Share

174

last update publish date: 2026-09-23 17:38:02

[ليلة تحت المطر ]

خرج لوكا وسولي من المبنى أخيرًا، لكنهما لم يتوقفا لالتقاط أنفاسهما. كانا يعرفان أن كل ثانية يقضيانها قرب المكان قد تمنح رافاييل فرصة للحاق بهما.

قاد الممر الذي خرجا منه إلى طريق ترابي ضيق. وبعد أن ابتعدا عن المبنى، أدركا أنهما في قلب غابة كثيفة لا يعرفانها.

كانت السماء حالكة السواد، والأشجار العالية تحيط بهما من كل جانب. تحركت الأغصان فوق رأسيهما مع الريح الباردة، بينما تسلل ضوء القمر بصعوبة بين الأوراق.

توقفت سولي فجأة، والتفتت حولها بقلق.

— أين نحن؟

كان لوكا يراقب الظلام بين الأشجار، محاولًا التقاط أي صوت أو حركة.

— لا أعرف.

ثم نظر خلفه. لم يرَ أحدًا، لكن ذلك لم يطمئنه. كان الصمت كثيفًا أكثر مما ينبغي.

أمسك يدها بقوة.

— المهم أننا خرجنا. لا تتوقفي.

ابتلعت سولي خوفها وسألته بصوت منخفض:

— هل تعتقد أن رافاييل سيلحق بنا؟

— لا أعرف.

شد على يدها، وأجبر نفسه على مواصلة السير.

— لهذا يجب أن نبتعد قبل أن يجدنا.

بدأا يشقان طريقهما بين الأشجار. كانت الأرض موحلة وغير مستوية، والجذور البارزة تعترض خطواتهما باستمرار. تعثرت سولي أكثر من مرة، وكان لوكا يمسك بها قبل أن تسقط، ثم يواصلان السير دون أن يضيعا وقتًا في الكلام.

مر وقت طويل قبل أن تظهر أمامهما مساحة أكثر انفتاحًا. أسرع لوكا قليلًا، ثم توقف عندما لمح في البعيد شريطًا أسود يمتد بين الأشجار.

كان طريقًا معبّدًا.

— الطريق العام.

خرجت الراحة من صدر سولي كأنها كانت تحبس أنفاسها منذ ساعات.

غادرا الغابة، لكن الطريق لم يكن أكثر طمأنينة مما تركاه خلفهما. كان شبه خالٍ، لا تمر فيه سوى أضواء بعيدة تظهر للحظات ثم تختفي في الظلام.

أخرج لوكا هاتفه وحاول الاتصال. لم تظهر أي إشارة.

رفع الهاتف فوق رأسه، ثم ابتعد عدة خطوات عن سولي. ظل يحدق في الشاشة، حتى ظهرت أخيرًا إشارة ضعيفة.

— وجدتها.

اتصل فورًا.

لم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوت مارك، متوترًا ومليئًا بالقلق:

— لوكا!

أغمض لوكا عينيه للحظة عند سماع صوته.

— أنا هنا.

ساد صمت قصير، ثم سأل مارك بسرعة:

— أين أنتم؟

نظر لوكا إلى الطريق المظلم من حوله.

— خرجنا من المكان، لكنني لا أعرف اسم الطريق. نحن بالقرب من غابة كبيرة، وهناك محطة وقود قديمة في الجهة المقابلة للطريق.

أعطاه كل التفاصيل التي استطاع تذكرها.

قال مارك بحزم:

— ابقَ مكانك. لا تتحركا.

— أسرع.

— سأصل إليكما.

أنهى لوكا الاتصال، لكنه لم يترك يد سولي.

سألته:

— هل سيأتي؟

— نعم.

ثم نظر إلى الطريق، وكأنه يحاول استدعاء السيارة بنظراته.

— مارك لن يتركنا.

---

بدأت قطرات المطر الأولى بالسقوط. رفعت سولي وجهها، فاستقرت قطرة باردة على خدها.

— المطر.

ابتسم لوكا ابتسامة قصيرة، رغم الإرهاق الذي أثقل ملامحه.

— يبدو أن هذه الليلة مصممة على ألا تترك لنا شيئًا.

ضحكت سولي بخفوت، لكن المطر سرعان ما اشتد، وتحولت القطرات المتفرقة إلى ستار بارد يضرب الطريق والأشجار.

واصلا السير حتى ظهرت أمامهما محطة وقود صغيرة. بدت مهجورة منذ وقت طويل؛ مضخاتها مغطاة بالغبار، ولافتتها مائلة، والأضواء مطفأة بالكامل.

احتميا تحت السقف الإسمنتي للمحطة. كانت ملابس سولي قد ابتلت، وبدأت ترتجف رغم محاولتها إخفاء ذلك.

