تسجيل الدخوللاحظ عمر التغير الذي مرّ على ملامحها فور سماعها اسم سيف. رفع حاجبه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال. "أخيرًا... رأيت تعبيرًا على وجهك." ظلت فاتن تنظر إليه دون أن تتكلم. تابع عمر وهو يراقبها. "يبدو أن اسم سيف أيقظك." لم ترد. فاكتفى بالابتسام، ثم قال بهدوء. "لا تقلقي... مجرد بعض الأسئلة، ثم سينتهي الأمر." ظلت صامتة لثوانٍ، قبل أن ترفع عينيها إليه وتسأله بصوت خافت. "هل... الجميع هناك؟" أومأ عمر برأسه. "نعم." ترددت قليلًا، ثم سألت. "حتى مازن؟… " رفع عمر حاجبه باستغراب، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. "لا... لماذا؟" اتسعت عينا فاتن للحظة، ثم هزت رأسها سريعًا. "لا شيء." ظل عمر يحدق بها لثوانٍ. كانت تلك أول مرة تتفاعل معه منذ دخوله الغرفة. ورغم أنه لم يفهم السبب… إلا أنه أيقن أن وراء هذا السؤال شيئًا تخفيه. لكنه لم يعلّق.بل دفع صينية الطعام نحوها وقال. "على أي حال... إن لم تأكلي، فسأخبر الخاله حورية أنكِ ترفضين الطعام." رفعت فاتن رأسها إليه، ونظرت إليه بضيق لأول مرة. "أأنت تبتزني؟" ابتسم عمر بخفة. "بل أحاول إنقاذ نفسي من محاضرتها." زفرت فاتن باستسلام، ثم قالت
في صباح اليوم التالي… تسللت خيوط الشمس الأولى عبر نوافذ القصر، لكن دفئها لم ينجح في طرد البرودة التي خيمت على المكان. كان الهدوء يسيطر على الممرات، على غير عادتها. لا صوت للخدم وهم يتنقلون، ولا أحاديث متفرقة في أرجاء القصر. حتى الهواء بدا ثقيلًا... وكأن القصر بأكمله لم ينم تلك الليلة. في الأسفل… وقف عدد من الحراس في أماكنهم المعتادة، لكن وجوههم كانت أكثر صرامة. أُغلقت البوابة الرئيسية، وتضاعفت إجراءات الحراسة تنفيذًا لأوامر نوح. لم يكن مسموحًا لأي شخص بمغادرة القصر... إلى أن ينتهي التحقيق. في الطابق العلوي... توقفت داليدا أمام باب غرفة فاتن. طرقت الباب برفق. "خديچة..." انتظرت لحظات.لكن لم يصلها أي رد. طرقت مرة أخرى، ثم أدارت المقبض ببطء ودخلت. وقعت عيناها على فاتن. كانت منكمشة على نفسها فوق السرير، وعيناها مغمضتان، تبدو وكأنها غارقة في النوم. اقتربت منها بهدوء، وجلست على طرف السرير. "خديچة..." نادتها مرة أخرى بصوت خافت. لكن فاتن لم تتحرك. تنهدت داليدا وهي تنظر إليها بحزن. نهضت بهدوء، وغادرت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها برفق. وما إن أُغلق الباب...فتحت فاتن عينيها
