تسجيل الدخولثم توقفت عند أول ممر، وأسندت ظهرها إلى الجدار للحظات، تحاول أن تهدأ.
أما ريان، فبقي في الحديقة للحظات أخرى، قبل أن يضع يده في جيبه ويتجه ببطء نحو الداخل، لكن ابتسامته الخفيفة لم تختفِ من وجهه. وفي تلك اللحظة، كان واضحاً أن كل واحد منهما لم يعد كما كان قبل قليل. بعد انتهاء السهرة، دخلت لين إلى الغرفة وألقت بنفسها على السرير وهي تحاول تهدئة قلبها. وبعد لحظات، لحق بها ريان ودخل الغرفة بهدوء، ثم جلس على السرير بجانبها وجذبها إليه برفق حتى أصبحت بين ذراعيه. تجمدت لين للحظة من المفاجأة، لكنها لم تتحرك، فقط بقيت تستمع لصوت أنفاسه القريبة منها. ساد الصمت بينهما، لكن هذه المرة كان صمتاً مختلفاً، مريحاً ومليئاً بشعور جديد لا يُقال. همست لين بصوت خافت: - ريان… أجاب بهدوء وهو ما يزال يحتضنها: -لا تتكلمي كثيراً الآن. سكتت، لكنها لم تحاول الابتعاد. مرّت لحظات طويلة وهما على تلك الحال، حتى بدأت لين تشعر بالاطمئنان تدريجياً، وكأن كل التوتر الذي بداخلها بدأ يختفي شيئاً فشيئاً. وأغمضت عينيها أخيراً، وهي لا تزال بين ذراعيه، بينما ريان بقي مستيقظاً ينظر إليها بصمت، وكأنه لا يريد أن يفلت هذه اللحظة بسهولة.في صباح اليوم التالي، استيقظت لين على دفء غريب لم تعتده. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها ما تزال بين ذراعي ريان. تجمدت لثوانٍ وهي تنظر إليه، فقد كان نائماً بهدوء على غير عادته. ترددت في الابتعاد، لكن قلبها كان سعيداً بتلك اللحظة البسيطة التي طالما حلمت بها. حاولت التحرك بهدوء حتى لا توقظه، لكنه فتح عينيه فجأة وقال بصوت أجش من أثر النوم: -الى أين؟ ارتبكت لين وقالت بسرعة: -لا مكان... كنت فقط سأقوم. ابتسم ريان ابتسامة خفيفة وهو يتركها: -إذن اذهبي. نهضت بسرعة وكأنها هربت من موقف محرج، بينما ظل هو يراقبها بابتسامة صغيرة. بعد الفطور، اجتمعت العائلة في الحديقة كعادتها. كان الجد يتحدث بحماس عن مشروع جديد للعائلة، والجميع يستمع إليه. وخلال الحديث، أعلن الجد فجأة: - بعد أسبوع سنقيم حفلاً كبيراً بمناسبة ذكرى تأسيس الشركة، وأريد حضور الجميع. ساد الحماس بين أفراد العائلة، لكن أمل كانت تنظر إلى لين بصمت. وبعد انتهاء الجلسة، اقتربت أمل من لين وقالت بابتسامة لم تصل إلى عينيها: - يبدو أنك سعيدة هذه الأيام. نظرت إليها لين بهدوء وأجابت: -نعم، الحمد لله. اشتد غيظ أمل من هدوئها، و فأرادت إغاظتها فقالت: - هذا رائع، إذاً علينا أن نرتدي فساتين جميلة الليلة. ثم نظرت إلى لين وأردفت بسخرية: - آه يا لين، أنتِ لا تملكين مثل هذه الفساتين. ثم أطلقت ضحكة ماكرة. نظرت إليها لين وقالت بثقة: - ومن قال إنني لا أملك مثل هذه الفساتين؟ فأجابت أمل: - لأنني لا أراك ترتدينها أبداً. ابتسمت لين وقالت دون تفكير: •-أنا أرتديها في غرفة نومي من أجل زوجي، فلماذا تريدينني أن أرتديها أمامك؟ و هذا اليوم فرصة مناسبة، يمكنك أن تري ذلك بنفسك. زاد هذا من غضب امل فغدرت بسرعة كي لا تضربها . في المقابل، كان ريان يراقب المشهد من بعيد. اقترب من لين بعد رحيل أمل وسألها: - ماذا كانت تريد؟ هزت لين كتفيها: - لا شيء مهم. نظر إليها للحظة ثم قال: - إذا أزعجتك يوماً فأخبريني. رفعت لين عينيها إليه بدهشة، فهذه أول مرة تسمعه يقول شيئاً كهذا. ابتسمت دون أن تشعر وقالت: - حسناً. ولأول مرة منذ زواجهما، شعرت لين أن المسافة بينهما لم تعد كما كانت، وأن الأيام القادمة قد تحمل شيئاً مختلفاً تماماً عما عاشته في الماضي. دخلت لين إلى المنزل، وكل تفكيرها كان منشغلاً بفستان الليلة وما الذي سترتديه لتبدو في أبهى صورة وتلفت الانتباه كما تريد. لكن قاطع شرودها صوت جدها وهو يقترب منها بسرعة، قبل أن يجذبها إلى حضنه بحنان قائلاً: -ابنتي… لقد اشتقت إليكِ كثيراً منذ زواجك. ابتسم وهو يضمها أكثر ثم أضاف بمزاح: - كم لبثتِ بعيداً عن حضني؟ لا تقولي إن ذلك الفتى لا يسمح لكِ بالبقاء هنا! ضحكت لين بخفة، وشعرت بدفء كلامه يخفف عنها كل ما كان يدور في رأسها. ثم أكمل الجد مبتسماً: -وإن كان الأمر كذلك… فمعه حق، فأنتِ زوجته. ابتسمت لين بخجل بعد كلمات جدها، ثم ابتعدت قليلاً عنه وقالت: - لا يا جدي، ليس كما تعتقد… ريان لا يمنعني من شيء. ضحك الجد بخفة وهو يربت على كتفها قائلاً: -حسناً، حسناً… لكنني ما زلت أشعر أنني أفتقدك كثيراً. ابتسمت لين بهدوء، ثم نظرت حولها وكأنها تعود إلى واقعها، فالفكرة التي كانت تشغلها قبل قليل عادت لتطرق ذهنها من جديد… فستان الحفل لاحظ الجد شرودها فسألها: -ما بكِ؟ تبدين وكأنك في عالم آخر. ترددت لحظة ثم قالت بابتسامة خفيفة: -لا شيء يا جدي… فقط أفكر في الحفل رفع حاجبيه بمكر لطيف: - آه… الحفل؟ يبدو أن هناك شيئاً مهماً بالنسبة لكِ. احمر وجهها قليلاً ولم تجب، فابتسم الجد وقال: - إذن اذهبي واستعدي، أريد أن أراكِ جميلة كعادتك، ولكن الأهم أن تكوني سعيدة. أومأت لين برأسها بلطف: - سأفعل يا جدي. ثم استأذنته وصعدت إلى غرفتها بخطوات هادئة، بينما بقي الجد ينظر إليها بابتسامة مليئة بالحنان. في الأعلى، أغلقت لين باب غرفتها وأسندت ظهرها للحظة، وأطلقت نفساً خفيفاً وكأنها تحاول ترتيب أفكارها.اقترب منها بخطوات حذرة للغاية، ثم انحنى قليلًا على ركبتيه نحوها، خالعاً سترته الجلدية السوداء الثقيلة، محاولاً تهدئتها والاقتراب دون أن يزيد من خوفها أو يذعرها.قال بصوت منخفض جداً، دافئ ومهتز من شدة التأثر:_ نور… اهدي ، انتهى كل شيء، أنا هنا بجانبكِ، لن أسمح لأي كلب في هذا العالم أن يؤذيكِ أو يلمس خصلة من شعركِ بعد الآن... أنتِ بأمان معي.لكن نور لم تستطع الرد أو النطق، بل ازدادت شهقات بكائها وعويلها، ودفنت وجهها بين ذراعيها المرتجفتين أكثر، رافضة رؤية العالم.أخرج خالد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة بكلمات حازمة وصارمة من أجل أخذ سيف وتوجيه تهمة الشروع في الاغتصاب المشهود له، ثم التفت لنور برقة متناهية. وضع سترته الثقيلة الكبيرة حول جسدها وغطى به ثيابها الممزقة بالكامل، ثم انحنى وحملها برفق وأناة بين ذراعيه القويتين، ممسكاً بها بقوة لتستمد الأمان من صدره العريض، ووضعها في الكرسي الأمامي للسيارة بحذر، وقفل الأبواب. ثم اتجه بسيارته بسرعة نحو منزل العائلة الكبير لأنه ببساطة لا يعرف عنوان منزلها ولا يمكنه تركها في هذه الحالة المرعبة وحدها.في تلك اللحظة بالقصر، كانت لين تجلس في الحديقة
