقات. ثلاثة. منتظمة. رسمية.

"القسم الجنائي. عندنا أسئلة للآنسة نور السلطان."

صوت رجل. هادئ. رسمي. لكنه يحمل شيئاً. شيئاً يشبه التهديد أكثر من التحقيق.

نور نظرت إلى عمر. عيناها توسعتا.

"متفتحش."

"لازم أفتح. ده القانون."

"متفتحش يا عمر. مش دلوقتي."

لكنه كان قد مشى بالفعل. نحو الباب. نحو المجهول. نحو الخطر الذي قد يكون باسم القانون.

فتح.

رجلان. بدلات رمادية. بطاقات معلقة على صدورهم. وجوه جادة. عينان لا تبتسمان.

"المقدم طارق. والمحقق رامي."

عمر نظر إليهما. بترقب. بشك. بغريزة قديمة من الزقاق. تلك الغريزة التي تعرف الشر من النظر إلى العينين.

"الآنسة نور... قادرة تتكلم؟"

"قادرة. بس هي لسه تعبانة. مش هتقدر..."

"هنقرر إحنا." قطع المقدم طارق. صوته كان حاداً. كأنه لا يحتمل الاعتراض. "عندنا أوراق. وعندنا تحقيق. وعندنا..."

توقف. نظر إلى داخل الغرفة. إلى نور. إلى وجهها الشاحب. إلى عينيها التي كانت تراقبهما بتركيب.

"...وعندنا تهمة خطيرة."

"تهمة إيه؟" سأل عمر. قلبه يدق بعنف.

المقدم طارق نظر إليه. نظرة طويلة. ثم أخرج ورقة. مطوية. بيضاء.

"تهمة القتل العمد. لثلاثة أشخاص. والشريك في جريمة قتل رابع. والشريك في محاولة قتل خامس."

صمت.

صمت قاتل.

نور كانت تنظر. وجهها يفقد ما تبقى من لون. شفتها ترتعف.

"إنت... إنت بتتهمني؟" صوتها كان خافتاً. كالريح.

"لا." قال المقدم طارق. ثم نظر إلى عمر.

"...أنا بتهمكِ. وبتهم الست فريدة. وبتهم..."

توقف.

"...بتهم أمكِ. اللي لسه مختفية."

نور شعرت بعالمها ينهار. مرة أخرى. كأنها لم تسقط بما يكفي. كأن الظلام يريد أن يأكلها حتى النخاع.

"ومين..." سأل عمر. صوته يحمل قتلاً صامتاً. "مين اللي قدم البلاغ؟"

المقدم طارق ابتسم. ابتسامة باردة. لا تحمل رحمة.

"البلاغ... جاي من داخل السجن. من السلطان نفسه. وهو عنده أدلة. فيديوهات. صور. وشهود."

نظر إلى نور.

"وشهود... كتير."

عمر شعر بأن الأرضية تتفتت. بأن القصر الذهبي لم يسقط بعد. بأن الوحش قد يكون في السجن. لكن أنيابه... لا تزال تطحن.

نور نظرت إلى عمر. عيناها تحملان سؤالاً واحداً: "هل ستتركني الآن؟"

لكن عمر... لم يتراجع.

تقدم خطوة. نحو المقدم. نحو المحقق. نحو العدالة التي كانت ترتدي ثوب الظلم.

"أنا... عايز أقولكم حاجة."

"إيه؟"

"إن اللي قدامكم... مش مجرد متهمة. دي ضحية. ضحية لعشرين سنة من الجنون. وإن أنا..."

نظر إلى نور. إلى عينيها. إلى الحب.

"...وإن أنا، عمر عبدالله، شاهد. على كل حاجة. وهشهد. ضد السلطان. ضد يوسف. ضد أي حد. حتى لو كلفني... حياتي."

المقدم طارق سكت.

نظرته تغيرت. من البرود إلى شيء آخر. شيء يشبه الاحترام. أو الدهشة.

