LOGINاندفعت ليان خارج غرفتها بسرعة لم تفكر فيها.
حتى الحارسان اللذان كانا يقفان قرب الباب تفاجآ من خروجها المفاجئ. — آنسة ليان! لكنها لم تتوقف. كانت تنزل الدرج بسرعة بينما يخفق قلبها بعنف داخل صدرها. شيء ما تركه ذلك الرجل. شيء أراد أن تراه هي تحديدًا. ولم تستطع تجاهل هذا الشعور. وصلت إلى الطابق الأرضي. ثم خرجت إلى الحديقة الخلفية. الهواء الليلي كان باردًا، والعشب لا يزال مبتلًا من المطر. أضواء الحراسة انتشرت في كل مكان. ورجال الأمن يتحركون بين الأشجار بعد الإنذار الذي انطلق قبل دقائق. ركض أحد الحراس نحوها. — يجب أن تعودي للداخل. — لا. — لكن... — أريد معرفة ماذا وجدتم. تردد الرجل. ثم أشار إلى منطقة قرب السور الحجري. — هناك. تحركت فورًا. وخلفها عدة حراس. وصلت إلى المكان. ونظرت للأسفل. تجمدت. لم يكن سلاحًا. ولا رسالة تهديد. بل ظرف أبيض صغير. بسيط جدًا. ومبتل جزئيًا بالمطر. تبادل الحراس النظرات. ثم قال أحدهم: — لم نفتحه. مدّت يدها. لكن الحارس أوقفها. — ربما يكون خطيرًا. رمقته بنظرة باردة. — ظرف ورقي؟ — في عالمنا نعم. لم تستطع الاعتراض على منطقه. أخذ الحارس الظرف بحذر. وفتحه. ساد الصمت. ثم تغيرت ملامحه. لاحظت ذلك فورًا. — ماذا؟ لم يجب. انتزعت الورقة من يده. ونظرت إليها. واختفى اللون من وجهها. كانت صورة. صورة قديمة جدًا. لها. --- التقطت الصورة قبل سنوات. كانت تعرف ذلك فورًا. ربما قبل سبع أو ثماني سنوات. قبل زواجها من كمال. قبل أن تتحول حياتها إلى فوضى. كانت تقف فيها بجانب والدها خلال إحدى المناسبات. ترتدي فستانًا أسود. وتبتسم. ابتسامة حقيقية. ابتسامة لم تعد تتذكر آخر مرة ظهرت على وجهها. لكن هذا لم يكن الجزء المخيف. الجزء المخيف... أن أحدًا كتب خلف الصورة جملة قصيرة بالحبر الأسود. "لم تتغيري كثيرًا." ارتجفت أصابعها. شعور سيئ بدأ يتسلل إلى داخلها. شعور شخص يكتشف أن هناك من كان يراقبه منذ وقت طويل. أطول مما يعتقد. --- بعد عشر دقائق... وصلت الصورة إلى مكتب سليم الديب. وقف سليم يتأملها بصمت. إلى جواره ريان. وثلاثة من رجال الأمن. قال ريان: — شخص يقترب من القصر ويترك صورة لأختي؟ رد أحد الرجال: — ربما مجرد تهديد نفسي. رفع سليم عينيه نحوه. فسكت الرجل فورًا. قال سليم: — لا يوجد شيء اسمه "مجرد" في هذه الأمور. ثم أعاد النظر إلى الصورة. شيء أزعجه فيها. ليس الجملة. ولا الصورة. بل التاريخ. الصورة التقطت في مناسبة مغلقة. حضرها عدد محدود جدًا من الناس. وهذا يعني أن من أرسلها... ليس غريبًا تمامًا. بل شخص من الماضي. --- في مكان آخر من المدينة... كان آدم يجلس داخل مكتبه حين وصلته مكالمة من فهد. أجاب مباشرة. — نعم؟ — هناك شيء جديد. — ماذا؟ — رجال الديب أعلنوا حالة استنفار داخل القصر قبل ساعة. عقد آدم حاجبيه. — لماذا؟ — لا نعرف. ساد الصمت. ثم قال فهد: — لكن يبدو أن الأمر متعلق بليان. توقف آدم عن الكتابة. ووضع القلم جانبًا. دون أن يشعر. مجرد سماع اسمها كان كافيًا لجذب انتباهه بالكامل. وهذا شيء بدأ يزعجه في نفسه. قال: — حاول أن تعرف ما حدث. — كنت سأفعل حتى دون أن تطلب. ثم ضحك. — أصبحت متوقعًا جدًا هذه الأيام. أغلق آدم الخط دون تعليق. فزاد ضحك فهد من الجهة الأخرى. --- أما ليان... فكانت تجلس داخل غرفتها. الصورة فوق الطاولة أمامها. منذ ساعة تقريبًا وهي تحدق بها. لا تعرف لماذا. ربما لأنها تذكرها بشخص لم تعد تعرفه. الفتاة التي في الصورة تبدو سعيدة. خفيفة. تبتسم دون خوف. وكأنها لم تتخيل أبدًا ما الذي ينتظرها في المستقبل. دخلت أمينة بهدوء. وضعت كوب شاي قربها. ثم جلست. نظرت إلى الصورة. وسكتت. لثوانٍ طويلة. ثم قالت: — أتذكر هذا اليوم. رفعت ليان عينيها. — حقًا؟ — نعم. ابتسمت أمينة بحنين. — كنتِ ترفضين ارتداء ذلك الفستان. ضحكت ليان بخفة. — ما زلت أفعل. — صحيح. ساد صمت قصير. ثم أضافت أمينة: — كنتِ تبتسمين كثيرًا آنذاك. اختفت الضحكة من وجه ليان. ولم تعرف ماذا تقول. لأن الحقيقة المؤلمة... أنها هي أيضًا تفتقد تلك الفتاة. --- في صباح اليوم التالي... وصل آدم إلى الميناء القديم. أحد رجاله كان ينتظره هناك. اقترب منه بسرعة. — وجدنا شيئًا. — تكلم. سلّمه ملفًا صغيرًا. فتح آدم الصفحات. وبدأ يقرأ. ثم توقف فجأة. — هل أنتم متأكدون؟ — نعم. أعاد قراءة السطر مرة أخرى. ثم الثالثة. لأن المعلومة لم تكن منطقية. الصورة التي تركت في قصر آل الديب... نسخة منها بيعت قبل شهرين في مزاد خاص للصور القديمة. والمشتري استخدم اسمًا مزيفًا. لكن طريقة الدفع قادتهم إلى شركة وهمية. وشركة وهمية أخرى. ثم ثالثة. وفي النهاية... وصل الخيط إلى اسم واحد فقط. اسم جعل ملامح آدم تتجمد. الكوردي. --- في الوقت نفسه... كان الكوردي نفسه يجلس داخل منزل قديم على أطراف إسطنبول. أمام نافذة تطل على البحر. ورجل يقف أمامه منتظرًا الأوامر. قال الرجل: — هل تريد الاستمرار؟ ابتسم الكوردي ببطء. ثم أمسك صورة أخرى من فوق الطاولة. صورة لليان. أحدث من الأولى. أكثر حداثة. وأكثر وضوحًا. قال بهدوء: — لا تستعجل. — ماذا تقصد؟ نظر نحو الصورة طويلًا. ثم أجاب: — بعض الأبواب لا تُكسر. بل تُفتح ببطء. وعندها... يخرج كل ما بداخلها وحده. أعاد الصورة إلى الطاولة. واستدار نحو النافذة. بينما كانت ابتسامته تزداد اتساعًا شيئًا فشيئًا. وكأنه يعرف سرًا لا يعرفه أحد غيره. مرّ يومان. ولم يحدث شيء. وهذا كان أسوأ جزء. في عالم ليان، الخطر الواضح أسهل من الانتظار. حين تسمعين طلقة تعرفين من أين جاءت. أما حين يسود الصمت... فهذا يعني أن أحدهم ما زال يخطط. جلست قرب نافذة المكتبة الصغيرة داخل القصر. أمامها كتاب مفتوح منذ نصف ساعة. لكنها لم تقرأ سوى سطرين. كل بضع دقائق كانت تنظر إلى هاتفها. ثم تعيده مكانه. ثم تعود للتحديق بالصفحة نفسها. حتى دخلت أمينة. حاملة طبقًا صغيرًا من الكعك. نظرت إلى الكتاب. ثم إلى ليان. ثم قالت: — الصفحة نفسها منذ عشرين دقيقة. تنهدت ليان. — كنت أقرأ. — كاذبة. رفعت ليان حاجبها. — أصبحتِ وقحة. — وأنتِ أصبحتِ سيئة بالكذب. وضعت أمينة الطبق أمامها. ثم جلست. كان بينهما هذا النوع من الراحة الذي لا يحتاج إلى شرح. بعض الأشخاص يصبحون جزءًا من حياتك لدرجة أنك لا تضطر لتفسير شيء أمامهم. قالت أمينة: — ما زلت تفكرين بالصورة؟ هزت ليان رأسها ببطء. — نعم. — لأنها أخافتك؟ سكتت قليلًا. ثم قالت: — لأنها جعلتني أتذكر. وهذا كان الجزء الأصعب. --- في تلك الصورة... كانت بعمر تسعة عشر عامًا. قبل زواجها. قبل كمال. قبل أن تبدأ الكوابيس. في ذلك اليوم كانت تعتقد أن مستقبلها واضح. أن والدها قاسٍ أحيانًا لكنه يحميها. أن العالم مفهوم. أن الناس الذين تثق بهم سيبقون كذلك. كم كانت ساذجة. ابتسمت بمرارة. فلاحظت أمينة ذلك. لكنها لم تسأل. --- في الجانب الآخر من المدينة... كان آدم النجار داخل مكتب والده القديم. المكتب الذي أصبح له بعد تقاعد فيصل النجار من إدارة أغلب الأعمال. المكان ما زال يحتفظ برائحة الخشب القديمة. والسجائر التي كان فيصل يدخنها لسنوات. جلس أمام المكتب. وأمامه عدة ملفات مفتوحة. لكن تركيزه كان على ملف واحد فقط. الكوردي. كل طريق يعود إليه. كل خيط ينتهي عنده. وهذا ما لا يعجبه. دخل فهد دون استئذان كعادته. وفي يده شطيرة. قال وهو يجلس: — هل تعلم أن الناس الطبيعيين يأخذون استراحة غداء؟ رد آدم دون أن يرفع رأسه: — هل تعلم أن الناس الطبيعيين لا يقتحمون المكاتب؟ — هذه نقطة جيدة. أخذ قضمة كبيرة. ثم أشار إلى الملفات. — ما الجديد؟ أغلق آدم الملف. — لا يعجبني الأمر. — أي جزء تحديدًا؟ — كله. ضحك فهد. — إجابة دقيقة جدًا. تنهد آدم. ثم قال: — الكوردي لا يتحرك بهذه الطريقة عادة. — تقصد الصور؟ — والصمت. — والصمت؟ هز آدم رأسه. — شخص مثله لا يضيع وقته على ألعاب نفسية. ساد الصمت. ثم قال فهد: — إذًا؟ — إذًا هناك شيء لا نعرفه. --- في مساء اليوم نفسه... استدعى سليم الديب ابنته إلى مكتبه. دخلت ليان. وأغلقت الباب خلفها. وجدت والدها جالسًا أمام النافذة. يحمل كوب قهوة. وهو أمر نادر. لأن سليم عادة لا يشرب القهوة مساءً. وهذا وحده أخبرها أن مزاجه سيئ. قالت: — طلبتني؟ استدار نحوها. وأشار إلى الكرسي. — اجلسي. جلست. وانتظرت. لكن سليم لم يتكلم فورًا. كان ينظر إليها بطريقة غريبة. كأنه يقارن بين صورتين. الحاضرة. والماضية. قال أخيرًا: — هل تتذكرين الحفل الموجود في الصورة؟ تفاجأت. لم تتوقع أن يبدأ بهذا السؤال. — قليلًا. أومأ برأسه. ثم سكت مجددًا. وهذا جعلها تتوتر. قالت: — لماذا؟ نظر إليها مباشرة. — لأن شخصًا كان موجودًا هناك. عقدت حاجبيها. — ومن؟ أجاب: — الكوردي. ساد الصمت. ولم تفهم في البداية. الكوردي؟ الرجل الذي تتحدث عنه العائلات كلها؟ الرجل الذي يفترض أنه اختفى منذ سنوات؟ قالت: — وما علاقته بالصورة؟ أجاب سليم ببطء: — هذا ما أحاول معرفته. --- خرجت ليان من المكتب بعد نصف ساعة. لكنها لم تشعر بتحسن. بل العكس. كل إجابة حصلت عليها ولّدت سؤالين جديدين. كانت تسير في الممر الطويل عندما رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. رقم مجهول. تجمدت. لثانية واحدة فقط. ثم ضغطت زر الإجابة. — نعم؟ لم يأتِ أي صوت. فقط صمت. عبست. — من المتصل؟ الصمت نفسه. ثم... سمعت أنفاسًا خافتة. وتوقف قلبها تقريبًا. أغلقت الخط فورًا. بيد مرتجفة. وظلت تحدق بالشاشة. حتى أضاءت مجددًا. الرقم نفسه. رفضت المكالمة. رن مرة أخرى. ورفضتها. ثم وصلت رسالة. فتحتها. وكان فيها سطر واحد فقط. "ما زلتِ تخافين من الأصوات المفاجئة." اختفى الدم من وجهها. لأن هذه ليست معلومة يعرفها الغرباء. --- في تلك اللحظة نفسها... كان آدم يغادر أحد اجتماعاته. حين تلقى اتصالًا من أحد رجاله. أجاب مباشرة. — ماذا لديك؟ جاءه الرد بسرعة. — حصل اختراق جديد. توقفت خطواته. — أين؟ — داخل شبكة اتصالات آل الديب. عقد حاجبيه. — ومن؟ — لا نعرف. — ماذا يريد؟ ساد صمت قصير. ثم جاء الجواب. — يبدو أنه يركز على ليان الديب. تجمد آدم للحظة. ثم قال: — أرسل كل شيء لي الآن. --- بعد ساعة... كان يقف وحده داخل شرفته المطلة على المدينة. وفي يده تقرير كامل. كلما قرأ أكثر... ازداد انزعاجه. هذا لم يعد تهديدًا عشوائيًا. الشخص الذي يلاحق ليان يعرف تفاصيل قديمة. تفاصيل شخصية. أشياء لا يمكن الحصول عليها من ملفات أو صور فقط. وهذا يعني شيئًا واحدًا. هناك شخص قريب منهم. قريب أكثر مما يظنون. أغلق الملف. ورفع عينيه نحو أضواء إسطنبول البعيدة. ولأول مرة منذ سنوات... شعر بإحساس قديم لم يعجبه. القلق. ليس على نفسه. بل على شخص آخر. وفي قصر آل الديب... كانت ليان تجلس على سريرها. والهاتف بين يديها. تعيد قراءة الرسالة للمرة العاشرة. ثم العشرين. ثم الثلاثين. وكل مرة كانت تشعر بالشيء نفسه. ذلك الشخص لا يراقبها فقط. ذلك الشخص... يعرفها. في الساعة الثانية بعد منتصف الليل... كان القصر غارقًا في الهدوء. هدوء ثقيل. من النوع الذي يجعل أصغر الأصوات تبدو أعلى مما هي عليه. لم تستطع ليان النوم. مرة أخرى. جلست فوق الأريكة القريبة من النافذة وهي ترتدي سترة واسعة فوق ملابس النوم. أمامها كوب شاي برد منذ مدة. وهاتفها على الطاولة. كل بضع دقائق كانت تنظر إليه. ثم تكره نفسها لأنها تنظر إليه. لكن عقلها ظل عالقًا عند الرسالة. "ما زلتِ تخافين من الأصوات المفاجئة." جملة بسيطة. لكنها أصابت هدفها. لأنها صحيحة. حتى اليوم. حتى بعد كل هذه السنوات. ما زالت تنزعج من الأبواب التي تُغلق بقوة. ومن الأشياء التي تسقط فجأة. ومن الأصوات المرتفعة خلفها. أشياء صغيرة لا يلاحظها معظم الناس. لكن جسدها يتذكر ما يحاول عقلها نسيانه. أغلقت عينيها. لكنها فتحتها فورًا عندما سمعت صوت طرق خفيف. التفتت نحو الباب. — ادخلي. دخلت أمينة. ورغم الوقت المتأخر كانت ما تزال مستيقظة. نظرت إلى ليان. ثم إلى الشاي البارد. وقالت: — ما زلتِ مستيقظة. — وأنتِ أيضًا. — أنا عجوز. — وهذه ليست حجة. ابتسمت أمينة. ثم جلست قربها. وبقيتا صامتتين عدة ثوانٍ. قالت أمينة أخيرًا: — كنتِ تفعلين الشيء نفسه وأنتِ صغيرة. رفعت ليان حاجبها. — أي شيء؟ — الجلوس قرب النافذة عندما يقلقك أمر. نظرت ليان إلى الخارج. ثم قالت: — ربما لم أتغير كثيرًا. — تغيرتِ. أجابت أمينة بهدوء. — لكن ليس بالكامل. --- في صباح اليوم التالي... وصل تقرير جديد إلى مكتب سليم الديب. وقف ريان أمام المكتب يقرأ الصفحات بسرعة. ثم رفع رأسه. — لا يعجبني هذا. قال سليم: — وأنا كذلك. كان التقرير يتحدث عن سلسلة أسماء. أشخاص اختفوا خلال السنوات الماضية. بعضهم مات. بعضهم سجن. وبعضهم اختفى ببساطة. لكن الشيء المشترك بينهم جميعًا... أنهم كانوا على صلة بالكوردي قبل سنوات. قال ريان: — هل تعتقد أنه عاد فعلًا؟ سكت سليم لحظة. ثم أجاب: — لا أعرف. — هذه ليست إجابة تشبهك. رفع سليم عينه نحوه. ثم قال: — لأنني لا أحب الاعتراف عندما أفتقد قطعة من الصورة. --- في الوقت نفسه... كان آدم يجلس في مقهى صغير بعيد عن المناطق التي يعرفه الناس فيها. أمامه رجل خمسيني نحيف. اسمه جلال. وكان من أفضل مصادر المعلومات القديمة في إسطنبول. المشكلة الوحيدة... أنه يحب الكلام أكثر مما ينبغي. قال جلال وهو يحرك ملعقة الشاي: — هل تعلم أنني كنت أنوي التقاعد؟ رد آدم: — قلت هذا العام الماضي. — وهذه كانت نيتي فعلًا. — ثم؟ — ثم رفعت الحكومة أسعار كل شيء. تنهد آدم. — جلال. — نعم؟ — الموضوع. ضحك الرجل. ثم شرب رشفة من الشاي. وأخيرًا أصبح جادًا. قال: — الكوردي لم يكن يعمل وحده أبدًا. — أعرف. — لا. أنت لا تفهم. اقترب قليلًا. ثم أكمل بصوت أخفض. — كان يملك شبكة كاملة. أشخاص داخل كل عائلة تقريبًا. داخل الشرطة. داخل الشركات. داخل الموانئ. حتى داخل بعض الحراسات الخاصة. تغيرت ملامح آدم. — تقصد جواسيس؟ — أكثر من ذلك. ساد الصمت. ثم قال جلال: — إذا عاد فعلًا... فالمشكلة ليست في عودته. — بل؟ — فيمن عاد معه. --- في قصر آل الديب... قررت ليان أخيرًا الخروج إلى الحديقة. بعد أيام من البقاء داخل المبنى. ورغم اعتراض الحراس. ورغم انزعاج والدها. إلا أنها أصرت. كانت تحتاج إلى هواء. أي شيء يبعدها عن الجدران. خرجت برفقة حارسين فقط. وسارت في الممر الحجري الطويل. الأشجار كانت ساكنة. والسماء ملبدة بالغيوم. لكنها شعرت بشيء من الراحة. ولو لدقائق. إلى أن تعثرت. تعثرت فعلًا. بسبب حجر صغير. وكادت تسقط. لولا أنها أمسكت بالسور بسرعة. نظر الحارسان إليها بقلق. أما هي... فحدقت بالحجر بغضب. ثم قالت: — أكره هذا اليوم. تبادل الحارسان نظرة سريعة. ثم ضحك أحدهما دون قصد. نظر إليها معتذرًا فورًا. لكن المفاجأة أنها ضحكت أيضًا. ضحكة قصيرة. خفيفة. لم تدم طويلًا. لكنها كانت حقيقية. ولأول مرة منذ أيام... شعرت أن العالم ليس مظلمًا بالكامل. --- بعد الظهر... وصل آدم إلى أحد المستودعات التابعة لعائلته. كان المكان يعج بالحركة. صناديق. سيارات. رجال ينقلون بضائع. وأصوات كثيرة. أوقفه أحد رجاله عند المدخل. — لدينا مشكلة. رد آدم فورًا: — جديدة أم قديمة؟ ابتسم الرجل. — جديدة للأسف. سار معه إلى الداخل. ثم سلّمه ملفًا صغيرًا. فتح آدم الصفحات. وبدأ يقرأ. ومع كل سطر... ازداد عبوسه. قال الرجل: — أحد حساباتنا تعرض للاختراق. — من؟ — لا نعرف. — ماذا أخذوا؟ تردد الرجل. ثم قال: — ملفات قديمة. رفع آدم رأسه فورًا. — أي ملفات؟ أجاب الرجل: — ملفات تتعلق بالحرب القديمة. وهنا فقط... شعر آدم بأن الأمور بدأت تترابط. بطريقة لم تعجبه إطلاقًا. --- في تلك الليلة... كان الكوردي يجلس وحده. أمامه عدة صور موزعة فوق الطاولة. صورة لسليم. صورة لآدم. صورة لريان. وصورة ليان. بقي ينظر إليها طويلًا. أطول من البقية. ثم ابتسم. وقال لنفسه: — اقترب الوقت. دخل أحد رجاله. — سيدي. — نعم؟ — هل نبدأ المرحلة التالية؟ أعاد الكوردي الصور إلى مكانها. ثم نهض واقفًا. واتجه نحو النافذة. وقال بهدوء: — ليس بعد. — لماذا؟ نظر إلى أضواء المدينة البعيدة. ثم أجاب: — لأنهم ما زالوا يبحثون عن العدو الخطأ. ساد الصمت. ثم أضاف: — وعندما يكتشفون الحقيقة... سيكون الأوان قد فات. --- في نفس اللحظة تقريبًا... كانت ليان تستعد للنوم. أغلقت المصباح. ثم استلقت على السرير. وأخيرًا بدأ النعاس يقترب. لكن هاتفها اهتز. مرة واحدة. فقط. أمسكته بتردد. ونظرت إلى الشاشة. رسالة جديدة. من الرقم المجهول نفسه. فتحتها. وكان فيها صورة فقط. صورة قديمة. أقدم من السابقة. صورة التقطت قبل سنوات طويلة. يوم الاجتماع الكبير بين آل الديب وآل النجار. يوم كانت تقف خلف والدها. بفستانها الأسود. وعينيها العسليتين. لكن هذه المرة... كانت هناك دائرة حمراء مرسومة حول شخص يقف بعيدًا في خلفية الصورة. شخص لم تنتبه له يومًا. شخص كان يراقبها. ومن أسفل الصورة... كُتبت جملة واحدة. "هذا هو اليوم الذي بدأت فيه القصة."بقيت ليان جالسة في مكانها.تحدق في الورقة.مرة.ثم مرة أخرى.ثم مرة ثالثة.وكأنها تنتظر أن يختفي اسمها منها.لكنه لم يختفِ.ظل موجودًا.واضحًا.حقيقيًا.ليان سليم الديب.شعرت أن أنفاسها أصبحت ثقيلة.وأن الغرفة تضيق حولها.قالت بصوت خافت:— هذا خطأ...الرجل العجوز لم يرد.— لا يمكن أن أكون هناك.ما زال صامتًا.— كنت بعمر سبعة عشر عامًا.رفع الرجل نظره إليها.وقال بهدوء:— لهذا السبب بالتحديد كنت هناك.نظرت إليه بعدم فهم.لكن قبل أن تسأله...أكمل:— أحيانًا يستخدم الكبار أبناءهم في الأماكن التي لا يتوقع أحد وجودهم فيها.اختفى اللون من وجهها.فكرة واحدة فقط خطرت ببالها.والدها.هل كان يعرف؟هل أخفى عنها الأمر طوال هذه السنوات؟وقفت فجأة.وأغلقت الملف.— أريد أن أذهب.العجوز لم يمنعها.بل قال قبل أن تغادر:— اسألي والدك عن ليلة الحريق.توقفت خطواتها.ثم التفتت نحوه.— أي حريق؟— حريق الميناء.شعرت بقشعريرة تسري في ظهرها.لكنها لم تقل شيئًا.وغادرت المتجر.---خارج المبنى...كان الهواء البارد يضرب وجهها بقوة.لكنها بالكاد شعرت به.ركبت السيارة.وأمرت السائق بالعودة إلى القصر.طوال الطريق ل
لم تستطع ليان إخراج عبارة "حادثة الميناء" من رأسها.منذ أن سمعتها خلف باب مكتب والدها، وهي تشعر أن الاسم يطاردها.حادثة الميناء.كلمتان فقط.لكن الطريقة التي تغيرت بها ملامح سليم وريان عندما ذُكرتا كانت كافية لتخبرها أن الأمر أكبر من مجرد عملية قديمة أو خلاف تجاري.كان هناك شيء مخفي.شيء يعود إلى سنوات طويلة.وشيء لا يريد والدها أن تعرفه.وهذا وحده كان سببًا كافيًا لتبحث عنه.---في صباح اليوم التالي، كانت السماء ملبدة بالغيوم.جلست ليان في المكتبة الخاصة بالقصر.أمامها حاسوب محمول.وبجانبها عدة دفاتر قديمة كانت قد احتفظت بها منذ سنوات.بدأت تكتب كلمات مختلفة في محرك البحث.أسماء شركات.أسماء موانئ.أسماء رجال سمعتهم يتحدثون في اجتماعات قديمة.لكنها لم تصل إلى شيء.كل طريق كان ينتهي بجدار.وكأن شخصًا تعمد محو آثار تلك الحادثة.أغلقت الحاسوب بضيق.وفي اللحظة نفسها دخل ريان.كان يحمل كوب قهوة.نظر إليها.ثم إلى الحاسوب.ثم قال:— عندما تكونين هادئة جدًا أعرف أنكِ تخططين لشيء.رفعت حاجبها.— وعندما تدخل دون استئذان أعرف أنك ما زلت مزعجًا.جلس مقابلها.— ماذا تبحثين؟— لا شيء.— كاذبة.—
بقيت ليان تحدق في شاشة هاتفها عدة دقائق.الصورة ما زالت أمامها.والدها في المقدمة.عدة رجال من العائلات الكبرى حوله.أما هي فكانت تقف خلفه بهدوء، كما كانت تفعل دائمًا في تلك المناسبات.لكن الدائرة الحمراء لم تكن حولها.بل حول رجل يقف في الخلف.بعيدًا عن الجميع.شبه مخفي بين الحراس والضيوف.لم تكن تتذكره إطلاقًا.كبرت الصورة أكثر.لكن جودة الصورة القديمة لم تساعدها.كل ما استطاعت ملاحظته أنه رجل طويل نسبيًا ويرتدي بدلة سوداء.ضغطت على الرقم المجهول مباشرة.مغلق.أعادت المحاولة.مغلق.ألقت الهاتف فوق السرير بضيق.ثم نهضت وخرجت من غرفتها.لم تفكر كثيرًا.اتجهت مباشرة إلى مكتب والدها.كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، لكنها تعرف أن سليم الديب لا ينام مبكرًا.طرقت الباب.جاءها صوته من الداخل.— ادخلي.دخلت بسرعة.رفع سليم نظره عن الملفات.لاحظ توترها فورًا.— ماذا حدث؟وضعت الهاتف أمامه.— وصلتني هذه الآن.أخذ الهاتف.وبدأ ينظر إلى الصورة.في البداية لم يتغير شيء على ملامحه.ثم ضاقت عيناه قليلًا.وهو أمر نادر.لاحظت ليان ذلك.— تعرفه؟لم يجب مباشرة.أعاد النظر إلى الصورة مرة أخرى.ثم قال:
اندفعت ليان خارج غرفتها بسرعة لم تفكر فيها.حتى الحارسان اللذان كانا يقفان قرب الباب تفاجآ من خروجها المفاجئ.— آنسة ليان!لكنها لم تتوقف.كانت تنزل الدرج بسرعة بينما يخفق قلبها بعنف داخل صدرها.شيء ما تركه ذلك الرجل.شيء أراد أن تراه هي تحديدًا.ولم تستطع تجاهل هذا الشعور.وصلت إلى الطابق الأرضي.ثم خرجت إلى الحديقة الخلفية.الهواء الليلي كان باردًا، والعشب لا يزال مبتلًا من المطر.أضواء الحراسة انتشرت في كل مكان.ورجال الأمن يتحركون بين الأشجار بعد الإنذار الذي انطلق قبل دقائق.