ログインتوقف ريان، وارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة ساخرة ومليئة بالتحدي، ونظر في أعماق عينيها قائلاً:
_ ومن قال لكِ إنني مجبر؟ ومن أخبركِ أنه مجرد عقد على ورق؟ لم أقترب منكِ ليلة الزفاف لأنني احترمت رغبتكِ وظننتكِ غير مستعدة، فهل تفسرين احترامي لكِ بأنه برود؟ ثم انحنى برأسه نحو أذنها، ولامست شفتاه شحمة أذنها بخفة وهو يهمس بصوت منخفض ومثير أرسل قشعريرة في كامل جسدها: _ عندما أقرر أن أجعل هذا الزواج حقيقياً بكل تفاصيله... سأفعل، ولن تمنعني ورقة أو جدار. استدار وخرج من الغرفة تاركاً الباب خلفه موارباً، بينما سقطت لين على السرير وهي تلتقط أنفاسها المسلوبة، وقلبها يقرع كطبول الحرب. أطلقت ضحكة قصيرة ممتزجة بالبكاء والألم وهي تفكر في كلماته؛ كيف يتحدث بهذه الثقة وكأنه يملك زمام مشاعرها؟ يقول إنه يحترم رغبتها، وهو لا يعلم أن رغبتها الوحيدة منذ الطفولة كانت هو! لو اقترب خطوة واحدة صادقة لسلمته قلبها دون تردد... لكن طيف أمل كان لا يزال يقف حائلاً بينهما. ومع هذه الأفكار، استسلمت لبكاء مرير حتى غلبها النعاس بثيابها. استيقظت لين لاحقاً على صوت طرقات خفيفة ومستمرة على الباب، وفي الوقت نفسه كان صوت تدفق المياه يتردد من الحمام الداخلي، فعلمت أن ريان قد عاد ودخل ليستحم. نهضت بتعب وفتحت الباب، لتجد عمتها ياسمين والدة خالد تقف بابتسامتها المعهودة: _ صباح الخير يا عروس، الجد يطلبكما على مائدة الفطور في الأسفل. ابتسمت لين بحرج وقالت: _ صباح النور عمتي، سننزل فوراً بمجرد أن ينتهي ريان من الاستحمام. نظرت إليها ياسمين بنظرة ماكرة ومحملة بالغمز واللمز اللطيف، وقالت بصوت منخفض: _ لقد أخبرت والدي أنكما لا تزالان في أيامكما الأولى ولا نريد إزعاجكما، لكنه أصر. اعذرونا يا ابنتي. ثم غمزت لها غمزة ذات مغزى وغادرت. فهمت لين مقصد عمتها التي تحبها وتعتبرها بمثابة والدتها الراحلة، فابتسمت بخجل وأغلقت الباب. اتجهت نحو الخزانة بسرعة لتبديل فستانها المجعد، لكن الباب انفتح فجأة ليخرج ريان من الحمام. تجمّدت في مكانها؛ كان ريان يلف منشفة بيضاء حول خصره فقط، بينما كانت قطرات الماء الدافئة تنساب ببطء على صدره العريض العاري وتقاطيع جسده الرياضي، وشعره الأسود يقطر بللاً. احمر وجه لين بعنف، ورفعت يديها لتغطي عينيها قائلة بتلعثم وخجل: _ ريان! ألا يمكنك ارتداء ملابسك داخل الحمام؟ سمعت خطواته تقترب ببطء، ورائحة الصابون الرجالي المنعش والدافئ تملأ المساحة بينهما. لم تشعر إلا بجسده يلتصق بها مجدداً، ضاغطاً إياها خفيفة نحو حافة الخزانة. قبض على رسغيها وأبعد يديها عن وجهها برفق، لتلتقي عيناها بعينيه الماكرتين المليئتين بالجاذبية: _ ولماذا أرتديها في الداخل والغرفة غرفتي؟ أولستِ زوجتي ويحق لي ما لا يحق لغيري؟ حاولت الإفلات وهي تشعر بحرارة جسده تنعكس عليها: _ لا يهم! جدي ينتظرنا في الأسفل ولا يمكننا التأخر أكثر. انحنى ريان قليلاً، ولامس بجبينه جبينها في حركة جريئة مفاجئة، وهمس: _ وماذا لو تأخرنا قليلاً؟ هل سيغضب الجد من عريسين؟ شعرت لين أن ركبتيها لم تعودا قادرتين على حملها من فرط التوتر والإثارة، فدفعته بخفة وأفلتت من تحت ذراعه قائلة بنبرة حازمة مستعجلة: _ نحن متأخرون بالفعل! ارتدِ ثيابك وانزل، سأسبقك. خرجت بسرعة من الغرفة وهي تغلق الباب خلفها لتستند عليه وتتنفس الصعداء، بينما في الداخل، اكتفى ريان بابتسامة انتصار وسيمة وهو يدرك تماماً مدى تأثيره عليها. في الأسفل، كانت العائلة مجتمعة، وكانت أمل تجلس بذكاء بجوار الجد لتبدو مقربة. أرادت لين إثبات حضورها وإشعال غيظ أمل، فجلست في المقعد المقابل لها تماماً بكبرياء وثقة. بعد لحظات نزل ريان وجلس بجانب لين، وبدأ يسكب لها العصير ويهتم بطلبها أمام الجميع. استغلت لين الموقف وأخذت تتبادل الضحكات والأحاديث العذبة مع الجد، بينما كانت أمل ترمقها بنظرات حارقة كالجمر. بعد انتهاء الفطور، غادر ريان إلى مكتب المحاماة الخاص به، وقضت لين يومها مع العائلة حتى شعرت بصداع خفيف جعلها تنام باكراً وتستيقظ مع خيوط الشمس الأولى لليوم التالي. خرجت لين إلى حديقة القصر الواسعة لتستنشق الهواء النقي، كانت تتجول بين شجيرات الياسمين براحة، لاتفاجأ بوقع خطوات خلفها. التفتت لتجد ريان يقف هناك مبتسماً بابتسامة لطيفة لم تعهدها من قبل: _ ها أنتِ ذي أيتها الطفلة الصغيرة! لقد بحثت عنكِ في الغرفة ولم أجدكِ. ابتسمت لين برقة وقالت وهي تضع يديها في خصريها: _ طفلة صغيرة؟ انظر من يتكلم! الفارق بيننا أربع سنوات فقط أيها المحامي الكبير. خطا نحوها وقال مداعباً: _ وستبقين صغيرة ومدللة في نظري مهما كبرتِ. رفعت يدها وضربته بخفة ودلال على صدره قائلة: _ لستُ صغيرة! قبض على يدها المرفوعة وضحك بصوت رجولي دافئ: _ حسناً، لستِ صغيرة، لكن هذا يُعتبر اعتداءً سافراً على رجل قانون!ثم قالت بصوت منخفض، حاولت فيه استعادة توازنها وشجاعتها:• خالد ليس "أي رجل"... هو ابن عمي، وأنت تعرف ذلك جيداً.ساد الصمت للحظة ثقيلة في أرجاء الغرفة. كان ريان يحدق في عمق عينيها، وأنفاسه ما تزال متسارعة، بينما بدأت حدة غضبه تخف تدريجياً أمام نظرات عتابها النقية، لكنها لم تختفِ تماماً... وكأن شيئاً داخله بدأ يتصارع بعنف بين الغيرة المجنونة وصوت العقل.فأجاب ريان بغضب يحاول كتمه للحظات:_ حسناً.ثم استدار فجأة، وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة أحدثت صدى كبيراً.وقفت لين مكانها تجمدت في زاوية الجدار، تحدق في الباب المغلق، وقلبها مليء بالأسئلة والحيرة. لم تفهم سبب غضبه المبالغ فيه، ولم تعتد أن ينتهي أي خلاف بينهما بهذه الطريقة الصامتة والقاسية.في الخارج، كان ريان يسير في الممر بخطوات سريعة وصدره يغلي، يحاول أن يهدأ، لكن الغضب والتملك كانا ما يزالان يسيطران عليه. لم يتوقف أو يلتفت لأحد حتى وصل إلى السيارة، ففتحها بعنف وجلس خلف المقود، ثم غادر المكان بسرعة جنونية دون أن ينظر وراءه.أما لين، فتقدمت بخطى مترنحة وجلست على السرير بصمت، تفكر في كل ما حدث وجسدها ما زال يرتجف. كان هذا
• أووه... إذًا الأمر ليس من أجلي.احمر وجه خالد وقال بسرعة:• لا... أعني... أنتِ أيضًا كلي منها إن أردتِ.ضحكت لين وقالت:• يا سلام! اشتريت ثلاجة كاملة من الحلوى فقط لأن نور قالت إننا لا نملك مثلجات؟تنهد خالد باستسلام وقال:• هل ستساعدينني أم ستظلين تسخرين مني؟اقتربت منه لين وهي تكتم ضحكتها، ثم قالت:• سأساعدك... لكن بشرط.نظر إليها بتوجس.• أي شرط؟ابتسمت بخبث وقالت:• عندما تصبح نور زوجتك، لا تنسَ أن تخبرها أن فكرة جمعكما كانت فكرتي.فتح خالد عينيه بصدمة وقال:• زوجتي؟! يا فتاة، أنا فقط أريدها أن تأتي!ضحكت لين بصوت عالٍ وهي تقول:• نعم نعم... "فقط تأتي"، وبعدها لكل حادث حديث.زفر خالد وهو يهز رأسه بيأس، بينما كانت لين تضحك على ارتباكه، وقد تأكدت أخيرًا أن ابن عمها وقع في الحب من أول لقاء.نظرت لين إليه مرة أخرى، ثم رفعت هاتفها أمامه وهي تبتسم بمكر وقالت:• إن كنت تريد إرسال رسالة لها... فافعلها بنفسك.وما إن أنهت كلامها حتى أخفت الهاتف خلف ظهرها.اتسعت عينا خالد وقال:• لين... أعطني الهاتف.هزت رأسها وهي تضحك:• مستحيل.اقترب منها محاولًا أخذه، لكنها ابتعدت بسرعة وهي تخفيه أكثر.
تنهد ريان وهو يحاول إخفاء ارتباكه، ثم قال ببرود مصطنع:• كنت أظن أن هناك مكروهاً أصابها. رفع خالد حاجبه بمكر وقال:• نعم... وهذا هو الحب بعينه. رمقه ريان بنظرة حادة جعلت خالد يرفع يديه مستسلماً وهو يضحك:• حسناً، حسناً... لن أقول شيئاً آخر.صحيحٌ أن خالد كان رافضًا زواجهما منذ البداية، فهو يعرف جيدًا أن ريان صعب الإرضاء، ويعلم أيضًا أنه كان يحب أمل، لذلك لم يكن يتوقع يومًا أن يرى كل هذا الاهتمام الذي أصبح يُظهره تجاه لين.وفجأة تذكر نور، فنزل مسرعًا إلى الأسفل على أمل أن يجدها، ولحقه ريان بهدوء.في الأسفل، كانت لين تجلس على مائدة الإفطار ترتشف كوب القهوة .نظر إليها خالد بسرعة وقال، وهو يحاول أن يبدو غير مبالٍ:• انظري من يجلس وحده... أين نصفكِ الثاني؟كان يقول ذلك فقط ليخفي السبب الحقيقي لسؤاله، وهو رغبته في معرفة أين ذهبت نور.رفعت لين رأسها إليه وقالت ببساطة:• لقد غادرت.تجمد خالد في مكانه، واختفت ابتسامته للحظة.• غادرت؟! ومتى؟كاد يكمل أسئلته، لكن صوت ريان قاطعه وهو يجلس إلى جوار لين قائلاً بارتياح:• هذا جيد... الآن أستطيع النوم في غرفتي أخيرًا.ابتسمت لين بخفة وقالت وهي ترف
رفع خالد رأسه وهو يفرك مؤخرة رأسه وقال بتذمر:هذا ظلم! ابتسم ريان ابتسامة خفيفة وقال:ولو كانت الحياة عادلة حقاً، لكنت أنا الآن بجانب زوجتي، لا أنت. انفجر خالد ضاحكاً وهو ينهض عن الأرض وقال:يبدو أننا نحن الاثنين ضحيتا الآنسة نور. ثم جلس على طرف السرير وأضاف بمكر:أظن أن نور فتاة خطيرة… لا بد أنها أقنعت لين بطردك من الغرفة. وأخذ يضحك بصوت عالٍ. رمقه ريان بنظرة حادة جعلت ضحكة خالد تخفت تدريجياً، وقال وهو يرفع يديه باستسلام:حسناً… لن أقول شيئاً آخر. وفي تلك اللحظة، انطلقت من غرفة ريان أصوات موسيقى مرتفعة، تبعها ضحكات لين ونور التي كانت تُسمع بوضوح في أرجاء المنزل. ابتسم خالد وقال وهو يهز رأسه:يبدو أن الحفلة بدأت هناك. أما ريان، فتنهد وهو ينظر نحو الباب، ثم تمتم بنبرة تجمع بين الضيق والابتسام:هذه الفتاة ستفقدني صوابي يوماً ما. ضحك خالد مجدداً وقال:أيهما تقصد؟ زوجتك أم صديقتها؟ نظر إليه ريان بصمت، فابتلع خالد ضحكته بسرعة وقال:حسناً… فهمت، لن أمزح أكثر.ثم ارتمى خالد على السرير مرة أخرى، وما لبث أن غلبه النعاس. وفي الساعة الثالثة فجراً، استيقظ وهو يشعر بعطش شديد، فخرج بهدوء
ابتسمت نور باحترام، وانحنت قليلًا وهي تجيبه:• شكراً لك يا جدي، يسعدني رؤيتكم جميعاً.جلست بجوار لين، بينما كان خالد يراقبها بصمت بين الحين والآخر دون أن تشعر، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة كلما سمع ضحكتها.وفي تلك اللحظة، فُتح باب المنزل، ودخل ريان بعد عودته من العمل.ما إن سمع صوت الضحكات حتى ابتسم وقال وهو يخلع سترته:• وأنا أقول من أين يأتي كل هذا الضجيج... اتضح أن لدينا ضيفة مميزة.ثم التفت إلى نور مبتسماً:• أهلاً يا نور، كيف حالك؟ابتسمت نور وردّت بعفوية:• بخير، الحمد لله. وأنت؟• بخير.كان ريان يعرف نور منذ رحلة شهر العسل التي قضاها مع لين في فرنسا، فقد كانت نور آنذاك مسافرة مع خطيبها سيف، وتقابلا أكثر من مرة حتى نشأت بينهما صداقة لطيفة.ومن دون أن يفكر، سألها مبتسماً:• بالمناسبة... كيف حال سيف؟ وهل تم زفافكما أخيراً؟في تلك اللحظة، تجمد خالد في مكانه.تسللت الفكرة إلى رأسه بسرعة، وشعر بانقباض غريب في صدره."هل كانت مخطوبة... أم أنها تزوجت بالفعل؟"لكن نور تنهدت بهدوء، ثم قالت بنبرة لا تخلو من السخرية:• لا... لقد انفصلت عن ذلك الوغد قبل فترة.ساد الصمت لثوانٍ.أما خالد
أخرجت نور لسانها لها بمشاكسة وهي تختبئ أكثر خلف خالد.أما خالد، فنظر بين الفتاتين بحيرة، ثم ضحك وقال:يبدو أنني أصبحتُ رهينة في حرب لا علاقة لي بها.فأجابت لين وهي تحاول الوصول إلى الهاتف:ابتعد يا خالد، إنها ستفضحني!ضحكت نور وقالت وهي ترفع الهاتف عاليًا:بل سأكتشف أسرار الزوجين أولًا!ضحك خالد وهو ينظر إلى الفتاتين اللتين تحولتا أمامه إلى طفلتين تتشاجران على هاتف.وقال وهو يرفع يديه باستسلام:حسنًا، أنا لا دخل لي في هذه الحرب.لكن نور أمسكت بكتفه بسرعة وقالت:لا، لن تتحرك! أنت درعي.تنهد خالد وقال مبتسمًا:يبدو أنني أصبحت حارسًا منذ الصباح، والآن أصبحت درعًا بشريًا.انفجرت لين ضاحكة رغم توترها، ثم قالت وهي تمد يدها:نور، أعيدي الهاتف، أعدك ألا أنتقم منك.هزت نور رأسها بمكر.لا أثق بكِ أبدًا.ثم وضعت بصمة لين على الهاتف وهي لا تزال تضحك، فانفتح القفل.اتسعت عينا لين وصرختنور! لا تفتحي الرسائل!لكن الأوان كان قد فات.فتحت نور المحادثة مع ريان، وكانت آخر رسالة منه تقول:"هل ما زلتِ غاضبة مني؟ وهل تناولتِ الغداء؟ لا تهملي نفسك."توقفت نور للحظة، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة.رفعت







