ログイン{إلى قصر فيتالي}
مرّ يومان فقط. يومان لم تستطع سولي خلالهما أن تتوقف عن التفكير بما ينتظرها. وفي صباح اليوم الثالث، توقفت سيارة سوداء أمام المنزل الصغير. كانت سولي واقفة بجانب جدتها، وحقيبتها الصغيرة إلى جانبها. خرج رجل يرتدي بدلة سوداء من السيارة، وانحنى قليلًا باحترام. — السيدة سولي؟ أومأت. — نعم. — حان وقت المغادرة. شعرت سولي بشيء ينقبض داخل صدرها. نظرت إلى منزلها للمرة الأخيرة. لم يكن كبيرًا. ولم يكن فخمًا. لكنه كان المكان الذي عاشت فيه أجمل سنوات حياتها. اقتربت من جدتها. — سأذهب الآن. لم تستطع العجوز الرد في البداية. كانت عيناها ممتلئتين بالدموع. ثم أمسكت بوجه سولي بين يديها. — اعتني بنفسكِ. ابتسمت سولي رغم دموعها. — سأفعل. — لا تثقي بأي شخص بسرعة. أومأت سولي. — حسنًا. — وإذا شعرتِ أن شيئًا يؤذيكِ، عودي إليّ. ارتجفت شفتا سولي. — جدتي... ضمتها العجوز بقوة. — لا أعرف ماذا سأفعل من دونكِ. أغلقت سولي عينيها. — لا تبكي. لكن صوتها كان يرتجف. ابتعدت عنها قليلًا ومسحت دموعها. — سأكتب لكِ. هزت العجوز رأسها بسرعة. — وإذا استطعتِ، اتصلي بي. ابتسمت سولي. — سأفعل. ثم حملت حقيبتها. وقبل أن تبتعد، عادت وعانقت جدتها مرة أخرى. هذه المرة لم تقل شيئًا. فقط دفنت وجهها في كتفها، محاولة حفظ رائحتها وصوتها ودفء ذراعيها في ذاكرتها. وأخيرًا ابتعدت. صعدت إلى السيارة. وقبل أن يغلق الرجل الباب، نظرت من النافذة. كانت جدتها واقفة أمام المنزل، تلوح لها بيد مرتجفة. لوحت سولي لها أيضًا. لكن عندما تحركت السيارة... لم تعد قادرة على الابتسام. أدارت وجهها نحو النافذة، وبدأت دموعها تنزل بصمت. وضعت يدها على فمها حتى لا يسمعها السائق. كانت ترى منزلها يبتعد شيئًا فشيئًا. حتى اختفى خلف الأشجار. عندها فقط سمحت لنفسها بالبكاء. --- بعد وقت طويل، توقفت السيارة أمام بوابة ضخمة. رفعت سولي رأسها. توقفت أنفاسها. كان أمامها قصر فيتالي. لم تكن قد تخيلت أن مكانًا يمكن أن يكون بهذا الحجم. بوابة حديدية عالية تحمل شعار عائلة فيتالي في منتصفها، وخلفها طريق طويل تحيط به الأشجار المشذبة بعناية. وفي نهايته ظهر القصر. كان ضخمًا، بجدران حجرية داكنة، ونوافذ طويلة، وأعمدة تمتد حتى المدخل الرئيسي. حدقت سولي به من خلف زجاج السيارة. — يا إلهي... لم تكن تعرف كيف يمكن لشخص أن يعيش في مكان كهذا. توقفت السيارة. نزل الرجل وفتح لها الباب. خرجت سولي ببطء، وحملت حقيبتها الصغيرة. شعرت للحظة أنها صغيرة جدًا أمام هذا المكان. دخلت من البوابة الرئيسية. وكلما اقتربت من القصر، ازداد شعورها بالغربة. عندما دخلت إلى الردهة، توقفت مرة أخرى. كانت الثريات الضخمة معلقة من السقف العالي، والأرضية من الرخام اللامع، والجدران مزينة بلوحات قديمة لعائلة فيتالي. كل شيء كان فاخرًا. لكن الغريب أن المكان، رغم جماله، لم يكن دافئًا. كان باردًا. صامتًا. وكأن القصر نفسه يراقب كل من يدخل إليه. اقتربت منها خادمة شابة. — السيدة سولي؟ التفتت إليها. — نعم. — تفضلي معي. أومأت سولي وتبعتها. لكن عندما دخلت الخادمة إلى القاعة الرئيسية، توقفت سولي مكانها. كان هناك عدد من أفراد العائلة مجتمعين. إيزابيلا فيتالي كانت تجلس بهدوء، بينما جلس إلى جانبها فيتوريو. وكان ماركو وإيلينا ولورنزو وإيزابيل موجودين أيضًا. توقفت الأحاديث لحظة دخولها. التفتت جميع العيون إليها. شعرت سولي بالتوتر فورًا. لم تكن النظرات ترحيبية. كانت نظرات تفحص. من رأسها إلى قدميها. وكأن كل واحد منهم يحاول أن يفهم: هذه هي؟ خفضت سولي عينيها بإحراج. شدت أصابعها حول مقبض حقيبتها. لم تعرف أين تنظر. رفعت إيلينا حاجبها قليلًا. أما ماركو فاكتفى بنظرة سريعة، وكأن شيئًا في مظهرها لم يعجبه. لورينزو بقي صامتًا، بينما كانت إيزابيل تراقبها بفضول. أما إيزابيلا، فكانت أكثر هدوءًا. نظرت إلى سولي طويلًا دون أن تقول شيئًا. كان المقعد الوحيد الفارغ في القاعة واضحًا. لكن الشخص الذي كانت سولي تتوقع رؤيته لم يكن موجودًا. لوكا. قال فيتوريو أخيرًا: — هل أحضرتها؟ أجابت الخادمة: — نعم، سيدي. نظر فيتوريو إلى سولي. — سولي؟ أومأت بسرعة. — نعم، سيدي. قال ببرود: — خذيها إلى غرفتها. ثم التفت إلى الخادمة. — واشرحي لها قوانين القصر. — حاضر. أشارت الخادمة لسولي أن تتبعها. تنفست سولي براحة صغيرة وهي تغادر القاعة. --- كانت الغرفة التي خصصت لها واسعة أكثر من المنزل الذي عاشت فيه طوال حياتها. سرير كبير، وخزانة ضخمة، وستائر طويلة، وشرفة تطل على الحديقة. وضعت سولي حقيبتها الصغيرة على طرف السرير. نظرت حولها. كان كل شيء جميلًا. لكنها لم تشعر بالراحة. دخلت الخادمة خلفها. — قبل أن تستقري، هناك بعض القواعد التي يجب أن تعرفيها. استدارت سولي إليها. — قواعد؟ أخرجت الخادمة دفترًا صغيرًا. — نعم. فتحت الصفحة. — أولًا، لا يُسمح لأي فرد من العائلة بمغادرة القصر دون إبلاغ السيد فيتوريو. أومأت سولي. — حسنًا. — ثانيًا، لا يُسمح بدخول الجناح الخاص بالسيد لوكا دون إذنه. توقفت سولي لحظة. — حتى بعد الزواج؟ — خصوصًا بعد الزواج. ابتلعت سولي ريقها. تابعت الخادمة: — ثالثًا، مواعيد الطعام ثابتة. ويجب أن تتناول زوجة الوريث وجباتها في وجود زوجها. رمشت سولي باستغراب. — يعني... لا يمكنني تناول الطعام إذا لم يكن لوكا موجودًا؟ — هذا هو القانون. شعرت سولي بالغرابة. — وماذا لو كان مشغولًا؟ — تنتظرين. صمتت سولي. أكملت الخادمة: — رابعًا، يجب أن تكوني موجودة في القاعة الرئيسية عند الاجتماعات العائلية. — حتى لو لم يكن لدي شيء أقوله؟ — نعم. — وخامسًا؟ — لا يُسمح لكِ بمغادرة أرض القصر دون إذن. ثم أغلقت الدفتر. — وهناك قواعد أخرى ستتعلمينها مع الوقت. حدقت سولي بها. — كل هذا... ضروري؟ أجابتها الخادمة بهدوء: — هذه هي عائلة فيتالي. نظرت سولي إلى الغرفة من حولها. فجأة شعرت أن القصر الذي أدهشها قبل دقائق بدأ يبدو كأنه قفص كبير. قالت الخادمة: — سأترككِ الآن. ثم انحنت وغادرت. أُغلق الباب. بقيت سولي وحدها. جلست على طرف السرير، ونظرت إلى حقيبتها الصغيرة. كانت كل حياتها تقريبًا داخلها. بضع ملابس. صورة قديمة. ومنديل صغير أعطتها إياه جدتها. أخرجته وضمتْه إلى صدرها. ثم نظرت نحو الباب. همست: — أنا بخير... لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لها. وفي ذلك القصر الضخم، وسط عشرات الغرف والممرات والأشخاص... كانت سولي وحيدة تمامًا.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا