LOGINاقتربت من الخزانة وفتحتها ببطء، تمرر عينيها بين الفساتين، وكل واحد منها يبدو وكأنه خيار محتمل لليلة مختلفة تماماً.
لكن رغم كل ذلك، لم تكن الملابس وحدها ما يشغل تفكيرها… بل شيء آخر كان يزداد وضوحاً في داخلها كل يوم، كل لحظة، كل نظرة. همست لنفسها بخفوت: - لماذا أشعر أن الليلة مختلفة؟ ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأغلقت الخزانة بهدوء، وكأنها قررت أن تترك الإجابة للوقت نفسه. مرت أيام قليلة، وجاء موعد الحفل السنوي الكبير لشركة الجد. استعدت لين في غرفتها، واختارت فستانها كان أحمر قصير ضيقاً مصنوعاً من المخمل الناعم، يبرز تفاصيل جسدها المتناسق، وتركت شعرها الغجري منسدلاً ووضعت أحمر شفاه قرمزيّاً صارخاً زادها فتنة وإثارة. نزلت إلى قاعة الحفل المخصصة للنساء في البداية، فخطفت الأنفاس، وأثنت العمة ياسمين على جمالها الباهر، بينما كانت أمل تجلس بزاوية تموت غيظاً، خاصة بعد أن همست لها لين بثقة: _ الفستان ارتديه لزوجي في الغرفة، واليوم أحببت أن أريكِ جزءاً من ذوقه. شعرت لين بالاختناق من همسات النساء، فقررت الخروج إلى الحديقة الخلفية طلباً للهواء مستندة إلى كلام لما بأن الحديقة فارغة. لكن ما إن فتحت الباب الخشبي وخطت خطواتها حتى فوجئت بأن الحديقة تضم مجلس الرجال الخاص بالعائلة وكبار الضيوف، وكان ريان يجلس في المنتصف. وقعت الأنظار كلها على كتلة الجمال والأنوثة الطاغية بفستانها الأحمر الناري. تجمد ريان في مكانه واشتعلت عيناه بذهول سرعان ما تحول إلى غضب عارم عندما رأى نظرات الإعجاب والهمسات المتبادلة بين الرجال والشباب من حوله. انسحبت لين بسرعة وهرعت نحو المطبخ الداخلي تشرب الماء لتهدئة روعها. وفي الخارج، قال أحد الضيوف الشباب بإعجاب علني: _ يا إلهي، من هذه الفاتنة؟ هل يملك أحدكم رقمها؟ مستعد لخطبتها الليلة! وقف ريان فجأة، وبدت عروق عنقه بارزة، وتقدم من الشاب وضغط على فكه قائلاً بصوت كالفحيح أرعب الحاضرين: _ انتبه لكلماتك وأنت في بيت جدي... لأن من تتحدث عنها بنظراتك القذرة هي زوجتي! ترك الجميع وصعد خلفها بخطى مرعبة. دخل المطبخ وقبض على يدها بعنف، وسحبها لغرفتهما وسط حيرتها. ما إن أغلق الباب حتى دفعها بقوة نحو الجدار، محاصراً إياها بجسده الضخم، وصاح بصوت هادر وعينين يتطاير منهما الشرار: _ ماذا تظنين نفسكِ فاعلة؟! ألا تحترمين وجودي؟ أم أنكِ خرجتِ بهذا الفستان اللعين لعرض مفاتنكِ وجذب أنظار الرجال؟! تفاجأت لين من هجومه القاسي وحاولت الدفاع عن نفسها: _ ريان! لم أكن أعلم بوجودهم... لما أخبرتني أن... قاطعها بحدة تملكية مرعبة: _ اخرسي! أنتِ ملكي أنا... ملك ريان فقط! ولا اسمح لعين رجل آخر أن تطرف عليكِ! حاولت دفعه وهي تشعر بالخوف من ملامحه: _ ولكنني لم أقصد الخرو... لم يدعها تمل؛ انقض على شفتيها بقُبلة عنيفة وقاسية سحبت منها الهواء، قُبلة امتزجت بغضبه العارم وغيرته المجنونة التي أعمت بصيرته. حاولت لين إبعاده بيدها المرتجفتين، لكنه أحكم قبضته عليها، وانسابت يده الأخرى بجرأة وجنون تحت فستانها الأحمر القصير يلمس ساقيها، صاعداً إلى خصرها، بينما دفن رأسه في عنقها يقبله ويعضه بقوة تركت أثراً، واضعاً يده الأخرى على صدرها المتسارع النبضات. انفجرت لين بالبكاء المرير، وشعرت بالعجز والمهانة، وأخذت