رفعت نور ذقنها بثبات وتحدٍّ، رغم أن قلبها كان يخفق برعب وقوة كاد يخرج من صدرها، وقالت بصوت قاطع:• انتهى كل شيء وبلا عودة يا سيف... ولن أعود إليك مهما فعلت وتوسلت، لقد قذفتك من حياتي!سخر سيف وارتسمت على شفتيه ابتسامة مقرفة، وقال ببرود مقزز:• أتظنين أنكِ بريئة؟ ثم ما المشكلة إن كنت في السرير مع فتاة أخرى؟ نحن لم نتزوج بعد كعقد رسمي، ويمكنني قانوناً وفعلياً أن أفعل ما أشاء مع أي عاهرة، ولا يحق لكِ التدخل في حياتي أو محاسبتي!ثم اقترب منها خطوة إضافية خبيثة، وأضاف بنبرة حادة ومهينة:• ثم إنكِ أنتِ معقدة، ولا تسمحين لي حتى بالاقتراب منكِ أو لمسكِ طوال فترة الخطوبة... فماذا كنتِ تنتظرين مني كأيقونة صامتة؟ أن أترهب؟ثم قال بحدة قذرة وعينيه تتفحصان جسدها:• لا تقولي إنكِ كنتِ تحافظين على نفسكِ الشريفة من أجلي... بل كنتِ تدخرينها لرجل آخر وتتمنعين عليّ!اتسعت عينا نور من شدة الصدمة والذهول بعد سماع كلماته الطاعنة في شرفها، وشعرت برغبة في البكاء من وقاحته. لكنه لم يعطها فرصة، بل اقترب منها أكثر وبسرعة فائقة، وحاصر خصرها بذراعه القوية، وانحنى نحو أذنها وه
اقترب ريان منها وربت بخفة وحنان على رأسها ممرراً أصابعه في شعرها قائلاً:• يبدو أنكِ لا تستطيعين التوقف عن المشاغبة والتدخل في حياة الآخرين أيتها الطفلة.رفعت لين ذقنها بتكبر مصطنع ودلال أثار جنونه:• أنا لا أتدخل... أنا فقط أصنع النهايات السعيدة للعشاق.ابتسم ريان وهو ينظر إلى شفتيها الكرزيتين بإعجاب وشغف كبيرين، ثم قال بصوت أجش:• آمل فقط ألا تنتهي خطتكِ الذكية بكارثة عائلية.ضحكت لين بثقة مطلقة وقالت:• مع وجود ذكائي؟ مستحيل تماماً.اقترب ريان منها ببطء شديد، حتى لم يعد يفصل بين وجهيهما سوى مسافة صغيرة تكاد تنعدم. نظر إلى عينيها العسليتين الشغوفتين للحظات، ثم رفع يده برقة يزيح خصلة متفلتة من شعرها الغجري خلف أذنها.همس بصوت هادئ ومثير أرسل قشعريرة في جسدها:• يبدو أن غيرتي البارحة وغضبي كانا بلا سبب وعملا غباءً... اعتذر منكِ يا زوجتي الجميلة.ابتسمت لين بخجل وود، ولم تبتعد هذه المرة بل استسلمت لقربه. اقترب أكثر، ووضع يده خلف رأسها، ثم طبع قبلة رقيقة، دافئة ومليئة بالاعتذار والشوق على شفتيها الناعمتين. أغمضت لين عينيها، ولم تمنعه ه
سعل خالد بخفة وبحرج واضح وقال:• يبدو أنني تذكرت خطأ... جدول أعمالي فارغ تماماً اليوم. أخبريني بسرعة، أين هي بالضبط؟ضحكت لين أخيراً وقالت بانتصار:• كنت أعلم تماماً أنك ستقع في الفخ من أول كلمة!تنهد خالد باستسلام تام أمام مكرها:• يكفي سخرية أيتها المشاغبة، أخبريني أين هي ودعينا من كلامكِ.ابتسمت لين بانتصار وقالت:• الشاطئ الغربي، تجلس قرب الصخور... لا تتأخر، لكن تذكر، هي لا تعلم أنك قادم، فلا تفسد الأمر.قال خالد بنبرة قوية وثقة:• ممتاز... وداعاً الآن.