共有

(4)

last update 公開日: 2026-08-10 05:03:09

عمر جمد.

المطر كان يغسل وجهه. يغسل الدم. يغسل الغبار. يغسل كل شيء. لكنه لم يستطع أن يغسل الشك. الشك الذي يتسلل إلى قلبه كالسم البطيء. الشك الذي يقول له: "لا تثق. أبداً." لأن الثقة في هذا العالم كانت تساوي الموت. والموت كان قد لاحقه منذ أن وقع اسمه على ذلك الورق الأبيض في المكتب الفاخر.

السيارة السوداء كانت واقفة. محركها يدور بصوت خافت. كأنها تتنفس. كأنها حيوان مستعد للانقضاض. أضواؤها الأمامية كانت تُضيء المطر المتساقط بخيوط فضية باردة. خيوط تبدو كأنها أسلاك شائكة. كأنها سجن. كأنها دعوة إلى قبر آخر.

"إركب." المحامي كرر. ابتسامته لم تتغير. ثابتة. باردة. كأنها مرسومة على وجه من شمع. عيناه خلف نظاراته الطبية لا تكشفان شيئاً. لا خير. لا شر. فقط الغموز. الغموز القانوني الذي يخفي وراءه النصوص والبنود والمواد والفقرات التي تبيع الروح دون أن تترك بصمة.

"مش هاركب." عمر صوته كان حديدياً. يدا تحتضنان نور بقوة. كأنها قد تُخطف إذا خفف قبضته. كأن العالم كله يريد أن يسرقها منه. "مش هثق في حد تاني من القصر ده. أبداً. إنتوا كلكم... كلكم نفس الشيء. ورق. وفلوس. ودم."

المحامي هز رأسه. بهدوء. كأنه يتوقع هذا الرد. كأنه قد رأى هذا المشهد من قبل. رأى الرجال يترددون. يرفضون. ثم يسقطون. ثم أخرج شيئاً من جيبه الداخلي. ورقة. مطوية. بيضاء. لكنها لم تكن عادية. كانت تحمل ختم القصر. ختم السلطان. ذلك الختم الذهبي الذي كان يعني الموت أكثر مما يعني القانون.

"إنت وقعت عقد يا عمر. وفيه بنود... إنت ما تعرفهاش. بنود سرية. بتنشط في حالة معينة. حالة... مش متوقعة."

"إيه الحالة؟" عمر شعر بقلبه يدق بعنف. بشيء يتجمد في داخله. بشعور مقزز يقول له إن الورقة التي في يد المحامي... ستغير كل شيء. ستجعل القفص الذهبي... أصغر. أضيق. أكثر قتلاً.

المحامي فتح الورقة. أشار إلى بنود مطبوعة بخط صغير. خط يشبه الحشرات المتجمعه. يشبه النمل يتسلل على جثة.

"البند السري السابع: في حالة فقدان الأهلية القانونية للطرف الثاني - السلطان - ينتقل كل ممتلكاته إلى اسم الطرف الأول - نور - بشرط أن تكون متزوجة. والزوج... هو اللي بيدير. هو اللي بيتحكم. هو... اللي بيملك. كل حاجة. القصور. الشركات. الأرصدة في الخارج. الأسهم. حتى اللي تحت التراب."

صمت.

المطر كان يتساقط بغزارة الآن. يملأ الصمت بصوته الخافت. يقرع الأرضية كأن آلاف الأصابع تطرق على باب. باب المجهول. باب الخطر. باب الثروة التي تساوي الموت.

"أنا... أنا مالك؟" عمر صوته لا يتجاوز همس. همس رجل لا يصدق. رجل كان يملك دراجة نارية قديمة وديوناً تفوق حياته. والآن... الآن يملك عالماً بأكمله؟

"قانونياً. دلوقتي. في الورق. إنت مالك القصر. والفلوس. والشركات. والأسهم. كل حاجة. والسلطان... عارف كده. وعشان كده..."

نظر إلى الظلام. إلى الشارع الفارغ. إلى المطر الذي يخفي أعين القتلة.

"...عشان كده هيقتلك. مش بس عشان نور. عشان فلوسه. عشان ما يفضلش حاجة بره إيده. حتى من ورا القضبان. هو لسه عنده ناس. كتير. ناس بياخدوا الأوامر. ناس بيموتوا مقابل فلوس. وإنت دلوقتي... إنت الورقة الوحيدة اللي بتقف بينه وبين كل حاجة."

