LOGIN
كانت عيناها تراقبانهما من بعيد، تلك العينان العسليتان اللتان امتلأتا ببريق دموع محبوسة وهي تراه يقف مع أمل، حبه الأول والأخير. بعد زواجها الإجباري منه، كانت تقنع نفسها في كل ليلة بأنه قد يحبها يوماً ما، وبأن دفء حضورها سيمحو أثر الماضي، لكن الآن، وهي تراهما يتبادلان الضحكات والنظرات الهامسة، شعرت بشرخ عميق في قلبها، وتأكدت أن حلمها قد يبقى سراباً مهما اقتربت منه.
تراجعت إلى الخلف وهي تكتم غصتها، وسارت بخطى مترنحة لا تعلم إلى أين تذهب. كانت في بيت جدها الكبير، فتوجهت غريزياً إلى المكان الوحيد الذي تستطيع أن تبكي فيه بحرية . غرفتها القديمة التي عاشت فيها قرابة اثنتين وعشرين سنة قبل أن يربط الجد مصيرها بابن عمها وحب حياتها، ريان. كان ريان بالنسبة للين هو المبتدأ والمنتهى، غير أنه أُجبر على هذا الزواج إرضاءً لقرار الجد الصارم، أما هي فلم ترفض، بل وافقت بكبرياء عاشق يؤمن بأن اللامبالاة ستذوب يوماً تحت سطوة الحب، لكن الواقع الليلة صدمها بقسوة. وبينما كانت تسير وعيناها غارقتان بالدموع، اصطدمت فجأة بجسد عريض صلب، وانبعثت منه رائحة عطر رجالي مألوفة وجذابة. جفلت ورفعت رأسها لتجد أمامها ابن عمتها، خالد. كان خالد من أقرب الناس إليها منذ الصغر، وكان الوحيد الذي جاهر برفضه لهذا الزواج لعلمه بطبع ريان الحاد، لكنه لم يفلح في إقناع جده. نظر خالد إلى لين ورأى العبرات المتلألئة على وجنتيها، فقبض على يدها بلمسة حانية متسائلاً بقلق: _ لين! ماذا أصابكِ؟ لا أحتمل رؤيتكِ هكذا! أجابت بصوت متقطع، وهي تحاول سحب يدها: _ لا شيء... ألم مفاجئ في رأسي فقط. وآسفة إن أزعجتك، لم نلتقِ منذ زمن طويل ولم أكن أريد أن أراك بهذا الوجه الحزين. ابتسم خالد ابتسامة صغيرة دافئة لم تخلُ من الشك، لكنه لم يضغط عليها، بل اصطحبها بلطف إلى مقعد خشبي في زاوية الحديقة الهادئة. جلسا يتبادلان الأحاديث المسترسلة واسترجاع ذكريات الطفولة المشاغبة، وسرعان ما وجدت لين نفسها تنجرف مع دعاباته، لتتناسى غصتها لبعض الوقت وتتعالى ضحكاتها العفوية في الأرجاء. في تلك الأثناء، كان ريان قد أنهى حديثه مع أمل وهمَّ بالمغادرة, لكن أمل قبضت على رسغ يده قائلة بنبرة رجاء: _ ريان، لا يزال الوقت مبكراً، ابقَ معي قليلاً... لنستعد ما عشناه. سحب ريان يده بحركة سريعة وحاسمة، وقال بصوت حاد ومنخفض: _ أمل، التزمي حدودكِ. أنا رجل متزوج الآن، وأرجو ألا تتكرر هذه الحركات. قالت أمل وعيناها تلمعان بالغل والحزن: _ متزوج؟ هل تعترف بلين زوجةً لك حقاً؟ هل نسيت أنها السبب في الفراق الذي نعيشه؟ لو لم تفرض نفسها على العائلة لكنت أنا من يقف بجانبك الآن! رفع ريان حاجبيه واشتعلت عيناه بغضب مكتوم، وتقدم منها خطوة مهددة قائلاً: _ كان ذلك في الماضي يا أمل. ولا تذكري ابنة عمي على لسانكِ بهذه الطريقة. لين أصبحت زوجتي، وصحيح أن الزواج كان بقرار عائلي، لكنها تحمل اسمي وعرضي الآن. أنهى كلماته الصارمة واستدار مغادراً بخطى واسعة. وعندما عاد إلى البهو الداخلي المؤدي إلى الحديقة، وقعت عيناه على لين وخالد وهما يتبادلان الضحكات العالية. كان يعلم بصلة الصداقة القوية التي تجمعهما منذ الصغر، لكن رؤيتها تمنح خالد تلك الابتسامة المشرقة التي لم يظفر بها يوماً في بيتهما، أشعلت في صدره فتيل غيرة لم يفهم سببها. اتجه نحوهما بخطى واثقة، وقبل أن تستوعب لين وجوده، قبض على معصمها بقوة وسحبها خلفه معلناً المغادرة. غير أن خالد وقف مستنكراً وأوقفه بحدة: _ ريان! لم نلتقِ منذ أشهر، وتغادر الآن دون أن تلقي التحية حتى؟ التفت ريان، وكانت نظراته حادة كالشفرة، بما يكفي لقطع أي نقاش، وأجاب بنبرة حازمة: _ أعلم يا ابن عمتي، لكن لدي أمر طارئ وخاص جداً أريد مناقشته مع زوجتي في غرفتنا، ثم نعود إليكم. لم يترك مجالاً لخالد للرد، وسحب لين خلفه التي كانت تحاول مواكبة خطواته السريعة حتى وصلا إلى الجناح المخصص لهما في الطابق العلوي من منزل الجد. ما إن أُغلق الباب بعنف حتى نفضت لين يدها من قبضته وقالت بانزعاج ظاهر وهي تفرك معصمها المحمر: _ ماذا تظن نفسك فاعلاً؟ لقد آلمتني بتصرفك الهمجي هذا! رفع حاجبيه ببرود يخفي خلفه بركاناً ثائراً، واقترب منها ببطء حتى تراجعت بضع خطوات لتلتصق بزاوية الجدار. وضع ريان يديه على الحائط من خلفها، محاصراً إياها بالكامل، وهبط بجسده قليلاً ليصبح بمستواها، هامساً بنبرة رجولية حادة: _ وماذا توقعتِ مني أن أفعل؟ أرى زوجتي تتمايل وتبتسم لرجل آخر وأقف متفرجاً؟ قالت باستغرب وتحدٍّ: _ رجل آخر؟ هل تقصد خالد؟ إنه ابن عمتي وأخي الذي لم تَلده أمي! لم يرق له تبريرها، فازداد اقتراباً حتى شعرت بدفء أنفاسه يلفح وجهها، وانخفضت يداه لتقبضا على خصرها بنعومة دقيقة لكن حازمة، جاذباً إياها إليه أكثر حتى تلاقت أجسادهما واختلطت أنفاسهما المتسارعة. همس أمام شفتيها مباشرة بصوت أجش: _ لا يهمني من يكون... لا أريد أن أرى هذه الضحكات تُمنح لغيري، وخاصة خالد. أم أنكِ تحتاجين مني إثباتاً عملياً بأنني زوجكِ؟ اتسعت عيناها العسليتان بدهشة وارتجف جسدها لشدة قربه الجريء: _ ماذا تقصد؟ انحنى أكثر وكأنه يوشك على التهام شفتيها في قبلة عاصفة، لكن كبرياءها انتفض في اللحظة الأخيرة، فوضعت يديها على صدره العريض ودفعته بكل ما أوتيت من قوة قائلة بأنفاس متلاحقة: _ ابتعد عني! هذا زواج إجباري على الورق فقط، فلا تتعدى حدودك معي!تنفّس خالد بعمق وكأنه يحاول تهدئة القلق الذي بداخله، لكن ملامحه بقيت مشدودة ولم تختفِ آثار التوتر من عينيه. في تلك اللحظة، رنّ هاتفه، فنظر إليه بسرعة، ثم أجاب بجفاف:_ نعم؟جاءه صوت الطرف الآخر يبلّغه بأن مقابلات العمل جاهزة، فأجاب خالد دون تردد وبنبرة حازمة:_ أجّلها جميعاً.ساد صمت قصير من الطرف الآخر، ثم أضاف المتصل:_ حاضر.أغلق خالد الهاتف، ثم بقي واقفاً في مكانه للحظة، ينظر نحو باب الغرفة بصمت ثقيل، وكأن كل ما يهمه الآن ليس العمل ولا المواعيد، بل الاطمئنان على نور فقط. بعد أن اطمأنوا على نور، اتجه خالد إلى غرفته، وعادت لين لتبقى بقربها، بينما ذهب ريان إلى عمله.نامت نور، ثم استيقظت فجأة وهي تلهث بعد أن رأت كابوساً مرعباً فيه سيف، ففتحت عينيها بسرعة، وقلبها يخفق بقوة، ثم أخذت نفساً عميقاً عندما أدركت أن ما رأته كان مجرد حلم. نظرت حولها، فوجدت أن الليل قد حلّ، ورأت لين نائمة بجانبها، فبقيت لحظات تحاول تهدئة نفسها، ثم نهضت بهدوء حتى لا توقظها، وتوجهت إلى المطبخ لتشرب الماء.في تلك اللحظة، كان خالد مستيقظاً في المنزل، فسمع حركة خفيفة في الممر، وانتبه فوراً، ثم خرج من غرفته متجه