ركض أحد الحراس نحوها.— يجب أن تعودي للداخل.— لا.— لكن...— أريد معرفة ماذا وجدتم.تردد الرجل.ثم أشار إلى منطقة قرب السور الحجري.— هناك.تحركت فورًا.وخلفها عدة حراس.وصلت إلى المكان.ونظرت للأسفل.تجمدت.لم يكن سلاحًا.ولا رسالة تهديد.بل ظرف أبيض صغير.بسيط جدًا.ومبتل جزئيًا بالمطر.تبادل الحراس النظرات.ثم قال أحدهم:— لم نفتحه.مدّت يدها.لكن الحارس أوقفها.— ربما يكون خطيرًا.رمقته بنظرة باردة.— ظرف ورقي؟— في عالمنا نعم.لم تستطع الاعتراض على منطقه.أخذ الحارس الظرف بحذر.وفتحه.ساد الصمت.ثم تغي
لم تنم ليان إلا ساعتين تقريبًا.كلما أغلقت عينيها عادت إليها أصوات الرصاص.صرخة بعيدة.زجاج يتحطم.صوت كمال وهو يأمرها أن تأتي إليه.وصوت آدم وهو يقف بينهما.فتحت عينيها قبل شروق الشمس بقليل.حدقت بالسقف عدة ثوانٍ.ثم جلست ببطء.كان القصر هادئًا على غير العادة.أو ربما هي التي أصبحت تسمع الصمت أكثر من السابق.مدّت يدها نحو كوب الماء فوق الطاولة.فاكتشفت أنه فارغ.تنهدت بضيق.هذا الشيء البسيط أزعجها أكثر مما يجب.منذ أسابيع أصبحت تنفعل لأسباب صغيرة جدًا.كوب فارغ.باب مفتوح.صوت مرتفع.أشياء عادية لا يلاحظها الناس غالبًا.لكنها كانت تشعر وكأن أعصابها مشدودة طوال الوقت.نهضت أخيرًا وفتحت الستارة.كانت إسطنبول تستيقظ ببطء.الضباب يغطي أجزاء من البحر.والسماء ما تزال رمادية.وللمرة الأولى منذ فترة...تمنت لو كانت شخصًا عاديًا.شخصًا يخرج للعمل صباحًا.يشتكي من الزحام.ويعود إلى منزله دون أن يفكر بمن يحاول قتله.ضحكت بخفة من الفكرة.ثم همست:— مستحيل.في الطابق السفلي...كان سليم الديب قد بدأ يومه منذ الخامسة صباحًا.كعادته.جلس خلف مكتبه الكبير يراجع عدة ملفات.رغم عمره، كان ينام أقل من م
تجمّد الهواء داخل الغرفة الصغيرة.كان صوت الانفجارات بالخارج ما يزال يهزّ الفندق، لكن في تلك اللحظة تحديدًا…لم يعد هناك شيء أهم من النظرة التي ظهرت داخل عيني كمال السيوفي.نظرة رجل رأى شيئًا يخصّه بين يدي رجل آخر.شيء جعله يفقد آخر ذرة عقل بقيت داخله.وقف عند الباب، وصدره يرتفع وينخفض ببطء خطير، بينما بقيت عيناه مثبتتين على يد آدم التي كانت ما تزال تمسك بذراع ليان حتى لا تسقط.أما ليان…فشعرت بالدم ينسحب من وجهها فورًا.هي تعرف هذه النظرة.تعرفها جيدًا.هذه ليست غيرة.هذا جنون.وهذا النوع من الجنون دائمًا ينتهي بالدم.تركها آدم مباشرة، ثم وقف أمامها بشكل غريزي دون أن يشعر.حركة بسيطة جدًا…لكنها كانت كافية لإشعال كمال بالكامل.ابتسم ابتسامة بطيئة مرعبة.ثم قال بصوت منخفض بشكل مخيف: — يبدو أنني أزعجتكم.لم يرد آدم.لكنه أيضًا لم يبتعد.ظل واقفًا بثبات أمام ليان، وسلاحه الأسود مستقر بين أصابعه وكأنه جزء من جسده.قال كمال وهو يدخل الغرفة أخيرًا: — غريب… ما توقعت ابن النجار يصير حارس شخصي.رد آدم ببرود: — وأنت واضح أنك فاشل حتى بدور الزوج السابق.اختفى أي أثر للابتسامة من وجه كمال.أما ل