نور تحركت في ذراعيه. عيناها نصف مفتوحتان. تستمع. تفهم. ترتعب. يدها الصغيرة تبحث عن يده. تجده. تضغط. كأنها تقول: "أنا هنا." كأنها تبحث عن الحياة في لمسة.

"لا..." همست. صوتها كالرياح المريضة. "هو... هو عمل كده ليه؟ ليه ساب الفلوس باسمي؟"

"عشان يخبيها. عشان الضرائب. عشان المحاكم. عشان يخليها باسمكِ. ويفكر إن جوزكِ... هيموت زي اللي فاتوا. فالفلوس ترجع له. بس إنتِ... إنتِ اخترتي واحد مش زيهم."

نظر إلى عمر. نظرة غريبة. نظرة تحمل شيئاً يشبه الاحترام. شيئاً لم يكن يملكه من قبل.

"اخترتي واحد... ما ماتش."

عمر نظر إلى نور. إلى عينيها. إلى الضعف والقوة المتشابكين فيهما. إلى المرأة التي كانت ملكته. والآن... أصبح هو ملكها. بطريقة مقلوبة. بطريقة مجنونة.

ثم سمع صوتاً.

من ورائه. من المستشفى. صوت سيارات. كثيرة. تتوقف بعنف. أبواب تُفتح. أقدام ثقيلة. خطوات منتظمة. ليست خطوات إنقاذ. بل خطوات موت.

"إركب." المحامي صوته ارتفع. لكنه بقي هادئاً. قاتلاً. "دلوقتي. وإلا... مش هنلحق. دول مش شرطة. دول... دول ناس السلطان. وجايين يخلصوا المهمة."

عمر نظر إلى نور.

نور نظرت إليه. عيناها تحملان سؤالاً واحداً: "هل تثق؟"

وهمست:

"إركب."

لم يكن لديه خيار. لم يكن لديه طريق آخر. لم يكن لديه سوى هذه السيارة. وهذا المحامي. وهذه المرأة التي يحبها.

فتح باب السيارة الخلفي. وضع نور على المقعد. دخل بجانبها. أغلق الباب. الصوت كان نهائياً. كأنه قفل سجن. أو فتح باب.

المحامي ضغط على دواسة البنزين.

السيارة انطلقت. في المطر. في الظلام. في الشارع الفارغ. تلتفت. تدخل زقاقاً ضيقاً. تمر بين المباني القديمة. بين الأشباح. بين الذكريات.

عمر ينظر من النافذة الخلفية. يرى سيارات سوداء تتوقف عند مدخل المستشفى. يرى رجالاً يرتدون أسود ينزلون. يرى المحقق رامي يخرج بيد مرفوعة. يرى... لكنه لا يرى ما يحدث. لأن السيارة تلتفت بعنف. تدخل شارعاً آخر. تختفي. كأنها تذوب في المطر.

"إحنا رايحين فين؟" سأل عمر. صوته يرتجف. يده على يد نور. يدفئها. يحس بها.

"مكان آمن. مؤقت. لحد ما نخلص الورق. وننقل الفلوس. ونخلصك من العقد."

"وإزاي؟" عمر التفت إلى الأمام. ينظر إلى عيني المحامي في المرآة. "إزاي نخلص من العقد؟"

المحامي نظر إليه. عيناه تلمعان. كأنهما مصباحان في نفق.

"بنصيحة واحدة: تقتل العقد قبل ما العقد يقتلك."

عمر شعر بيد نور تبحث عن يده. تجده. تضغط. بضعف. بقوة. بكل ما تبقى.

كانا يجلسان في الخلف. متجاورين. المطر يقرع الزجاج. العالم يختفي خلف الستائر المائية. لا شيء يexists خارج هذه السيارة. لا شيء يهم. لا القصر. لا الفلوس. لا الموت. فقط هما. ويداهما المتشابكتان. وقلباهما اللذان يدقان كأنهما قلب واحد.

نور وضعت رأسها على كتفه. شعرها الأسود المبلل يلامس عنقه. رائحتها... رائحتها كانت مختلفة. ليست عطر القصر. بل رائحة المطر. رائحة الحياة. رائحة الحرية.

"أنا... أنا أسفة." همست.

"على إيه؟"

"عشان خليتك جزء من ده. عشان... عشان دلوقتي إنت هدف. زيي. أكتر مني. هم عايزين يقتلوك عشان تاخد حقهم. وعشان..."

توقفت. رفعت رأسها. نظرت إلى عينيه. وفي عينيها... شيء يشبه الدمع. لكنه لم يسقط.

"...وعشان أنا خليتك تحبني. وده... ده أخطر حاجة."

عمر نظر إليها. إلى وجهها المبلل بالمطر والعرق. إلى الندبة التي بدأت تظهر قرب كتفها. إلى العينين اللتين كانتا تخافان، لكنهما الآن... تبحثان عنه. تتشبثان به. تريان فيه ما لا يراه هو.

"أنا كنتِ هدف من أول يوم." قال. صوته ثابت. قوياً. أكثر قوة مما يشعر. "بس الفرق... إن دلوقتي، أنا عارف ليه. ومين. وهعمل إيه."

"وهتعمل إيه؟"

ابتسم. ابتسامة صغيرة. لكنها كانت تحمل شيئاً جديداً. شيئاً لم يكن موجوداً في الفقير الذي دخل القصر. شيئاً يشبه الأسد. يشبه الملك. يشبه الرجل الذي يعرف قيمته.

"هحميكِ. وهحمي أمي. وهخلص من العقد. وهخلص من أبوكِ. وهعيش..."

نظر إلى عينيها. إلى العسل. إلى الظلام. إلى النور.

"...هعيش معاكِ. حر. مش أسير. ولا مالك. ولا ضحية. هنعيش... زي الناس."

نور نظرت إليه.

وابتسمت.

ابتسامة حقيقية. لأول مرة منذ أن دخل حياتها. ابتسامة لا تحمل قناعاً. لا تحمل خوفاً. لا تحمل دموعاً محبوسة. تحمل فقط... الحب. الحب الذي يولد من الرماد. من الدم. من الموت.

لكن الابتسامة لم تدم.

لأن السيارة توقفت.

بعنف. بصوت فرامل تصرخ. بجسد يتقدم ثم يرتد.

والمحامي نظر إلى المرآة. وجهه شاحب. شاحب كالموت.

"لا..."

"إيه؟" عمر التفت. نظر من النافذة.

كانوا هناك.

سيارتان. سوداوان. تحاصرانهم من الأمام والخلف. مثل فكي كماشة. مثل قبضة الموت.

ورجال. ينزلون. في المطر. في الظلام. يقتربون. خطواتهم ثقيلة. منتظمة. لا يتأثرون بالمطر. لا يتأثرون بالبرد.

واحد منهم... كان يحمل شيئاً.

ليس مسدساً.

شيئاً أكبر.

أكثر خطورة.

قاذف لهب.

عمر شعر بعالمه يتقلص. يتحول إلى سيارة. إلى مقعدين. إلى امرأة يحبها. إلى لحظة. ربما الأخيرة.

احتضن نور. بقوة. بجنون. بكل ما لديه. بكل ما هو. بكل ما سيكون.

"مش هسيبك."

همس في أذنها. بينما العالم يحترق من حولهم. بينما المطر يتحول إلى بخار. بينما النار تتنفس في الظلام.

"حتى لو حرقوا الدنيا كلها... مش هسيبك."

نور احتضنته.

والمطر احتضنهم جميعاً.

قبل أن ينفجر النار.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • العشق الممنوع    (5)

    النار كانت تتنفس. الرجل الذي يحمل قاذف اللهب كان يقف على بعد أمتار قليلة من مقدمة السيارة. المطر يتساقط على الزجاج الأمامي بغزارة، لكنه لم يكن قادراً على إخفاء ذلك الضوء البرتقالي الذي بدأ يتسلل من فوهة السلاح. ضوء يشبه العين الشريرة. يشبه الجحيم. يشبه النهاية التي تأتي بالحرق لا بالرصاص. نهاية لا تترك وجهاً ليُخدش. بل تترك رماداً. تترك فراغاً. تترك نسياناً. المحامي مد يده نحو الدرج الأمامي. يبحث بأصابع مرتعشة. يبحث عن شيء. مسدس؟ لا. كان يبحث عن هاتف. أخرجه. ضغط على زر. تحدث بسرعة. بصوت خافت لا يصل إلى الخلف: "الموقع. دلوقتي. الطوارئ. نعم... أنا اللي بلّغت من قبل. والآن هم هنا. في الشارع الفلاني. بالقرب من المستشفى القديمة." ثم نظر إلى عمر في المرآة. عيناه تلمعان بالخوف. لكن أيضاً... بالعزم الغريب. بذلك الشيء الذي يشبه الندم المقترن بالتصميم. "أنا هنزل. هتكلم معاهم. إنتوا خليكوا هنا. ومهما شوفتوا... متتحركوش." "إنت مجنون؟" عمر صرخ. صوته يملأ السيارة الصغيرة. "دول جايين يقتلوا. مش هيتكلموا. مش هيسمعوا كلام محامي." "أنا... أنا مديون للسلطان بحياتي. بس دلوقتي..." المحامي ابتسم. ا