اقترب منها بخطوات حذرة للغاية، ثم انحنى قليلًا على ركبتيه نحوها، خالعاً سترته الجلدية السوداء الثقيلة، محاولاً تهدئتها والاقتراب دون أن يزيد من خوفها أو يذعرها.قال بصوت منخفض جداً، دافئ ومهتز من شدة التأثر:_ نور… اهدي ، انتهى كل شيء، أنا هنا بجانبكِ، لن أسمح لأي كلب في هذا العالم أن يؤذيكِ أو يلمس خصلة من شعركِ بعد الآن... أنتِ بأمان معي.لكن نور لم تستطع الرد أو النطق، بل ازدادت شهقات بكائها وعويلها، ودفنت وجهها بين ذراعيها المرتجفتين أكثر، رافضة رؤية العالم.أخرج خالد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة بكلمات حازمة وصارمة من أجل أخذ سيف وتوجيه تهمة الشروع في الاغتصاب المشهود له، ثم التفت لنور برقة متناهية. وضع سترته الثقيلة الكبيرة حول جسدها وغطى به ثيابها الممزقة بالكامل، ثم انحنى وحملها برفق وأناة بين ذراعيه القويتين، ممسكاً بها بقوة لتستمد الأمان من صدره العريض، ووضعها في الكرسي الأمامي للسيارة بحذر، وقفل الأبواب. ثم اتجه بسيارته بسرعة نحو منزل العائلة الكبير لأنه ببساطة لا يعرف عنوان منزلها ولا يمكنه تركها في هذه الحالة المرعبة وحدها.في تلك اللحظة بالقصر، كانت لين تجلس في الحديقة
رفعت نور ذقنها بثبات وتحدٍّ، رغم أن قلبها كان يخفق برعب وقوة كاد يخرج من صدرها، وقالت بصوت قاطع:• انتهى كل شيء وبلا عودة يا سيف... ولن أعود إليك مهما فعلت وتوسلت، لقد قذفتك من حياتي!سخر سيف وارتسمت على شفتيه ابتسامة مقرفة، وقال ببرود مقزز:• أتظنين أنكِ بريئة؟ ثم ما المشكلة إن كنت في السرير مع فتاة أخرى؟ نحن لم نتزوج بعد كعقد رسمي، ويمكنني قانوناً وفعلياً أن أفعل ما أشاء مع أي عاهرة، ولا يحق لكِ التدخل في حياتي أو محاسبتي!ثم اقترب منها خطوة إضافية خبيثة، وأضاف بنبرة حادة ومهينة:• ثم إنكِ أنتِ معقدة، ولا تسمحين لي حتى بالاقتراب منكِ أو لمسكِ طوال فترة الخطوبة... فماذا كنتِ تنتظرين مني كأيقونة صامتة؟ أن أترهب؟ثم قال بحدة قذرة وعينيه تتفحصان جسدها:• لا تقولي إنكِ كنتِ تحافظين على نفسكِ الشريفة من أجلي... بل كنتِ تدخرينها لرجل آخر وتتمنعين عليّ!اتسعت عينا نور من شدة الصدمة والذهول بعد سماع كلماته الطاعنة في شرفها، وشعرت برغبة في البكاء من وقاحته. لكنه لم يعطها فرصة، بل اقترب منها أكثر وبسرعة فائقة، وحاصر خصرها بذراعه القوية، وانحنى نحو أذنها وه