ساد الهدوء في أرجاء القصر… ولم يقطعه سوى صوت خطوات هادئة قادمة من أعلى الدرج. التفت الجميع نحو الصوت. كان مازن يهبط الدرج بملامح هادئة كعادته. وقبل أن يصل إلى آخر درجة، وقفت حورية وسألته بلهفة. "هل نامت؟" أجاب دون أن يتوقف. "نعم." تنهدت حورية براحة. "الحمد لله..." تدخلت داليدا تسأله. "هل كانت أفضل؟" توقف مازن أخيرًا عند آخر درجة، ثم قال بهدوء. "لا تزال تحت الصدمة... لكنها هدأت." أومأت داليدا بصمت، بينما جلست حورية من جديد وقد بدا عليها بعض الاطمئنان. وقف نوح من مكانه، فتوقفت الأحاديث كلها. جال بنظره بين الحاضرين، ثم قال بنبرة حازمة لا تقبل النقاش. "اعتبارًا من هذه اللحظة... لا يغادر أحد القصر." ساد الصمت.ثم تابع. "وغدًا صباحًا سأبدأ التحقيق مع الجميع." توقفت عيناه عند أمجد. "اتصل بسيف." قطب أمجد حاجبيه. "وأخبره أن يأتي إلى القصر صباح الغد." أومأ أمجد برأسه في هدوء. "حسنًا." لم يضف نوح شيئًا آخر. أما مازن، فاعتدل واقفًا، وقال بهدوء. "إذا لم يعد هناك ما يلزم وجودي... فسأغادر." أومأ نوح دون اعتراض. التفت مازن إلى عز. "هيا." أومأ عز برأسه، ثم تبعه خ
خرج مازن من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء. كانت حورية، وداليدا، والطبيب، وعز يقفون جميعًا أمام الباب بانتظار خروجه. ما إن رأته حورية حتى تقدمت نحوه بسرعة، وقالت بقلق. "كيف حال خديچة؟" نظر إليها مازن بهدوء، ثم أجاب. "اطمئني... هي بخير." توقف لحظة، ثم أكمل. "إنها فقط تحتاج إلى بعض الهدوء." زفرت حورية براحة، وأغمضت عينيها للحظة. أما داليدا... فكانت تحدق في مازن باستغراب. ثم أشارت بإصبعها إلى قدميه وسألته بحيرة: "ماذا حدث بالداخل؟" قطب مازن حاجبيه. "ماذا تقصدين؟" أشارت مرة أخرى إلى قدميه. "حذاؤك..." التفت الجميع ينظرون إلى قدميه. كان يقف مرتديًا جوربيه فقط.أما حذاؤه... فلم يكن في قدميه. ضم عز شفتيه بقوة، وهو يحاول كتم ضحكته. أما مازن... فحك مؤخرة رأسه بإحراج نادر، وقال بهدوء. "كنت... أفعل شيئًا." هزت داليدا رأسها ببطء وهي تقول بنبرة مليئة بالشك. "واضح." زفر مازن بضيق وهو يرمقها بنظرة قصيرة، ثم التفت إلى الطبيب وقال بجدية: "يمكنك الدخول الآن." ثم أضاف. "لكن... لا تكثر من الأسئلة." أومأ الطبيب برأسه. "حسنًا." تقدم مازن نحو الباب. وفي اللحظة التي مد فيها ي
في مكتب نوح... دخل مازن بهدوء، وأغلق الباب خلفه. اتجه نوح إلى مكتبه، وأسند كفيه على سطحه، مطرقًا رأسه في صمت. مرت ثوانٍ ثقيلة...لم ينطق خلالها أيٌ منهما بكلمة. وفجأة...اندفع نوح بكل ما بداخله من غضب، وأزاح بيده كل ما فوق المكتب. تناثرت الملفات والأوراق، وسقط الحاسوب والأقلام على الأرض، يتردد صدى ارتطامها في أرجاء المكتب. رفع مازن حاجبه، لكنه لم يعلق. اقترب بهدوء، وجلس على الأريكة، ثم شبك أصابعه أمامه وهو يراقب نوح بصمت. ظل نوح واقفًا للحظات، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب. ثم استدار إليه. كان الارتباك والحيرة يملآن وجهه. وقال بصوت مثقل بالغضب. "كيف حدث هذا؟" صمت لحظة، ثم تابع وهو يهز رأسه بعدم تصديق. "كيف غفلت عن كل هذا؟" نظر إليه مازن بهدوء وسأله. "ألم تكن تعلم حقًا بوجود الغرفة السرية؟" أجابه نوح فورًا. "لا." ثم أضاف وهو يعقد حاجبيه. "ولا أعلم كيف وُجدت من الأساس." مال مازن إلى الخلف بكل أريحية، وأسند ذراعه على ظهر الأريكة، ثم قال بهدوء. "حسنًا..." توقف لحظة، قبل أن تثبت عيناه على نوح. "لكن هناك سؤال أهم الآن." ساد الصمت.ثم أردف. "من الذي أدخل حمزة إل
