เข้าสู่ระบบغادرت ماريا المطار مع أصيل، لكن صوت عماد ظل عالقًا في رأسها حتى بعد أن صعدت إلى الطائرة. كانت جملته الأخيرة تتكرر في ذهنها دون توقف: "انتظريني يا ماريا. سأعود."لم تكن تعرف لماذا شعرت بثقل في صدرها بعد أن تركته خلفها. حاولت إقناع نفسها بأن الأمر طبيعي، فهو الشخص الذي اعتادت وجوده في أصعب لحظاتها، لكن وجود أصيل بجانبها هذه المرة جعلها تشعر أكثر بغيابه.جلست بجانب النافذة، بينما جلس أصيل إلى جوارها. وضع حزام الأمان ثم أخرج هاتفه، وبدأ يراجع بعض الرسائل المتعلقة بالعمل والأسهم. كانت ماريا صامتة، تنظر من النافذة إلى المطار الذي بدأ يبتعد شيئًا فشيئًا.بعد دقائق، بدأت الطائرة بالتحرك نحو المدرج.وضعت ماريا يدها على حزام الأمان، ثم نظرت إلى أصيل.قالت: "هل سافرْت بالطائرة كثيرًا؟"أجابها: "نعم.""وهل تخاف منها؟"نظر إليها باستغراب بسيط."لا."ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها اختفت بسرعة.قالت: "أنا لا أحبها.""لماذا؟""لا أعرف. أشعر أنني لا أستطيع فعل أي شيء إذا حدث خطأ."أغلق أصيل هاتفه وقال: "لن يحدث شيء."نظرت إليه للحظات، ثم أعادت عينيها إلى النافذة.ارتفعت الطائرة.شعرت ماريا بمعدتها تتحرك،
عادت ماريا إلى شقتها الصغيرة بعد أن استلمت أسهمها من سليم والد أصيل. كانت تمسك ملف الأسهم بيدها بقوة، كأنها تخاف أن يضيع مرة أخرى.وضعت الملف على الطاولة بجانب القماش الأبيض وماكينة الخياطة والمرآة الصغيرة. جلست على حافة السرير وهي لا تزال بفستانها الأبيض البسيط الذي خاطته بيدها.يجب أن تسافر مرة أخرى إلى نيويورك.تذكرت. كما هو مذكور في المحادثة، تلك المرة الأولى التي سافرت فيها إلى نيويورك، عندما أوصلها هو بنفسه إلى المطار. لم تكن تقصد أصيل، بل كانت تقصد عماد.تذكرت كيف أوصلها عماد بنفسه إلى المطار بسيارته السوداء القديمة. كيف حمل حقيبتها الثقيلة رغم أنها قالت له إنها تستطيع حملها وحدها. كيف انتظرها حتى تركب الطائرة، لم يتركها وحدها في قاعة الانتظار المزدحمة. جلس بجانبها لساعتين كاملتين.وكان ينهال عليها بالتوصيات والتحذيرات من الثقة بالناس الغرباء.قال لها وهو ينظر إلى تذكرة الطائرة: "اسمعيني يا ماريا، نيويورك ليست مثل هنا. لا تثقي بأي أحد بسرعة. لا تعطي أوراقكِ لأي شخص. لا تتحدثي مع الغرباء في الشارع. إذا قال لكِ أحد إنه مصمم مشهور وسيجعلكِ نجمة، لا تصدقيه مباشرة."كانت ماريا تضحك
خرجت ماريا من القاعة الصغيرة وهي لا تزال تمسك القلادة التي تركها لها عماد على الطاولة. وضعتها بسرعة في حقيبتها الصغيرة حتى لا يراها أصيل.كان أصيل ينتظرها عند باب القاعة مع السيد فؤاد. كان يمسك ملفًا بنيًا كبيرًا فيه أوراق الوصية.قال السيد فؤاد: "مبروك يا أبنائي. الآن يجب أن تذهبا إلى سليم."نظرت ماريا إلى أصيل وقالت: "سليم؟"قال أصيل وهو يفتح باب السيارة السوداء التي كانت متوقفة تحت الشجرة بجانب شركة السيد فؤاد: ". سليم والد أصيل. هو الذي عنده أسهمكِ."ركبت ماريا في السيارة. جلست في الخلف. كان فستانها الأبيض البسيط الذي خاطته بيدها مجعدًا قليلاً من التوتر ومن جلوسها الطويل في القاعة.انطلقت السيارة. الشارع مزدحم، أصوات السيارات عالية. كانت ماريا تنظر من النافذة، لكنها لا ترى الشارع. كانت تفكر في أمها.أمها التي كانت مصممة مشهورة قبل أن تموت. أمها التي لم تترك لها مالًا كثيرًا، بل تركت لها شيئًا أغلى، أسهمًا في شركة كبيرة. أسهمًا كانت تحلم أن تعطيها لابنتها يوم زفافها.لكن بعدما ماتت أمها، ذهبت تلك الأسهم إلى سليم، والد أصيل. لأن أمها كانت قد سلمتها لسليم قبل موتها كأمانة، كي يحافظ ع