تترجاه بصوت مخنوق بالدموع: _ ريان... أرجوك... لا تفعل هذا... أرجوك توقف... لا تؤذني... عندما تغلغلت دموعها الساخنة إلى بشرته، وسمع نبرة الرعب والرجاء الحقيقي في صوتها، ضربت صاعقة من الوعي عقله. تراجع بسرعة وهو يتنفس بصعوبة، ونظر إلى وجهها الباكي وشفتها السفلى التي جُرحت قليلًا من عنفه. شعر فجأة برعب شديد من نفسه ومن وحشيته، فاستدار وخرج من الغرفة مسرعاً، صافقاً الباب خلفه. انهارت لين على حافة السرير، ودفنت وجهها بين يديها تبكي بحرقة وصدمة؛ إن كان لا يحبها فلماذا تحركه هذه الغيرة الشرسة؟ وإن كان يهتم لأمرها فلماذا يكسرها ويعاملها كملكية خاصة؟ استسلمت للنوم الشاق بدموع لم تجف وفستانها الممزق قليلاً من الأطراف. في صباح اليوم التالي، استيقظت لين برأس ثقيل، ونظرت للمرآة لترى عينيها المتورمتين وأثر ريان الواضح على عنقها وشفتيها. اغتسلت ونزلت على مضض لتجد العائلة، وعلمت أن ريان غادر لعمله منذ الفجر. في مكتبه، كان ريان يعيش جحيماً من تأنيب الضمير؛ صورة رعب لين ودموعها وترجيها له لم تغادر مخيلته. كان غاضباً من ذاته لأول مرة بهذا الشكل. مع حلول المساء، كانت لين تجلس في ركن معزول بالحديقة تقرأ كتاباً، لتشعر بظل ريان يقف أمامها ثم يجلس بهدوء على المقعد المقابل. ساد صمت طويل، قطع ريان حباله قائلاً بنبرة منكسرة وصادقة: _ لين... أنا آسف. توقفت أصابعها عن تقليب الصفحة. نظرت إليه لتجد في عينيه ندماً حقيقياً لم تره قط: _ لم يكن يجب أن أتصرف بتلك الهمجية... غيرتي أعمتني، لكن هذا لا يبرر ما فعلته بجسدك ومشاعرك. أخفضت عينيها وقالت بغصة: _ لقد آذيتني يا ريان... آلمني أنك ظننت بي السوء واعتقدت أنني خرجت لألفت الانتباه، وكأنك لا تعرف من هي لين! شعر ريان بوخزة في صدره وقال بصدق: _ تركت جنوني يتحدث بالنيابة عني لأنني لم أتحمل فكرة أن يشاركني أحد في النظر إليكِ. تابعت لين بنبرة مكسورة: _ وما شأنك أنت? ألسنا مجرد زواج إجباري؟ تجمد ريان للحظة، ثم أخذ نفساً عميقاً وقرر هدم الجدار: _ عندما أُجبرت على هذا الزواج، كنت غاضباً من جدي ومن العائلة ومن نفسي لأنني ظننت أنهم سلبوني حريتي... ولهذا أبعدتكِ عني وجعلتكِ تدفعين ثمن ذنب لم تقترفيه. لكنني لم أكرهكِ يوماً يا لين... كنت أهرب منكِ لأن وجودكِ ونقاءكِ كانا يزلزلان حصوني ولم أكن مستعداً للاعتراف بذلك. اتسعت عيناها بصدمة وعادت الحياة لقلبها. نهض ريان ومد يده نحوها بابتسامة دافئة وصادقة: _ هل يمكننا أن ننسى الماضي ونبدأ معاً من جديد؟ كعاشقين هذه المرة؟ نظرت ليده الممدودة، ونبض قلبها بعنف، وببطء وضعت كفها الصغيرة في كفه الدافئة، لتشعر بالأمان يتدفق في عروقها مجدداً، غير عالمين بأن أمل كانت تقف على الشرفة وعيناها تشتعلان بالحقد وهي ترى ريان يضيع من يدها للأبد.اقترب منها بخطوات حذرة للغاية، ثم انحنى قليلًا على ركبتيه نحوها، خالعاً سترته الجلدية السوداء الثقيلة، محاولاً تهدئتها والاقتراب دون أن يزيد من خوفها أو يذعرها.قال بصوت منخفض جداً، دافئ ومهتز من شدة التأثر:_ نور… اهدي ، انتهى كل شيء، أنا هنا بجانبكِ، لن أسمح لأي كلب في هذا العالم أن يؤذيكِ أو يلمس خصلة من شعركِ بعد الآن... أنتِ بأمان معي.لكن نور لم تستطع الرد أو النطق، بل ازدادت شهقات بكائها وعويلها، ودفنت وجهها بين ذراعيها المرتجفتين أكثر، رافضة رؤية العالم.