اندفع عمر خارج غرفته مسرعًا، ونزل الدرج بخطوات متعجلة. وفي اللحظة نفسها، فُتح باب الغرفة المجاورة. خرجت داليدا على عجل، وما إن وقعت عيناها عليه حتى توقفت لثانية. نظر إليها عمر باستغراب. "ماذا حدث؟" لم تجبه.تنهدت بضيق، ثم تجاوزته مسرعة وهي تهبط الدرج. رفع عمر حاجبه بدهشة، ثم أسرع خلفها. وما إن وصلا إلى صالة القصر...حتى تجمد الاثنان في مكانيهما. كان يزن يجثو أمام الأريكة، يسند فاتن برفق بعدما أجلسها عليها. كانت لا تزال ترتجف بعنف، وشهقات بكائها تملأ المكان. رفع يزن رأسه نحو الخدم وقال بحزم. "أحضروا ماءً بسرعة." انطلق أحد الخدم مسرعًا. همست داليدا بخوف. "خديچة..." ثم اندفعت نحوها.لكنها توقفت فجأة. اتسعت عيناها وهي تحدق في يد فاتن...كانت مغطاة بالدماء. انتقل بصرها إلى يزن، ثم عاد إلى فاتن مرة أخرى، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها. اقتربت منها ببطء، ومدت يدها المرتجفة، ثم وضعتها برفق على كتفها. رفعت فاتن رأسها ببطء. كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء. نظرت إلى داليدا وكأنها لا تراها. ثم رفعت يدها الملطخة بالدماء أمامها، وحدقت فيها للحظة، قبل أن تهمس بصوت مكسور، لا يكا
الفصل 5 فتح الباب، ودخل الجد، وأخبر فاتن أن الطبيب وافق على خروجها ومتابعة حالتها من المنزل. أومأت فاتن برأسها وابتسمت. قبل أن تقول شيئًا، طُرق باب الغرفة، ودخل شخص. التفت الجميع نحوه، وابتسموا ورحبوا به. وعندما رأى خديچة الجالسة على السرير، خفّت ابتسامته، وظهر الحزن في عينيه. اقترب منها وابتس
الفصل 4 فكرت أنه لابد من التواصل مع خديچة التي تسكن جسدها الآن، لربما يجدا حلًا لما يحدث، ثم قاطع دخول ناديه والطبيب أفكارها. نظرت لهم فاتن، عندما رأت الطبيب مع ناديه رفعت زاوية شفاها في ابتسامة سريعة لا تُلحظ. علمت أن شخصية ناديه لا تستطيع كتم الأسرار وكثيرة الكلام، لهذا اختارتها كي تمهد الطر
الفصل 3 لكن، لم يكن هناك أي شيء غريب. هذا وجهي، وصوتي، إذاً من هؤلاء؟ وماذا يحدث؟ قاطعت الممرضة شرودها، وقالت بتوتر: "سنيوريتا، أنتِ بخير؟ هل أستدعي الطبيب؟" فاتن: "لا داعي، أنا بخير." "منذ متى وأنا هنا؟" ابتسمت الممرضة: "منذ ثلاثة أيام." "ثلاثة أيام! كيف هذا؟ أن
الفصل 1 "أرجوك يا إلهي… أنا لم أعش حياتي كما أريد. قضيت 23 عامًا… ولم أرَ العالم إلا من خلف شاشة هاتف. ولا أعلم متى سيأتي ذلك اليوم… الذي أفعل فيه كل ما أريد و.. " "فاتن! أمي طلبت مني إخبارك أن تبدئي في تحضير الطعام." انقطعت كلماتها رفعت رأسها ببطء، ثم أغلقت مذكرتها وكأنها تغلق معها حلمًا ص