"كلامك... هيتسجل."

"سجلوا. وسجلوا كمان..."

عمر وضع يده على كتف نور. بقوة. بحماية. بحب لا يخاف.

"...إن أنا مش هسيبها. ولا خطوة. حتى لو جابوا العالم كله ضدها. أنا هفضل هنا. جنبها. لحد ما الحقيقة... تبان."

نور نظرت إليه.

وابتسمت.

ابتسامة صغيرة. لكنها كانت... أجمل شيء في هذا العالم المظلم.

لكن الابتسامة لم تدم.

لأن المحقق رامي، الذي كان صامتاً طوال الوقت، أخرج هاتفه. نظر إلى الشاشة. ثم نظر إلى عمر.

"عندك مكالمة."

"مين؟"

"مش عارف. الرقم مجهول. بس قالوا... إنهم عايزينك. دلوقتي."

عمر أخذ الهاتف. بوخز. بشك.

وضعه على أذنه.

"ألو؟"

صمت.

ثم... صوت.

صوت امرأة.

صوت يعرفه.

صوت يجعل دمه يتجمد.

"عمر... أنا... أنا أم نور."

الأم.

كانت حية.

لكنها لم تكن تتصل لتُطمئن.

كانت تتنفس بصعوبة. كأنها تركض. كأنها تختبئ.

"إستمع كويس... هم جايين. دلوقتي. للمستشفى. مش عشان نور. عشانك إنت. عشان أنت اللي قتلت يوسف. وعشان أنت... اللي عارف كل حاجة."

"مين جايين؟"

"ناس أبوها. ناس... مش بني آدمين. هما..."

توقفت.

سمع صوتاً في الخلفية. صوت باب يُكسر. صوت صراخ.

ثم... صوت إطلاق نار.

طخ. طخ. طخ.

صمت.

خط مستمر.

عمر شعر بأن عالمه قد توقف.

نظر إلى نور.

إلى المحققين.

إلى الباب المغلق.

ثم... سمع صوتاً.

من الممر.

من الدرج.

من أسفل المستشفى.

صوت سيارات. كثيرة. تتوقف بعنف.

صوت أبواب تُفتح.

صوت خطوات. كثيرة. ثقيلة.

تتجه نحو الطابق العلوي.

نحو غرفة 307.

نحوهم.

المقدم طارق سمع. وجهه تغير. نظر إلى زميله.

"إيه ده؟"

لكن عمر كان يعرف.

كان يعرف أن القصر لم يسقط.

كان يعرف أن السلطان... لا يزال يلعب.

وكان يعرف أن اللحظة التي ظن فيها أن الحرب قد انتهت...

كانت مجرد بداية المعركة الحقيقية.

نظر إلى نور.

إلى عينيها.

وهمس:

"هنخرج. دلوقتي."

لكن الباب... كان قد فُتح بالفعل.

ورجل. طويل. يرتدي قناعاً أسود.

كان يقف هناك.

مع مسدس.

موجه.

نحو قلب عمر.

والليلة... لم تنتهِ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العشق الممنوع    (5)