  • العشق الممنوع    (4)

    عمر جمد. المطر كان يغسل وجهه. يغسل الدم. يغسل الغبار. يغسل كل شيء. لكنه لم يستطع أن يغسل الشك. الشك الذي يتسلل إلى قلبه كالسم البطيء. الشك الذي يقول له: "لا تثق. أبداً." لأن الثقة في هذا العالم كانت تساوي الموت. والموت كان قد لاحقه منذ أن وقع اسمه على ذلك الورق الأبيض في المكتب الفاخر. السيارة السوداء كانت واقفة. محركها يدور بصوت خافت. كأنها تتنفس. كأنها حيوان مستعد للانقضاض. أضواؤها الأمامية كانت تُضيء المطر المتساقط بخيوط فضية باردة. خيوط تبدو كأنها أسلاك شائكة. كأنها سجن. كأنها دعوة إلى قبر آخر. "إركب." المحامي كرر. ابتسامته لم تتغير. ثابتة. باردة. كأنها مرسومة على وجه من شمع. عيناه خلف نظاراته الطبية لا تكشفان شيئاً. لا خير. لا شر. فقط الغموز. الغموز القانوني الذي يخفي وراءه النصوص والبنود والمواد والفقرات التي تبيع الروح دون أن تترك بصمة. "مش هاركب." عمر صوته كان حديدياً. يدا تحتضنان نور بقوة. كأنها قد تُخطف إذا خفف قبضته. كأن العالم كله يريد أن يسرقها منه. "مش هثق في حد تاني من القصر ده. أبداً. إنتوا كلكم... كلكم نفس الشيء. ورق. وفلوس. ودم." المحامي هز رأسه. بهدوء. كأنه يت

  • العشق الممنوع    (3)

    الزمن توقف. الرجل القناع يقف عند الباب. مسدسه موجه نحو صدر عمر. عيناه وحيدتا ما يمكن رؤيته من تحت القناع. عينان باردةتان. لا رحمة فيهما. لا إنسانية. فقط الأوامر. فقط القتل. الظلام وراءه يبدو أعمق من ذي قبل. كأن الشيطان نفسه يدخل الغرفة. عمر لم يفكر. بغريزة. بجنون. بقلب الأسد. رمى بنفسه فوق نور. جسده فوق جسدها. يحميها بالكامل. بكل ما لديه. بكل ما هو. بكل ما تبقى من روح. "إبعد!" صرخ المقدم طارق. مد يده نحو سلاحه. لكن القناع كان أسرع. طخ. صوت الرصاصة انشق الغرفة. ارتجفت الستائر. ارتجف عمر. لكنه لم يسقط. لم يشعر بألم. نظر. المقدم طارق كان ينظر إلى صدره. إلى البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر. إلى الدهشة التي لم يكن يعرف أنه يملكها. طخ. طخ. رصاصتان أخريان. طارق سقط. كالدمية. على الأرضية البيضاء. عيناه مفتوحتان. ينظران إلى السقف. ينظران إلى لا شيء. "لا!" صرخ المحقق رامي. انحنى خلف الكرسي. يهتز. يختبئ. يتجمد. القناع دخل. خطوة. خطوتين. المسدس لا يزال موجهاً. لكنه لم يعد يهتم برامي. يهتم فقط بالهدف. بالاثنين اللذين على السرير. بالرجل الذي يتجرأ على أن يكون درعاً. والمرأة التي يجب أن تمو

  • العشق الممنوع    (2)