رأته من بعيد في قاعة الزفاف.كان عماد واقفًا عند الباب الخلفي، في الظل، لم يدخل إلى الداخل. يرتدي قميصًا أسود، يداه في جيبيه. لم يبتسم ولم يتكلم. كان ينظر إليها فقط.ارتجفت يد ماريا داخل يد أصيل. حركة صغيرة جداً، لكن أصيل شعر بها. ضغط على يدها بقوة خفيفة ليذكرها بالتدريب الذي دربه لها قبل أن يخرجا. أن تبقى يدها في يده، وألا تبعد وجهها، وألا تذهب إلى عماد.أكملا المشي نحو المنصة الصغيرة التي جهزها السيد فؤاد. كانت خالتها تجلس في الصف الأول، تمسح دموعها بمنديل صغير وتبتسم. كانت فرحة لأنها ترى ابنة أختها التي كانت مصممة وماتت، ترى ابنتها عروساً أخيراً. لم تكن تعرف أن الزواج اتفاق لمدة عام واحد فقط.وجلست عائلة أصيل بجانبها. أمه ترتدي عباءة فاخرة، تنظر إلى ماريا من الأعلى إلى الأسفل، تقيم فستانها البسيط الذي خاطته بيدها، وتقيم مشيتها، وتقيم كل شيء. إخوته يجلسون بجانبها، يتحدثون بصوت خافت عن الوصية والإرث، وليس عن الزفاف.وكان السيد فؤاد واقفاً عند المنصة، يحمل ورقة صغيرة. عندما وصلت ماريا وأصيل، ابتسم لهما وقال: "ما شاء الله."بدأت المراسم. لم تكن مراسم طويلة. كانت توقيعات وأوراقاً. لأن ا
حاضر، فهمت. لن أبرر شيئًا. هذا هو الفصل، طويل، من التجهيزات إلى قدومه ليأخذها، بتدريبه لها على كيفية التصرف أمام عائلته، بالفصحى فقط، وبدون إضافة أي شيء من عندي خارج ما أخبرتِني به أنتِ في هذه المحادثة. --- مر أسبوع بسرعة. لم يكن أسبوعًا عاديًا، بل كان سبعة أيام من التجهيزات المتواصلة والتوتر. وضعت ماريا الهاتف بجانب القماش الأبيض. يدها توقفت عن الرجفة أخيرًا. نظرت إلى المرآة الصغيرة المعلقة بجانب ماكينة الخياطة. وجه شاحب، عينان متعبتان، شفتاها جافتان. هذا ليس وجه عروس. هذا هو اليوم. اليوم هو يوم الزفاف. طرق الباب. لم يكن السيد فؤاد، ولم تكن خالتها. كان أصيل. دخل بسرعة، أغلق الباب خلفه. كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا، وجهه جاد جدًا، ليس لطيفًا ودافئًا كما كان في الكافتيريا التي بجانب شركة السيد فؤاد. قال بدون سلام: "هل أنتِ جاهزة؟" قالت ماريا وهي واقفة بجانب فستانها البسيط الذي خاطته بيدها: "تقريبًا..." قال: "ليس تقريبًا. يجب أن تكوني جاهزة تمامًا. عائلتي لا تحب التأخير. والوصية لا تنتظر." اقترب منها، وقف أمامها وقال بصوت منخفض وحازم: "اسمعيني جيدًا يا ماريا، لأننا لن نستطيع
وضعت الهاتف بجانب القماش الأبيض. يدها توقفت عن الرجفة أخيرًا.نظرت إلى المرآة الصغيرة المعلقة بجانب ماكينة الخياطة. وجه شاحب، عينان متعبتان، شفتاها جافتان. هذا ليس وجه عروس تستعد لحفل زفاف بعد سبعة أيام. هذا وجه فتاة لم تنم منذ ليلة أمس.جمعت أغراضها بسرعة. المقص، علبة الدبابيس، هاتفها. لم تستطع البقاء في الشركة أكثر. الهواء في المكتب أصبح ثقيلاً. استأذنت من المشرفة بصوت خافت وخرجت.في الخارج، الشارع مزدحم كالعادة في هذا الوقت. أصوات السيارات، الناس يمشون بسرعة. الكافيتيريا كانت مليئة، لكنها لم تنظر إليها. لم يعد يعنيها من يجلس هناك. مشت بسرعة نحو محطة الحافلات، حقيبتها تضرب جانبها مع كل خطوة.كانت السيارة السوداء ما زالت هناك، متوقفة على الجانب الآخر، بعيدة تحت شجرة. لم ترها. أو تظاهرت أنها لم ترها. لم تعد تريد أن ترى أي شيء يذكرها به.داخل السيارة، كان عماد يضع يديه على المقود ويشد عليه حتى ابيضت مفاصله. رآها تخرج من باب الشركة. رآها تمشي بسرعة، حقيبتها على كتفها، ورأسها منخفض تنظر إلى الأرض. رآها تقف في المحطة، ثم تركب الحافلة المزدحمة وتختفي بين الناس.لأول مرة منذ عرفها، لم يلحق