لاحظ لوكا ارتجاف يديها.

— هل أنتِ بخير؟

أومأت بسرعة.

— نعم.

لكنه لم يصدقها. خلع معطفه ووضعه على كتفيها.

نظرت إليه.

— وأنت؟

— أنا بخير.

— لوكا...

— ارتديه فقط.

شدت المعطف حول جسدها، وبقيا واقفين تحت المظلة، يراقبان الطريق في انتظار أضواء سيارة مارك.

كانت أصوات المطر تملأ المكان، وتغطي على كل شيء آخر. وللمرة الأولى منذ اختطافهما، لم يكن هناك صوت رافاييل، ولا خطوات تقترب، ولا باب يُغلق خلفهما.

فقط هما، والمطر، والليل.

قالت سولي بعد صمت طويل:

— كنت خائفة جدًا.

نظر إليها.

— أعرف.

— عندما سمعت صوته وظننته أنت...

توقفت، وكأن استعادة اللحظة وحدها كانت تؤلمها.

— شعرت أنني فقدتك مرة ثانية.

لم يجب لوكا فورًا. ظل ينظر إلى المطر، ثم قال بصوت منخفض:

— وأنا عندما عرفت أنكِ هنا، لم أفكر إلا بكِ. لم أفكر في الخطر، ولا في رافاييل، ولا في أي شيء آخر.

نظرت إليه، لكنهما لم يقولا شيئًا بعدها. وبعد لحظات، أسندت سولي رأسها إلى كتفه. بقي ثابتًا، ولم يبتعد عنها.

---

بعد وقت قصير، ظهرت أضواء سيارة في نهاية الطريق. رفع لوكا رأسه، وحدق فيها حتى تأكد من اتجاهها.

— مارك.

اقتربت السيارة وتوقفت بالقرب منهما. فتح مارك الباب ونزل بسرعة، ثم توقف للحظة عندما رأى لوكا، كأنه يحتاج إلى التأكد من أنه أمامه فعلًا.

بعدها اندفع نحوه واحتضنه بقوة.

تجمد لوكا لثانية، ثم رد العناق، بينما أطلق مارك ضحكة قصيرة اختلطت بأنفاسه المرتجفة.

— كنت سأجن.

قال لوكا:

— كنت أعرف أنك ستجدنا.

ابتعد مارك عنه، وأخذ يتفحصه من رأسه حتى قدميه.

— هل أنت بخير؟

— نعم.

ثم التفت إلى سولي.

— وأنتِ؟

أومأت.

— بخير.

لم يقتنع مارك تمامًا، لكنه لم يجادلها.

— لن نبقى هنا. اركبا.

فتح باب السيارة، فركب لوكا إلى جانبه، وجلست سولي في الخلف. انطلق مارك فورًا، وظل يراقب الطريق أكثر مما يتحدث.

بعد دقائق، سألت سولي بقلق:

— أيان؟

— بخير.

أغمضت عينيها لحظة، وكأنها لم تستطع التنفس قبل سماع الإجابة.

— وجدتي؟

— بخير أيضًا.

ما إن وصلوا إلى البيت الذي أخفى فيه مارك عائلة سولي حتى فتحت الباب قبل أن تتوقف السيارة بالكامل تقريبًا. نزلت وركضت إلى الداخل.

— أيان!

فتحت باب الغرفة بسرعة، فوجدته نائمًا في سريره. اقتربت منه فورًا، وكانت ملابسها لا تزال تقطر ماءً، وشعرها ملتصقًا بوجهها.

جلست إلى جانبه ومررت يدها على شعره.

— أيان...

تحرك الطفل قليلًا، لكنه لم يستيقظ. وضعت يدها على صدره، تتحسس انتظام تنفسه، ثم أطلقت زفيرًا مرتجفًا عندما تأكدت أنه بخير.

انحنت وقبّلت جبينه.

— الحمد لله...

بقيت إلى جانبه لحظات، تراقب وجهه النائم، ثم غطته جيدًا وخرجت من الغرفة.

---

في الصالة، كان لوكا ومارك جالسين. أخرج مارك بعض الملابس الجافة وناول لوكا واحدة منها.

— هذه لك.

ثم أخرج قطعة أخرى لسولي.

— وهذه لها.

أخذتها سولي.

— سأغير ملابسي.

بعد قليل عادت بملابس جافة وأكثر راحة، ثم دخلت المطبخ دون أن تجلس.

سألها مارك:

— ماذا تفعلين؟

— سأعد شيئًا نأكله.

— بعد كل ما حدث؟

التفتت إليه، وكان التعب واضحًا في وجهها.

— الجميع متعب، ولم نأكل منذ وقت طويل.

لم يجادلها. وبعد وقت قصير، بدأت رائحة الطعام تنتشر في البيت. أعدت عشاءً بسيطًا: حساءً ساخنًا، وبعض الخبز والمعجنات.

جلس الثلاثة حول الطاولة، لكن الهدوء لم يكن مريحًا. كانت سولي ترفع عينيها إلى النافذة كل بضع دقائق، كأنها تتوقع ظهور شخص خلف الزجاج.

قالت أخيرًا:

— رافاييل لن يتركنا بهذه السهولة.

رفع مارك عينيه إليها.

— لماذا تعتقدين ذلك؟

— لأنه لم يكن يتصرف بدافع الغضب فقط.

وضعت الملعقة جانبًا.

— كان يراقبني قبل أن يعرف من أنا بالنسبة إلى لوكا. هذا يعني أنه كان يخطط منذ وقت طويل.

نظر لوكا إلى مارك.

— وهذا يجعل الأمر أخطر.

أومأ مارك ببطء.

— صحيح.

قالت سولي:

— سيحاول شيئًا آخر. ربما لن يهاجمنا مباشرة، لكنه سيبحث عن نقطة ضعف جديدة.

ساد الصمت حول الطاولة.

قال لوكا:

— هذه الليلة لن يقترب منكم.

نظرت إليه.

— وكيف تعرف؟

أجابها دون تردد:

— لأن مارك لن يسمح له.

نظر مارك إلى لوكا.

— وأنت؟

ابتسم لوكا ابتسامة متعبة، لكنها حازمة.

— وأنا لن أسمح له.

---

ازداد المطر في الخارج، وصار صوته أقوى فوق سقف البيت. وبعد أن انتهوا من الطعام، قالت سولي:

— لا ينبغي لأحد أن يخرج الآن.

نظر مارك نحو النافذة. كانت السماء مظلمة، والطريق غارقًا في المطر.

— سنبقى هنا حتى الصباح.

أومأ لوكا.

— هذا أفضل.

قالت سولي:

— سأذهب لأطمئن على أيان.

ثم عادت إلى الغرفة.

بقي مارك ولوكا في الصالة، جالسين بصمت للحظات. كان التعب ظاهرًا على كليهما، لكن أياً منهما لم يكن مستعدًا للنوم بعد.

قال مارك أخيرًا:

— عندما اختفيت...

توقف، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.

— كنت أظن أنني لن أجدك.

نظر إليه لوكا.

— لكنك وجدتني.

— لأنني لو لم أفعل، كانت سولي ستبحث عنك بنفسها.

ابتسم لوكا بحزن.

— هي تفعل دائمًا ما يجعلني أقلق.

ضحك مارك بخفوت.

— الآن فهمت لماذا أنت واقع في حبها.

هز لوكا رأسه مبتسمًا.

— منذ زمن.

---

مرت ساعة أخرى، ثم هدأ البيت تدريجيًا. نهض لوكا.

— سأذهب لأرى سولي وأيان.

صعد الدرج بهدوء، وفتح باب الغرفة قليلًا.

توقف عند العتبة.

كان أيان نائمًا في سريره، وسولي قد غلبها التعب فنامت إلى جانبه. كانت يدها مستندة بالقرب من يده الصغيرة، وكأنها حتى في نومها تخشى أن تبتعد عنه.

بقي لوكا واقفًا عند الباب، يتأملهما طويلًا.

شعر بشيء ينقبض في صدره ثم يهدأ.

كل الساعات التي عاشها في الخوف، وكل لحظات الاختطاف، وكل الشكوك، وكل الصور التي حاول رافاييل استخدامها ضده، بدت بعيدة للحظة.

كانت سولي وأيان أمامه.

بخير.

معًا.

وتحت سقف واحد.

اقترب بخطوات هادئة، وسحب البطانية فوق سولي قليلًا حتى لا تشعر بالبرد. ثم نظر إلى أيان وابتسم.

همس:

— تصبح على خير يا صغيري.

خرج من الغرفة وأغلق الباب بهدوء.

عاد إلى الصالة، وجلس على الأريكة وأسند رأسه إلى الخلف. أغمض عينيه، وبعد دقائق غلبه التعب.

هذه المرة، لم يكن نومه مليئًا بالخوف.

كان يعرف أن عائلته قريبة، حتى لو لم تُحسم الأمور بعد، وحتى لو ظل رافاييل خطرًا ينتظر الفرصة المناسبة.

لكن على الأقل، في تلك الليلة الممطرة، كان لوكا وسولي وأيان تحت سقف واحد.

وللمرة الأولى منذ سنوات، شعر لوكا أنه عاد فعلًا إلى بيته.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️‍?

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    [ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status