    النار كانت تتنفس. الرجل الذي يحمل قاذف اللهب كان يقف على بعد أمتار قليلة من مقدمة السيارة. المطر يتساقط على الزجاج الأمامي بغزارة، لكنه لم يكن قادراً على إخفاء ذلك الضوء البرتقالي الذي بدأ يتسلل من فوهة السلاح. ضوء يشبه العين الشريرة. يشبه الجحيم. يشبه النهاية التي تأتي بالحرق لا بالرصاص. نهاية لا تترك وجهاً ليُخدش. بل تترك رماداً. تترك فراغاً. تترك نسياناً. المحامي مد يده نحو الدرج الأمامي. يبحث بأصابع مرتعشة. يبحث عن شيء. مسدس؟ لا. كان يبحث عن هاتف. أخرجه. ضغط على زر. تحدث بسرعة. بصوت خافت لا يصل إلى الخلف: "الموقع. دلوقتي. الطوارئ. نعم... أنا اللي بلّغت من قبل. والآن هم هنا. في الشارع الفلاني. بالقرب من المستشفى القديمة." ثم نظر إلى عمر في المرآة. عيناه تلمعان بالخوف. لكن أيضاً... بالعزم الغريب. بذلك الشيء الذي يشبه الندم المقترن بالتصميم. "أنا هنزل. هتكلم معاهم. إنتوا خليكوا هنا. ومهما شوفتوا... متتحركوش." "إنت مجنون؟" عمر صرخ. صوته يملأ السيارة الصغيرة. "دول جايين يقتلوا. مش هيتكلموا. مش هيسمعوا كلام محامي." "أنا... أنا مديون للسلطان بحياتي. بس دلوقتي..." المحامي ابتسم. ا

  • العشق الممنوع    (4)

    عمر جمد. المطر كان يغسل وجهه. يغسل الدم. يغسل الغبار. يغسل كل شيء. لكنه لم يستطع أن يغسل الشك. الشك الذي يتسلل إلى قلبه كالسم البطيء. الشك الذي يقول له: "لا تثق. أبداً." لأن الثقة في هذا العالم كانت تساوي الموت. والموت كان قد لاحقه منذ أن وقع اسمه على ذلك الورق الأبيض في المكتب الفاخر. السيارة السوداء كانت واقفة. محركها يدور بصوت خافت. كأنها تتنفس. كأنها حيوان مستعد للانقضاض. أضواؤها الأمامية كانت تُضيء المطر المتساقط بخيوط فضية باردة. خيوط تبدو كأنها أسلاك شائكة. كأنها سجن. كأنها دعوة إلى قبر آخر. "إركب." المحامي كرر. ابتسامته لم تتغير. ثابتة. باردة. كأنها مرسومة على وجه من شمع. عيناه خلف نظاراته الطبية لا تكشفان شيئاً. لا خير. لا شر. فقط الغموز. الغموز القانوني الذي يخفي وراءه النصوص والبنود والمواد والفقرات التي تبيع الروح دون أن تترك بصمة. "مش هاركب." عمر صوته كان حديدياً. يدا تحتضنان نور بقوة. كأنها قد تُخطف إذا خفف قبضته. كأن العالم كله يريد أن يسرقها منه. "مش هثق في حد تاني من القصر ده. أبداً. إنتوا كلكم... كلكم نفس الشيء. ورق. وفلوس. ودم." المحامي هز رأسه. بهدوء. كأنه يت

  • العشق الممنوع    (3)

    الزمن توقف. الرجل القناع يقف عند الباب. مسدسه موجه نحو صدر عمر. عيناه وحيدتا ما يمكن رؤيته من تحت القناع. عينان باردةتان. لا رحمة فيهما. لا إنسانية. فقط الأوامر. فقط القتل. الظلام وراءه يبدو أعمق من ذي قبل. كأن الشيطان نفسه يدخل الغرفة. عمر لم يفكر. بغريزة. بجنون. بقلب الأسد. رمى بنفسه فوق نور. جسده فوق جسدها. يحميها بالكامل. بكل ما لديه. بكل ما هو. بكل ما تبقى من روح. "إبعد!" صرخ المقدم طارق. مد يده نحو سلاحه. لكن القناع كان أسرع. طخ. صوت الرصاصة انشق الغرفة. ارتجفت الستائر. ارتجف عمر. لكنه لم يسقط. لم يشعر بألم. نظر. المقدم طارق كان ينظر إلى صدره. إلى البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر. إلى الدهشة التي لم يكن يعرف أنه يملكها. طخ. طخ. رصاصتان أخريان. طارق سقط. كالدمية. على الأرضية البيضاء. عيناه مفتوحتان. ينظران إلى السقف. ينظران إلى لا شيء. "لا!" صرخ المحقق رامي. انحنى خلف الكرسي. يهتز. يختبئ. يتجمد. القناع دخل. خطوة. خطوتين. المسدس لا يزال موجهاً. لكنه لم يعد يهتم برامي. يهتم فقط بالهدف. بالاثنين اللذين على السرير. بالرجل الذي يتجرأ على أن يكون درعاً. والمرأة التي يجب أن تمو