وأغلق الخط بسرعة فائقة. نظرت لين إلى شاشة الهاتف وهي تضحك بهستيرية خفيفة، ثم همست لنفسها بشرر ومكر:• الآن... لنرَ ماذا سيحدث بين هذين الاثنين، ستكون بداية مشوقة.استيقظ ريان على همساتها وحركتها بجانبه، ففتح عينيه ببطء ونظر إليها بنعاس وجاذبية رجولية قائلاً بصوت مبحوح:• هل أنتِ بخير الآن؟ هل خف الوجع؟ابتسمت لين ابتسامة خفيفة وصادقة، وأومأت برأسها:• نعم... أنا بخير تماماً، بفضلك.وقعت عيناه فجأة على شاشة هاتفها التي لم تنطفئ بعد، فرأى اسم "خالد" ما يزال ظاهراً في قائمة المكالمات الأخيرة بعد انتهاء الاتصال. في ثانية واحدة،
اتسعت عيناه برعب وقلق حقيقيين، فانحنى أمامها بسرعة على ركبتيه وجذبها إليه قائلاً بصوت متهدج:• لين... ماذا بكِ؟ تكلمي، أخفتِني! هل أنتِ مريضة؟رفعت رأسها بصعوبة بالغة، ونظرت إليه بعينين ذابلتين، وهمست بين أنفاسها المتقطعة والباكية:• بطني... يؤلمني كثيراً... لا أحتمل...ازداد قلقه وتملكه الذعر، ومد يديه ليقودها قائلاً بحزم وخوف:• هيا، سنذهب إلى المستشفى حالاً، سأحملكِ!هزت رأسها بالنفي بسرعة وهي تحاول التقاط أنفاسها وسط خجلها الشديد منه:• لا... لا داعي للمستشفى... إنها... الدورة الشهرية فقط.تجمد ريان في مكانه للحظة، واستوعب طبيعة الأمر، وفهم سبب الألم الشديد، لكن رؤيتها تبكي وتتألم بهذه الطريقة المأساوية لم تطمئن قلبه أبداً. قال بنبرة هادئة ودافئة للغاية، خالية من أي أثر لغضب الأمس:• حتى لو كان السبب معروفاً وطبيعياً، لا يجب أن تتحملي هذا الألم الفظيع وحدكِ وأنتِ على البلاط البارد.ثم انحنى، وحملها برفق شديد بين ذراعيه العريضتين، كأنها قطعة من الزجاج الثمين يخشى عليها أن تنكسر من أقل لمسة. شهقت لين بخفة من المفاجأة، وقالت بنبرة خجولة وصوت مبحوح:• ريان... أنزلني أرجوك، أستطيع
ثم قالت بصوت منخفض، حاولت فيه استعادة توازنها وشجاعتها:• خالد ليس "أي رجل"... هو ابن عمي، وأنت تعرف ذلك جيداً.ساد الصمت للحظة ثقيلة في أرجاء الغرفة. كان ريان يحدق في عمق عينيها، وأنفاسه ما تزال متسارعة، بينما بدأت حدة غضبه تخف تدريجياً أمام نظرات عتابها النقية، لكنها لم تختفِ تماماً... وكأن شيئاً داخله بدأ يتصارع بعنف بين الغيرة المجنونة وصوت العقل.فأجاب ريان بغضب يحاول كتمه للحظات:_ حسناً.ثم استدار فجأة، وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة أحدثت صدى كبيراً.وقفت لين مكانها تجمدت في زاوية الجدار، تحدق في الباب المغلق، وقلبها مليء بالأسئلة والحيرة. لم تفهم سبب غضبه المبالغ فيه، ولم تعتد أن ينتهي أي خلاف بينهما بهذه الطريقة الصامتة والقاسية.في الخارج، كان ريان يسير في الممر بخطوات سريعة وصدره يغلي، يحاول أن يهدأ، لكن الغضب والتملك كانا ما يزالان يسيطران عليه. لم يتوقف أو يلتفت لأحد حتى وصل إلى السيارة، ففتحها بعنف وجلس خلف المقود، ثم غادر المكان بسرعة جنونية دون أن ينظر وراءه.أما لين، فتقدمت بخطى مترنحة وجلست على السرير بصمت، تفكر في كل ما حدث وجسدها ما زال يرتجف. كان هذا