    مرت أسبوع. أسبوع كامل من الانتظار. من الأمل والخوف. من اللحظات التي كانت فيها نور تصحو فتجده جالساً بجانبها. ومن اللحظات التي كانت فيها تغفو فتشعر بيده تلامس شعرها. بأصابعه تنسج خصلاتها السوداء كأنه يقرأ كتاباً قديماً. كتاباً لا يريد أن ينتهي. عمر لم يغادر المستشفى. لم يرجع إلى القصر. لم يرَ أمّه إلا مرة واحدة عندما جاءت فريدة بصحبتها. أم عمر كانت ضعيفة. تسير بعكاز. لكن عينيها... عينيها كانت تحملان ذلك النور الخاص بالأمهات. ذلك النور الذي يرى الحقيقة قبل أن تُقال. "دي بنتك؟" سألت وهي تنظر إلى نور نائمة. "مش... مش رسمي يا ماما. بس..." عمر توقف. ابتلع ريقه. "...بس هي كل حاجة." أم عمر ابتسمت. ابتسامة حزينة. عريقة. كأنها تذكرت شيئاً من ماضٍ بعيد. "اللي بيحب... بيعرف من أول نظرة. وأنا شايفة في عينيك... إنك عرفت." لم تقل أكثر. لم تسأل عن القصر. عن المال. عن العقد. لم تسأل عن شيء. فقط وضعت يدها على يد ابنها. ونظرت إلى نور. وهمست: "ربنا يشفيها. عشانك. وعشانها. وعشان... عشان الولاد اللي جايين." عمر احمرّ وجهه. لم يفهم كيف عرفت. كيف الأمومة تعرف دائماً ما لا يعرفه العقل. لكنه لم ينكر

  • العشق الممنوع    الفصل الخامس: عيناها

    (1) الساعات كانت تمر كالسنين. عمر لم يغادر الكرسي. لم يحرك يده من يدها. كأنها قد تختفي إذا تركها. كأنها قد تطير. كأنها مجرد حلم جميل يحتاج إلى لمسة مستمرة ليبقى حقيقياً. الأطباء جاؤوا ومشوا. الممرضات غيّروا المحاليل. فحصوا العيون. سمعوا القلب. نظروا إلى الشاشات. وكل مرة كانوا يخرجون بنفس التعبير: "ننتظر." انتظار. كلمة قاتلة. كلمة تفتح جروحاً وتتركها تنزف. كلمة تجعل الوقت يتوقف ويتجمد ويتحول إلى جليد يخنق. لكنه انتظر. منذ ثلاثة أيام. أو أربعة. لم يعد يعرف. لم يعد يفرق بين الليل والنهار. بين الضوء والظلام. بين الحلم واليقظة. العالم كان قد اختزل في هذه الغرفة. في هذا السرير. في هذه اليد الباردة التي كان يدفئها بلمساته. "النهاردة... جيتلك ورد." همس. صوته خشن. متشقق. من الجفاف. من البكاء. من الصراخ الداخلي الذي لا يتوقف. أخرج وردة. وردة حمراء. طازجة. اشتراها من بائع في بهو المستشفى. رجل عجوز نظر إليه بعينين حزينتين. كأنه يعرف. كأنه رأى هذا المشهد ألف مرة. "حمرة. زي الفستان اللي لبستيه يوم الفرح. يوم اللي كنتي فيه... ملكة. وكنت أنا... مجرد راجل مش عارف حاجة." وضع الوردة على الطاول

  • العشق الممنوع    (5)

    الأبيض كان يؤلم عينيه. أبيض مطبق. أبيض يخنق. أبيض لا ينتهي. عمر فتح عينيه بصعوبة. رموشه ثقيلة كأنها مصنوعة من رصاص. السقف أبيض. الجدران بيضاء. الستائر بيضاء. حتى الهواء الذي يدخل أنفه يبدو أبيضاً. معقم. بارد. ميت. المستشفى. حاول أن يتحرك. رأسه انفجر بالألم. كأن أحدهم يحفر داخل جمجمته بمثقاب. تنهد. سقط رأسه على الوسادة. الوسادة ناعمة. ليست وسادة قصر. بل وسادة مستشفى. رائحة الكلور ثقيلة. تغطي كل شيء. تغطي الذكريات. تغطي الدم. تغطي رائحة نور. نور. الاسم صدمه كالكهرباء. جلس فجأة. بعنف. العالم يدور. يتقلص. يصبح داكناً. ثم يعود. "نور..." صوته كان خشناً. كأنه لم يستخدمه منذ أيام. "نور فين؟" "لازم ترتاح." صوت. من الزاوية. رجل. ثلاثيني. يرتدي زي طبيب أبيض. نظارات طبية. عينان حزينتان. يشبه فريدة. يجب أن يكون ابنها. "نور... هي كويسة؟" الطبيب سكت. نظر إلى الملف في يده. ثم إلى عمر. عيناه تحملان خبراً. خبراً لا يريد أن يقوله. "عايشة. العملية... نجحت. الرصاصة ما خرقتش القفص الصدري. بس..." "بس إيه؟" "بس فقدت دم كتير. وجسمها كان ضعيف. هي... في غيبوبة." غيبوبة. الكلمة كانت ثقيلة. أثقل م

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status