أخرج خالد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة بكلمات حازمة وصارمة من أجل أخذ سيف وتوجيه تهمة الشروع في الاغتصاب المشهود له، ثم التفت لنور برقة متناهية. وضع سترته الثقيلة الكبيرة حول جسدها وغطى به ثيابها الممزقة بالكامل، ثم انحنى وحملها برفق وأناة بين ذراعيه القويتين، ممسكاً بها بقوة لتستمد الأمان من صدره العريض، ووضعها في الكرسي الأمامي للسيارة بحذر، وقفل الأبواب. ثم اتجه بسيارته بسرعة نحو منزل العائلة الكبير لأنه ببساطة لا يعرف عنوان منزلها ولا يمكنه تركها في هذه الحالة المرعبة وحدها.في تلك اللحظة بالقصر، كانت لين تجلس في الحديقة
رفعت نور ذقنها بثبات وتحدٍّ، رغم أن قلبها كان يخفق برعب وقوة كاد يخرج من صدرها، وقالت بصوت قاطع:• انتهى كل شيء وبلا عودة يا سيف... ولن أعود إليك مهما فعلت وتوسلت، لقد قذفتك من حياتي!سخر سيف وارتسمت على شفتيه ابتسامة مقرفة، وقال ببرود مقزز:• أتظنين أنكِ بريئة؟ ثم ما المشكلة إن كنت في السرير مع فتاة أخرى؟ نحن لم نتزوج بعد كعقد رسمي، ويمكنني قانوناً وفعلياً أن أفعل ما أشاء مع أي عاهرة، ولا يحق لكِ التدخل في حياتي أو محاسبتي!ثم اقترب منها خطوة إضافية خبيثة، وأضاف بنبرة حادة ومهينة:• ثم إنكِ أنتِ معقدة، ولا تسمحين لي حتى بالاقتراب منكِ أو لمسكِ طوال فترة الخطوبة... فماذا كنتِ تنتظرين مني كأيقونة صامتة؟ أن أترهب؟ثم قال بحدة قذرة وعينيه تتفحصان جسدها:• لا تقولي إنكِ كنتِ تحافظين على نفسكِ الشريفة من أجلي... بل كنتِ تدخرينها لرجل آخر وتتمنعين عليّ!اتسعت عينا نور من شدة الصدمة والذهول بعد سماع كلماته الطاعنة في شرفها، وشعرت برغبة في البكاء من وقاحته. لكنه لم يعطها فرصة، بل اقترب منها أكثر وبسرعة فائقة، وحاصر خصرها بذراعه القوية، وانحنى نحو أذنها وه
اقترب ريان منها وربت بخفة وحنان على رأسها ممرراً أصابعه في شعرها قائلاً:• يبدو أنكِ لا تستطيعين التوقف عن المشاغبة والتدخل في حياة الآخرين أيتها الطفلة.رفعت لين ذقنها بتكبر مصطنع ودلال أثار جنونه:• أنا لا أتدخل... أنا فقط أصنع النهايات السعيدة للعشاق.ابتسم ريان وهو ينظر إلى شفتيها الكرزيتين بإعجاب وشغف كبيرين، ثم قال بصوت أجش:• آمل فقط ألا تنتهي خطتكِ الذكية بكارثة عائلية.ضحكت لين بثقة مطلقة وقالت:• مع وجود ذكائي؟ مستحيل تماماً.اقترب ريان منها ببطء شديد، حتى لم يعد يفصل بين وجهيهما سوى مسافة صغيرة تكاد تنعدم. نظر إلى عينيها العسليتين الشغوفتين للحظات، ثم رفع يده برقة يزيح خصلة متفلتة من شعرها الغجري خلف أذنها.همس بصوت هادئ ومثير أرسل قشعريرة في جسدها:• يبدو أن غيرتي البارحة وغضبي كانا بلا سبب وعملا غباءً... اعتذر منكِ يا زوجتي الجميلة.ابتسمت لين بخجل وود، ولم تبتعد هذه المرة بل استسلمت لقربه. اقترب أكثر، ووضع يده خلف رأسها، ثم طبع قبلة رقيقة، دافئة ومليئة بالاعتذار والشوق على شفتيها الناعمتين. أغمضت لين عينيها، ولم تمنعه ه
