LOGIN{لقاءٌ لم تكن مستعدة له.}
بعد أن رتبت سولي أغراضها الصغيرة داخل الخزانة، وقفت قليلًا عند النافذة تتأمل الحديقة الواسعة الممتدة خلف القصر. كان كل شيء جميلًا بطريقة تشعرها بالغربة أكثر من الطمأنينة. ثم دخلت إلى الحمام، ووقفت تحت الماء الدافئ طويلاً، وكأنها تحاول أن تغسل عنها ثقل الأيام الأخيرة. لكن حتى الماء لم يستطع أن يخفف ذلك الشعور العالق في صدرها. عندما خرجت، ارتدت ثوبًا بسيطًا، وجمعت شعرها المبلل قليلًا إلى الخلف، ثم جلست على طرف السرير وهي تنظر إلى الغرفة الواسعة حولها بصمت. مرّ وقت قصير، قبل أن يُسمع طرق خفيف على الباب. رفعت رأسها بسرعة. ثم فُتح الباب ودخلت الخادمة التي رافقتها سابقًا. — السيدة سولي، السيد فيتوريو يطلبكِ في مكتبه. تجمدت سولي للحظة. ثم هزت رأسها ببطء. — حسنًا... نهضت من مكانها، وشعرت بقلبها ينبض بسرعة أكبر من المعتاد. خرجت خلف الخادمة، وسارت معها عبر ممرات القصر الطويلة. كان القصر من الداخل أكثر اتساعًا مما تخيلت. أرضية لامعة تعكس الضوء القادم من الثريات الكبيرة، جدران مزينة بلوحات قديمة، وسجاد داكن يمتد على طول الممرات كأنه يرسم طريقًا لا ينتهي. كل زاوية كانت تبدو محسوبة بعناية. هادئة، مرتبة، باردة. حتى الخطوات كانت تخفت فوق الرخام وكأن المكان لا يحب الضجيج. كانت سولي تمشي بصمت خلف الخادمة، تحدق أحيانًا في الأبواب المغلقة على الجانبين، ثم تعود لتخفض عينيها. لم تكن تعرف إلى أين يذهب بها هذا القصر، لكنها شعرت أن كل خطوة فيه كانت تنقلها أكثر بعيدًا عن حياتها القديمة. وأخيرًا توقفت الخادمة أمام باب خشبي ضخم. — انتظري هنا. أومأت سولي. ثم تقدمت الخادمة وطرقت الباب بخفة. جاء صوت عميق من الداخل: — ادخلي. فتحت الخادمة الباب قليلًا، ثم التفتت إلى سولي. — تفضلي. ابتلعت سولي ريقها. رفعت يدها المرتجفة قليلًا، وطرقت الباب مرة أخرى قبل أن تدخله. كان المكتب واسعًا، مليئًا بالرفوف والملفات، وتتصدره نافذة كبيرة تطل على الحديقة الداخلية للقصر. وفي المقعد خلف المكتب كان يجلس فيتوريو فيتالي. رجل مسن، لكن حضوره كان ثقيلًا لدرجة تجعل المكان يبدو أصغر مما هو عليه. وقفت سولي عند الباب للحظة، غير قادرة على التقدم. رفع فيتوريو عينيه إليها. — اقتربي. خطت سولي ببطء إلى الداخل. — اجلسي. جلست في المقعد المقابل له، ووضعت يديها فوق ركبتيها، تحاول إخفاء توترها. صمت فيتوريو للحظة، وكأنه يتفحصها قبل أن يتكلم. ثم قال بصوت ثابت: — أنتِ هنا لأنكِ وافقتِ على الزواج من لوكا فيتالي. أومأت سولي بصمت. — هذا الزواج ليس قصة حب. شدت أصابعها قليلًا. — أعلم، سيدي. نظر إليها بحدة أكبر. — جيد. لأن ما بينك وبين هذه العائلة ليس الحب، بل اتفاق. سكت لحظة، ثم تابع: — نحن سددنا دينًا قديمًا كان على المرأة التي ربتكِ، وأنتِ وافقتِ على أن تكوني جزءًا من هذا السداد. خفضت سولي عينيها. — نعم. — إذًا لا أريد أن أسمع منكِ ترددًا أو اعتراضًا بعد اليوم. رفعت رأسها ببطء. كان صوته هادئًا، لكن كلماته كانت قاطعة. — أنتِ الآن في بيت فيتالي. وهناك قواعد. أخذ نفسًا قصيرًا ثم أكمل: — أولًا، لا تتصرفي وكأنكِ ضيفة هنا. أنتِ زوجة الوريث، وهذا يحمل مسؤولية، لا امتيازًا. سكتت سولي ولم تقل شيئًا. — ثانيًا، لا تحاولي الهرب من التزاماتك. لا من القوانين، ولا من العائلة، ولا من هذا الزواج. نظرت إليه بصمت. — ثالثًا، لا تكذبي. توقفت أنفاسها للحظة. رفع فيتوريو إصبعه قليلًا وهو يواصل: — لا تخدعي أحدًا، ولا تحاولي استغلال مكانتك الجديدة لتصنعي لنفسكِ طريقًا مختلفًا. عائلة فيتالي تعرف كيف ترى النوايا قبل الكلمات. ثم مال قليلًا إلى الأمام. — هل فهمتِ؟ — نعم، سيدي. — جيد. كانت يد سولي باردة فوق ركبتيها. شعرت أنها لا تملك حتى الحق في أن تتحرك بحرية داخل هذا المكان. تابع فيتوريو بصوت أقل حدة، لكنه بقي صلبًا: — لوكا لا يحب الكلام كثيرًا، ولن يمنحكِ اهتمامه بسهولة. لذلك لا تتوقعي منه ما لا يقدمه. رفعت سولي عينيها للحظة ثم خفضتهما مجددًا. — أنا لا أتوقع شيئًا. نظر إليها طويلًا. ثم قال: — هذا أفضل. ساد الصمت. لم تجد سولي ما تقوله، ولم يبدُ أنه ينتظر منها شيئًا. أخيرًا أشار بيده إشارة خفيفة نحو الباب. — عودي إلى غرفتكِ. ستستعدين للعشاء الليلة. نهضت سولي بسرعة. — حاضر. انحنت قليلًا باحترام، ثم خرجت من المكتب. --- عادت عبر الممرات نفسها، لكنها هذه المرة شعرت أن القصر صار أثقل. لم تعد ترى الجدران واللوحات فقط، بل صارت ترى المعنى خلفها. هذا ليس بيتًا عاديًا. هذا مكان تحكمه الأوامر. والتقاليد. والصمت. عندما وصلت إلى غرفتها، جلست قليلًا قرب النافذة وهي تفكر بكلام فيتوريو. لم تكن تعرف ما الذي كان أصعب: بروده، أم يقينه بأن حياتها هنا مجرد جزء من صفقة. مر الوقت وهي غارقة في أفكارها، حتى أتى الليل. وعندما حان موعد العشاء، طرقت الخادمة باب الغرفة ثم دخلت. — حان وقت النزول. وقفت سولي بسرعة، ثم تبعتها مجددًا عبر الدرج الكبير المؤدي إلى الطابق السفلي. كانت الأصوات تتصاعد من بعيد كلما اقتربت من القاعة الرئيسية. ضحكات خافتة، حركة أطباق، وصوت كؤوس تُوضع على المائدة. ثم فتحت الخادمة باب القاعة. توقفت سولي في مكانها للحظة. كانت المائدة الطويلة ممتدة في منتصف الغرفة، والشموع والثريات تمنح المكان إضاءة دافئة، لكن الجو لم يكن دافئًا فعلًا. كان أفراد العائلة جميعهم مجتمعين. فيتوريو في صدر المائدة. إيزابيلا إلى جانبه. ماركو، إيلينا، لورنزو، وإيزابيل. أما المقعد المجاور لمقعد لوكا فكان فارغًا. وقف الجميع للحظة، ثم التفتت الأنظار إليها دفعة واحدة. شعرت سولي بالخجل فورًا. لم يكن نوعًا من الفضول البسيط، بل نظرات تدرسها، تقيسها، وكأنهم يتساءلون لماذا دخلت عالمهم من الأساس. خفضت عينيها بسرعة. سمعت ماركو يهمس شيئًا لم تفهمه، بينما رفعت إيلينا حاجبها قليلًا. أما إيزابيلا فاكتفت بالنظر إليها بهدوء. قال فيتوريو بصوت واضح: — اجلسي. تقدمت سولي ببطء. لكن قبل أن تجلس، أشار الجد إلى الكرسي الفارغ بجوار المقعد الرئيسي. — هنا. توقف الزمن في صدرها لحظة. ذلك الكرسي كان بجانب مقعد لوكا مباشرة. إذن، سيجلس هو هناك. ابتلعت ريقها. وأومأت بصمت، ثم اتجهت إلى المقعد المخصص لها. جلست ببطء، وشدت يديها تحت الطاولة محاولة إخفاء ارتجافها. لم تكن المشكلة في الكرسي. المشكلة أن لوكا سيصل بعد لحظات. وهي لم تره بعد. عرفت اسمه كثيرًا، سمعت عنه أكثر، لكن مجرد فكرة