  • العشق الممنوع    (2)

    مرت أسبوع. أسبوع كامل من الانتظار. من الأمل والخوف. من اللحظات التي كانت فيها نور تصحو فتجده جالساً بجانبها. ومن اللحظات التي كانت فيها تغفو فتشعر بيده تلامس شعرها. بأصابعه تنسج خصلاتها السوداء كأنه يقرأ كتاباً قديماً. كتاباً لا يريد أن ينتهي. عمر لم يغادر المستشفى. لم يرجع إلى القصر. لم يرَ أمّه إلا مرة واحدة عندما جاءت فريدة بصحبتها. أم عمر كانت ضعيفة. تسير بعكاز. لكن عينيها... عينيها كانت تحملان ذلك النور الخاص بالأمهات. ذلك النور الذي يرى الحقيقة قبل أن تُقال. "دي بنتك؟" سألت وهي تنظر إلى نور نائمة. "مش... مش رسمي يا ماما. بس..." عمر توقف. ابتلع ريقه. "...بس هي كل حاجة." أم عمر ابتسمت. ابتسامة حزينة. عريقة. كأنها تذكرت شيئاً من ماضٍ بعيد. "اللي بيحب... بيعرف من أول نظرة. وأنا شايفة في عينيك... إنك عرفت." لم تقل أكثر. لم تسأل عن القصر. عن المال. عن العقد. لم تسأل عن شيء. فقط وضعت يدها على يد ابنها. ونظرت إلى نور. وهمست: "ربنا يشفيها. عشانك. وعشانها. وعشان... عشان الولاد اللي جايين." عمر احمرّ وجهه. لم يفهم كيف عرفت. كيف الأمومة تعرف دائماً ما لا يعرفه العقل. لكنه لم ينكر

  • العشق الممنوع    الفصل الخامس: عيناها

    (1) الساعات كانت تمر كالسنين. عمر لم يغادر الكرسي. لم يحرك يده من يدها. كأنها قد تختفي إذا تركها. كأنها قد تطير. كأنها مجرد حلم جميل يحتاج إلى لمسة مستمرة ليبقى حقيقياً. الأطباء جاؤوا ومشوا. الممرضات غيّروا المحاليل. فحصوا العيون. سمعوا القلب. نظروا إلى الشاشات. وكل مرة كانوا يخرجون بنفس التعبير: "ننتظر." انتظار. كلمة قاتلة. كلمة تفتح جروحاً وتتركها تنزف. كلمة تجعل الوقت يتوقف ويتجمد ويتحول إلى جليد يخنق. لكنه انتظر. منذ ثلاثة أيام. أو أربعة. لم يعد يعرف. لم يعد يفرق بين الليل والنهار. بين الضوء والظلام. بين الحلم واليقظة. العالم كان قد اختزل في هذه الغرفة. في هذا السرير. في هذه اليد الباردة التي كان يدفئها بلمساته. "النهاردة... جيتلك ورد." همس. صوته خشن. متشقق. من الجفاف. من البكاء. من الصراخ الداخلي الذي لا يتوقف. أخرج وردة. وردة حمراء. طازجة. اشتراها من بائع في بهو المستشفى. رجل عجوز نظر إليه بعينين حزينتين. كأنه يعرف. كأنه رأى هذا المشهد ألف مرة. "حمرة. زي الفستان اللي لبستيه يوم الفرح. يوم اللي كنتي فيه... ملكة. وكنت أنا... مجرد راجل مش عارف حاجة." وضع الوردة على الطاول

  • العشق الممنوع    (5)

    الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status