سعل خالد بخفة وبحرج واضح وقال:• يبدو أنني تذكرت خطأ... جدول أعمالي فارغ تماماً اليوم. أخبريني بسرعة، أين هي بالضبط؟ضحكت لين أخيراً وقالت بانتصار:• كنت أعلم تماماً أنك ستقع في الفخ من أول كلمة!تنهد خالد باستسلام تام أمام مكرها:• يكفي سخرية أيتها المشاغبة، أخبريني أين هي ودعينا من كلامكِ.ابتسمت لين بانتصار وقالت:• الشاطئ الغربي، تجلس قرب الصخور... لا تتأخر، لكن تذكر، هي لا تعلم أنك قادم، فلا تفسد الأمر.قال خالد بنبرة قوية وثقة:• ممتاز... وداعاً الآن.وأغلق الخط بسرعة فائقة. نظرت لين إلى شاشة الهاتف وهي تضحك بهستيرية خفيفة، ثم همست لنفسها بشرر ومكر:• الآن... لنرَ ماذا سيحدث بين هذين الاثنين، ستكون بداية مشوقة.استيقظ ريان على همساتها وحركتها بجانبه، ففتح عينيه ببطء ونظر إليها بنعاس وجاذبية رجولية قائلاً بصوت مبحوح:• هل أنتِ بخير الآن؟ هل خف الوجع؟ابتسمت لين ابتسامة خفيفة وصادقة، وأومأت برأسها:• نعم... أنا بخير تماماً، بفضلك.وقعت عيناه فجأة على شاشة هاتفها التي لم تنطفئ بعد، فرأى اسم "خالد" ما يزال ظاهراً في قائمة المكالمات الأخيرة بعد انتهاء الاتصال. في ثانية واحدة،
اتسعت عيناه برعب وقلق حقيقيين، فانحنى أمامها بسرعة على ركبتيه وجذبها إليه قائلاً بصوت متهدج:• لين... ماذا بكِ؟ تكلمي، أخفتِني! هل أنتِ مريضة؟رفعت رأسها بصعوبة بالغة، ونظرت إليه بعينين ذابلتين، وهمست بين أنفاسها المتقطعة والباكية:• بطني... يؤلمني كثيراً... لا أحتمل...ازداد قلقه وتملكه الذعر، ومد يديه ليقودها قائلاً بحزم وخوف:• هيا، سنذهب إلى المستشفى حالاً، سأحملكِ!هزت رأسها بالنفي بسرعة وهي تحاول التقاط أنفاسها وسط خجلها الشديد منه:• لا... لا داعي للمستشفى... إنها... الدورة الشهرية فقط.تجمد ريان في مكانه للحظة، واستوعب طبيعة الأمر، وفهم سبب الألم الشديد، لكن رؤيتها تبكي وتتألم بهذه الطريقة المأساوية لم تطمئن قلبه أبداً. قال بنبرة هادئة ودافئة للغاية، خالية من أي أثر لغضب الأمس:• حتى لو كان السبب معروفاً وطبيعياً، لا يجب أن تتحملي هذا الألم الفظيع وحدكِ وأنتِ على البلاط البارد.ثم انحنى، وحملها برفق شديد بين ذراعيه العريضتين، كأنها قطعة من الزجاج الثمين يخشى عليها أن تنكسر من أقل لمسة. شهقت لين بخفة من المفاجأة، وقالت بنبرة خجولة وصوت مبحوح:• ريان... أنزلني أرجوك، أستطيع
ثم قالت بصوت منخفض، حاولت فيه استعادة توازنها وشجاعتها:• خالد ليس "أي رجل"... هو ابن عمي، وأنت تعرف ذلك جيداً.ساد الصمت للحظة ثقيلة في أرجاء الغرفة. كان ريان يحدق في عمق عينيها، وأنفاسه ما تزال متسارعة، بينما بدأت حدة غضبه تخف تدريجياً أمام نظرات عتابها النقية، لكنها لم تختفِ تماماً... وكأن شيئاً داخله بدأ يتصارع بعنف بين الغيرة المجنونة وصوت العقل.فأجاب ريان بغضب يحاول كتمه للحظات:_ حسناً.ثم استدار فجأة، وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة أحدثت صدى كبيراً.وقفت لين مكانها تجمدت في زاوية الجدار، تحدق في الباب المغلق، وقلبها مليء بالأسئلة والحيرة. لم تفهم سبب غضبه المبالغ فيه، ولم تعتد أن ينتهي أي خلاف بينهما بهذه الطريقة الصامتة والقاسية.في الخارج، كان ريان يسير في الممر بخطوات سريعة وصدره يغلي، يحاول أن يهدأ، لكن الغضب والتملك كانا ما يزالان يسيطران عليه. لم يتوقف أو يلتفت لأحد حتى وصل إلى السيارة، ففتحها بعنف وجلس خلف المقود، ثم غادر المكان بسرعة جنونية دون أن ينظر وراءه.أما لين، فتقدمت بخطى مترنحة وجلست على السرير بصمت، تفكر في كل ما حدث وجسدها ما زال يرتجف. كان هذا