أنها ستجلس إلى جواره جعلت أنفاسها تصبح أثقل. مرت ثوانٍ طويلة. ثم سُمع صوت باب القاعة يُفتح. رفع الجميع رؤوسهم. دخل لوكا. تغير الجو كله في لحظة. كان طويلًا، بملامح حادة، وشعره الأسود الطويل المرتب كان يصل إلى أسفل أذنه بقليل، منسدلًا بشكل أنيق يلفت الانتباه دون مبالغة. وجهه كان هادئًا بشكل غريب، خاليًا من أي ملامح تعب، وكأن الأيام لا تترك أثرها عليه أبدًا. عيناه الداكنتان لم تتحركا إلا ببطء، وكأنهما لا تهتمان بما في القاعة أصلًا. توقف عند الباب لثانية واحدة فقط، ثم سار نحو المائدة. لم يبدُ أنه لاحظ سولي في البداية. لكن عندما اقترب، رفع عينيه قليلًا. وصادف نظرها. تجمدت سولي. لم يكن في نظرته أي دفء. ولا حتى فضول. كان فقط ذلك الهدوء البارد الذي يضع بينه وبين الآخرين جدارًا غير مرئي. أبعدت سولي عينيها سريعًا، وكأنها خائفة أن تُمسك متورطة في النظر إليه. جلس لوكا إلى المقعد الملاصق لها دون أن يقول شيئًا. وللحظة قصيرة جدًا، شعرت سولي بوجوده بقوة لم تتوقعها. صوت حركته. رائحة ملابسه الباردة. والصمت الذي أحاط بالمكان من حوله. رفع فيتوريو كأسه قليلًا ثم قال بنبرة رسمية: — فلنبدأ العشاء. بدأت الخدم بتقديم الطعام. لكن سولي لم تستطع أن تأكل في البداية. كانت تشعر أن أنفاسها متوترة، وأن يدها لا تعرف أين تستقر. جلست بشكل مستقيم، تحاول أن تبدو هادئة. إلى جوارها، كان لوكا يأكل بصمت، من دون أن ينظر إليها مرة أخرى. كان حضوره نفسه كافيًا ليشعرها بأنها صغيرة جدًا في هذا المكان. لم تجرؤ على رفع رأسها كثيرًا. ومع ذلك، كانت تسمع كل شيء: صوت الشوكة على الطبق. صوت الكؤوس. همسات أفراد العائلة المتقطعة. نظراتهم كلما انتقل الحديث من واحد لآخر. ثم قال ماركو بسخرية خفيفة وهو ينظر إلى لوكا: — يبدو أن العشاء صار أكثر رسمية الليلة. لم يرد لوكا. ابتسمت إيلينا ابتسامة صغيرة. — وجود زوجة الوريث على الطاولة أمر يستحق الرسمية فعلًا. شعرت سولي بحرارة خفيفة في وجهها. لم تعرف إن كان ذلك تعليقًا لطيفًا أم مجرد اختبار. أما لوكا فبقي صامتًا، عينيه على طبقه، وكأن الكلام لا يعنيه. سأل فيتوريو بعد لحظة: — هل انتهت ترتيبات جناحها؟ أجابت الخادمة الواقفة قرب الباب: — نعم، سيدي. — جيد. ثم نظر إلى سولي للمرة الأولى منذ جلست. — اعتادي على هذا المكان بسرعة. أومأت سولي بسرعة. — سأفعل. عاد الصمت إلى المائدة. لكن بالنسبة لسولي، لم يكن صمتًا عاديًا. كانت تشعر أن جلوسها هنا، بجوار هذا الرجل الغريب الذي أصبح زوجها، يغير كل شيء من حولها. حاولت أن تأكل قليلًا، لكنها شعرت أن الطعام لم يعد له طعم. وبين كل لقمة وأخرى، كانت تشعر بوجود لوكا إلى جوارها، بعيدًا جدًا في سلوكه، وقريبًا جدًا في حضوره. ولأول مرة منذ وصلت إلى القصر، فهمت سولي أن الحياة هنا لن تكون سهلة أبدًا. لكنها لم تكن تعرف بعد... أن أصعب ما سيواجهها لم يكن القصر. ولا العائلة. بل الرجل الجالس إلى جوارها، والذي بدا كأنه وُلد ليكون بعيدًا عن الجميع، حتى عنها.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️?
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
[ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