اقترب ريان منها وربت بخفة وحنان على رأسها ممرراً أصابعه في شعرها قائلاً:• يبدو أنكِ لا تستطيعين التوقف عن المشاغبة والتدخل في حياة الآخرين أيتها الطفلة.رفعت لين ذقنها بتكبر مصطنع ودلال أثار جنونه:• أنا لا أتدخل... أنا فقط أصنع النهايات السعيدة للعشاق.ابتسم ريان وهو ينظر إلى شفتيها الكرزيتين بإعجاب وشغف كبيرين، ثم قال بصوت أجش:• آمل فقط ألا تنتهي خطتكِ الذكية بكارثة عائلية.ضحكت لين بثقة مطلقة وقالت:• مع وجود ذكائي؟ مستحيل تماماً.اقترب ريان منها ببطء شديد، حتى لم يعد يفصل بين وجهيهما سوى مسافة صغيرة تكاد تنعدم. نظر إلى عينيها العسليتين الشغوفتين للحظات، ثم رفع يده برقة يزيح خصلة متفلتة من شعرها الغجري خلف أذنها.همس بصوت هادئ ومثير أرسل قشعريرة في جسدها:• يبدو أن غيرتي البارحة وغضبي كانا بلا سبب وعملا غباءً... اعتذر منكِ يا زوجتي الجميلة.ابتسمت لين بخجل وود، ولم تبتعد هذه المرة بل استسلمت لقربه. اقترب أكثر، ووضع يده خلف رأسها، ثم طبع قبلة رقيقة، دافئة ومليئة بالاعتذار والشوق على شفتيها الناعمتين. أغمضت لين عينيها، ولم تمنعه ه
سعل خالد بخفة وبحرج واضح وقال:• يبدو أنني تذكرت خطأ... جدول أعمالي فارغ تماماً اليوم. أخبريني بسرعة، أين هي بالضبط؟ضحكت لين أخيراً وقالت بانتصار:• كنت أعلم تماماً أنك ستقع في الفخ من أول كلمة!تنهد خالد باستسلام تام أمام مكرها:• يكفي سخرية أيتها المشاغبة، أخبريني أين هي ودعينا من كلامكِ.ابتسمت لين بانتصار وقالت:• الشاطئ الغربي، تجلس قرب الصخور... لا تتأخر، لكن تذكر، هي لا تعلم أنك قادم، فلا تفسد الأمر.قال خالد بنبرة قوية وثقة:• ممتاز... وداعاً الآن.وأغلق الخط بسرعة فائقة. نظرت لين إلى شاشة الهاتف وهي تضحك بهستيرية خفيفة، ثم همست لنفسها بشرر ومكر:• الآن... لنرَ ماذا سيحدث بين هذين الاثنين، ستكون بداية مشوقة.استيقظ ريان على همساتها وحركتها بجانبه، ففتح عينيه ببطء ونظر إليها بنعاس وجاذبية رجولية قائلاً بصوت مبحوح:• هل أنتِ بخير الآن؟ هل خف الوجع؟ابتسمت لين ابتسامة خفيفة وصادقة، وأومأت برأسها:• نعم... أنا بخير تماماً، بفضلك.وقعت عيناه فجأة على شاشة هاتفها التي لم تنطفئ بعد، فرأى اسم "خالد" ما يزال ظاهراً في قائمة المكالمات الأخيرة بعد انتهاء الاتصال. في ثانية واحدة،
اتسعت عيناه برعب وقلق حقيقيين، فانحنى أمامها بسرعة على ركبتيه وجذبها إليه قائلاً بصوت متهدج:• لين... ماذا بكِ؟ تكلمي، أخفتِني! هل أنتِ مريضة؟رفعت رأسها بصعوبة بالغة، ونظرت إليه بعينين ذابلتين، وهمست بين أنفاسها المتقطعة والباكية:• بطني... يؤلمني كثيراً... لا أحتمل...ازداد قلقه وتملكه الذعر، ومد يديه ليقودها قائلاً بحزم وخوف:• هيا، سنذهب إلى المستشفى حالاً، سأحملكِ!هزت رأسها بالنفي بسرعة وهي تحاول التقاط أنفاسها وسط خجلها الشديد منه:• لا... لا داعي للمستشفى... إنها... الدورة الشهرية فقط.تجمد ريان في مكانه للحظة، واستوعب طبيعة الأمر، وفهم سبب الألم الشديد، لكن رؤيتها تبكي وتتألم بهذه الطريقة المأساوية لم تطمئن قلبه أبداً. قال بنبرة هادئة ودافئة للغاية، خالية من أي أثر لغضب الأمس:• حتى لو كان السبب معروفاً وطبيعياً، لا يجب أن تتحملي هذا الألم الفظيع وحدكِ وأنتِ على البلاط البارد.ثم انحنى، وحملها برفق شديد بين ذراعيه العريضتين، كأنها قطعة من الزجاج الثمين يخشى عليها أن تنكسر من أقل لمسة. شهقت لين بخفة من المفاجأة، وقالت بنبرة خجولة وصوت مبحوح:• ريان... أنزلني أرجوك، أستطيع







